شفقنا– اليوم وبعد ما يقارب الألف وأربعمئة عام يُحيي محبّو رسول الله وآل بيته الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في العام 61 للهجرة، فما إن يبدأ محرّم حتّى نكتسي بالسواد ونسكبُ العبرات ونقيم المجالسَ حزنًا على الفاجعة الأليمة التي ألمّت بابن بنت نبيّ الله ومن معه في كربلاء يوم عاشوراء. وفي كلّ ليلة من محرّم الحرام يلقي الخطيبُ الحسينيُّ الضوءَ على كوكبٍ من كواكبَ عاشوراء الذين كانوا رمزًا للتضحية والوفاء لإمامِ زمانهم، وتُنظَّمُ المواكبُ والمجالسُ الحسينية لنشر حقيقة المصاب وما جرى لإمامنا الحسين (ع).
ومن خلالِ إحيائنا لهذه المجالس ندركُ الحقّ الذي يمثّله الإمام الحسين (ع) والباطل والظلم في شخصِ يزيد بن معاوية. والسؤالُ هنا: هل دروس كربلاء محصورة في يومِ عاشـوراء؟ هل يمكننا تطبيق دروس عاشوراء في يومنا هذا؟ هل كربلاء محضُ قصةٍ قديمة، أم أنّها تتكررُ في كلّ زمانٍ ومكان؟ وهل الحق في شخص الحسين والظلم في شخص يزيد محصوران بهاتين الشخصيتين أم أنَّ صراعَ الحق والباطل، كبرا أم صغرا، يأخذان مساحةً كبيرة في حياتنا الآن؟
نلاحظ اليوم فئةً كبيرة من المؤمنين ممن يرفضُ إسقاط عاشوراء وما حصل في كربلاء على ما يجري من صراعاتٍ سياسية حالية لرفضهم المشاركة والتدخّل في السياسة أو ما يتعلّق بها. وهذا يدفعنا للتساؤل: هل كانت كربلاء مُجردة من السياسة والوقائع السياسية؟ ألم تكن أحداث كربلاء نابعة بالأساس من خِلاف سياسيّ بدأ بالتنافس على كرسيّ الخِلافة؟ ألم يكن هذا الخِلاف مرتبطًا بالسياسة الدينية التي لا يمكن نكرانها؟ فعندما أعلن يزيد عن نيّته بأخذِ البيعة من الإمام الحسين عليه السلام كان هذا أمرًا مرتبطًا كل الارتباط بالسياسة الدينيّة. وقد علمنا الإمام الحسين (ع) أن الوقوف في وجه الظلم والظالمين واجبٌ على كلّ مسلمٍ حين قال “هيهات منا الذلة”، وأن التساهل مع الظالم لا تُحمَدُ عقباه خاصةً إن كان متماديًا في ظلمه. وبتخييـر الإمام (ع) بين الذل وقبول البيعـة، وبين استلال السيوف والحرب والوقوف في وجه يزيد درسٌ لنا للوقوف مع الحقّ وأهله والفوز بالكرامة والرفعة، في حين أنّ من يقف موقف الظالمين، مهما كثُرَ عددُهم، سيرث الذلّ والهوان.
وقد لفت الحسين (ع) أنظارنا إلى أهمية الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر كأصلٍ من أصول الدين، إذ تزداد أهميةُ العملِ بهِ في الشؤون السياسيّة لأننا، وعلى سبيل المثال، قد لا نلتزم بقاعدةٍ فقهيّةٍ معينة ونسبّبُ الضرر لأنفسنا، أما إن أنكرنا العملَ بالأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر في الشؤون السياسية والاجتماعية فسيكونُ الضررُ أعمّ وأشمل وسيتمكن الظالم من الاستمرار في حكمه الجائر لعقود. وكان الحسين (ع) مثالًا في الفعاليّة السياسيّة لا متفرجًا صامتًا. أما من تبِعَ يزيد بن معاوية ،حتّى وإن لم يشهرسيفًا ضد الحسين (ع)، فقد كان صمته سلبيًا.
إن تحديدَ مواقفنا فيما يخصّ الصراع بين العدل والظلم واجبٌ علينا سواء أكان الصراعُ سياسيًا أم لم يكنْ. وبنظرةٍ إلى التاريخ نرى الكثير من الأمثلة على الصراع الديني والسياسي ونتعرف إلى شخصيّات ثارت على الباطل من أجل الحقّ فتخلَّدت أسماؤهم حتّى يومنا هذا، مثل أهل الكهف الذين آمنوا بربّهم ووقفوا في وجه الإمبراطور المستبدّ الذي ظلمهم ولاحقهم ولكنهم نالوا رضى ربّهم وتوفيقه. واليوم نحن نحن نذكرهم في كلّ مرة نقرأ فيها سورة الكهف. وهناك عدة أمثلة أخرى تبيّن أهمية وقوف المظلوم في وجه الظالم، مثل قصة كليم الله إبراهيم عليه السلام والملك نمرود، وقصة النبي موسى (ع) مع فرعون، والنبي داوود (ع) مع الظالمِ جالوت. كل هؤلاء جمعهم شيءٌ واحدٌ وهو الوقوف في وجه الظلم بكل بسالة وشجاعة. وهذا الأمر ليس منوطًا بالأنبياء فحسب، فزوجةُ فرعون، آسيـة، وقفت في وجه زوجها الطاغي وضحّت بمجدها الاجتماعيّ، الذي طمحت إليه جميع نساء زمانها، من أجل الحق والعدالة. علّمت آسيـة بموقفها النساءَ أنًّ الفعالية السياسية أمرٌ ليس محصورًا بالرجال فحسب بل أن للنساء دورٌ أيضًا. وقد رسّخت السيدة زينب سلام الله عليها هذا المبدأ في خطبتها في مجلس يزبد وابن زياد، بينما قاما القاسم والأكبر عليهما السلام ليُعلِّما الشباب أنهم مسؤولون أيضًا لرفع أصواتهم والمجاهرةِ بالحق ولو بكلمة “كلا!”
ومما يؤسَفُ له أن المؤسسات الإسلامية والمساجد والجمعيات في يومنا هذا تتمنّع عن الخوضِ في السياسة أو أخذ موقف سياسيّ معيّن أو إصدار بيانٍ أو استنكارٍ سياسيّ حتّى وإن تعلّقَ الأمر بالإسلامِ والمسلمين، كالقضايا التي تتعلق بالاضطهاد والظلم الذي يحصل في غزة والبحرين وليبيا ونيجيريا والعراق ولبنان وغيرها من الدول. فما الذي تعلّمناه من كربلاء؟ إنه لمن الخطأ أن نلعن يزيد بن معاوية وقتلة الإمام الحسين (ع) فحسب دون الوقوف في وجه الظالم الذي يضطهدنا اليوم. علمنا الحسين (ع) يوم عاشوراء ألا نكون معقودي الألسن ومكتوفي الأيدي، إذ قال عليه السلام: “من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرام الله أو تاركاً لعهد الله مخالفاً لسنّة رسول الله يعملُ في عباد الله بالإثم والعدوان, ثمّ لم يغيّر عليه بقولٍ ولا فعل, كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله”. إذًا علينا أن نربط أعمالنا في شهر محرم بتبيـان الظلم الذي يتعرّض له العامة من الناس في مختلف أنحاء العالم. وإن كنا أغفلنا معالجة القضايا المعاصرة في العام المنصرم، فإنّ هذا الشهر هو بمثابة تذكرة لنا بأن نتفكّرَ بكل الظلم الذي يجري حولنا بغض النظر عن الهوية والطائفة والدين والعِرق واللون.
فلا بدّ من إسقاط كربلاء الماضي على ما يجري اليوم وغدًا، فالصراعُ بين الحقّ والباطل سيظلّ قائمًا حتّى ظهور مولانا صاحب العصر والزمان (عج) لينقذَ الإسلام، كما فعل جده الحسين (ع) مع يزيد. وحتّى ظهوره (عج) علينا، كمنتظرين للإمام، أن نمهّد لنظهوره الشريف وننصرَ الحق بفعلنا وقولنا في كل ميادين الحياة. علينا أن ننصرَ الحقّ مهما كلفنا الأمر. فلا عجب أن أصحاب الحسين (ع) كانوا خير الأصحاب لأنهم ضحوا بدمائهم في سبيلِ إعلاء كلمة الحقّ. فكربلاء درسٌ لنا جميعًا، حين وقف الإمام الحسين (ع) في وجه الباطل ليعلّم البشرية جمعـاء درسًا في الإنسانيّة.
مقال لجيرمين أبو شـهبا في الموقع الإنكليزي لوكالة شفـقنا.
ترجمة زينب الحكيم


