خاص شفقنا– الوجهةُ كربلاء، والمشهد يتكرر كل عام، مشهد قل نظيره في العالم بوتيرة متزايدة، فرادى وجماعات، كبار وصغار، شباب وشيوخ، هدفهم الأصبى نحو الحسين “ع” لاحياء أربعينيته مجددين الولاء والعهد لسيد الشهداء، فطريق كربلاء هو طريق الأَحرار ، ينطلقون مشكلين سلاسل بشرية تمتد لأميال في أعداد لا يمكن احصاؤها.
فموسم الحزن الُمبجّل، جعل بين الشيعة وإمامهم صلة لا يمكن قطعها على مر العصور، خصوصا وأن أهل البيت عليهم السلام حثوا مواليهم على أداء تلك الشعيرة المقدسة وأكدوا عليها في كثير من الموارد لما من فضل في زيارته عليه السلام، فالامام الباقر”ع” يقول: “مُروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين فإن إتيانه مفترض على كل مؤمن يُقرّ للحسين بالإمامة من الله عز وجل”، وفي حديث آخر له عليه السلام عندما سئل ما لزائر الحسين من الثواب؟ فقال عليه السلام: “يؤمنه الله يوم الفزع الأكبر وتلقاه الملائكة بالبشارة ويقال له: لا تخف ولا تحزن هذا يومك الذي فيه فوزك”.
وفي مشهد حضاري يؤكد عن عاطفة جمعت محبي آل البيت، تنطلق مسيرة المشّاية وحمَلَة الرايات من جميع محافظات العراق، حيث تأتي الجموع من دول عربية وأجنبية ومن كل حدب وصوب، ، حرّكتها فطرة نحو نقطة ارتكاز واحدة توحي بكل المفاهيم الإسلامية الصحيحة بل بكل شعور اسلامي صادق وعميق، يتهافتون مواسين بذلك مسيرة سبي ابنة علي عليهما السلام.
الشيخ المصري: البعد الروحي يرتبط به كل اتباع مدرسة اهل البيت
ومن يمشي على طريق الحسين لا يستطيع ان يعبّر عن حقيقة هذه المشاعر التي تجتاحُه مهما كان بليغاً او متكلما لأن الكلمات تعجز عن التعبير، كما عبر فضيلة الشيخ مصطفى المصري العاملي، الا ان العَبرة خنقته وهو يصف تلك المعاناة الأليمة التي مر بها أهل البيت عليهم السلام في رحلة السبي، وهم في هذه الأيام على مقربة من يوم الأربعين، يتذكرون زينب ونسوة زينب ومن معهنّ في رحلة العودة من الشام.
ويصف الشيخ المصري في حديث خص به “شفقنا” وهو في طريقه سيرا الى كربلاء، ان الارتباط العاطفي هو الذي دفعه للسير مع مواكب المشاية، مشيرا الى ان البعد الروحي يرتبط به كل اتباع مدرسة اهل البيت عليه السلام، فالامام الحسين يجسد وفق المنظور العقائدي منظومة النبوة الالهية على الأرض وهذا ما يعبَّر عنه في الزيارة ” السلام عليك يا وارث آدم.. يا وارث نوح.. يا وارث موسى.. يا وارث محمد حبيب الله..” واضاف “بزيارتنا للإمام الحسين فإننا نرتبط بانسان يجسد ارادة الله على الأرض في الصراع الدائم والدائر منذ بدء الخليقة، انه صراع الخير مع الشر وبهذه الطقوس المتجددة كل عام نعلن انتماءنا للخير وللحق بمواجهة الباطل.
ويشير فضيلته بأن بداية المشي لزيارة الإمام الحسين “ع” كانت في اول اربعين بعد استشهاده عليه السلام عندما جاء جابر بن عبد الله الانصاري لزيارته والتقى آنذاك مع موكب السبايا العائد من دمشق، فكانت هذه اول زيارة، تبعتها عبر التاريخ زيارات يأتي بها المحبون والموالون وهذا ما لفت نظر اعداءه عليه السلام، ذلك لأنها تمثل ردا عمليا على ما اراد الطغاة ارساله للبشرية من خلال رحلة السبي التي نقلوا بها سبايا آل الرسول من كربلاء الى الكوفة الى الشام، وجاء الرد على كل تلك الرسائل بالرسائل التي يوجهها الموالون والمحبون التزاما بوصية الأئمة الاطهار الذين حثوا على زيارة الإمام الحسين، وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام العسكري “ع” انها من علامات المؤمن.
وتابع: “ان الذين يأتون لزيارة الإمام مشيا من شتى الأقطار والبلدان يعيشون مع كل خطوة تلك المعاناة الأليمة لآل الرسول وهي زيارة ليس لها مثيل في التاريخ عبر الزمن وما هي الا مسيرة يقوم بها الموالون من دون تخطيط واهتمام من احد الا انها تخضع لتخطيط وتوجيه عقائدي يلتزمون به وهم بذلك يعبرون عن حالة لا مثيل لها في التاريخ وهي حالة فريدة استثنائية تتجدد كل عام في كل جانب من جوانبها”.
ويلفت الشيخ العاملي الى انه لا شك ان المرجعية الدينية تعمل على توجيه عام لهذه الجموع المحتشدة والتي تنطلق من بعد عقائدي فنجد البصمات التوجيهية في كثير من المحطات تظهر من خلال عدد من النشاطات التي تتم رعايتها من قبل المرجعية .
حسن نصرالله: نتنافس على حب اهل البيت
وعلى طول الطرق التي يسلكها الزائرون، ثمة مواكب حسينية تتسابق لخدمتهم وتقديم ما لذ وطاب من الطعام والشراب في مائدة هي الأكبر في العالم ، وكل ذلك مجاناً دون مقابل ولا يرجو مقدموه إلا الأجر تعبيرا عن حبهم لآل بيت النبوة عليهم السلام.
عدد المواكب والمضائف لا يحصى، يتنافس فيها الصغار والكبار على تقديم الخدمة للزوار أيا كان نوعها، وربما كان تنافسٌ على حب الحسين، إلاّ أن روحيّة المناسبة زرعت في نفوس أولئك الخدام تسابق نحو أجر الدنيا والفوز بالآخرة، هم لا يطلبون أجرا ماديا، فدعوات الزوار هي رأسمالهم وتغنيهم عن كل أموال الدنيا. كما يعبّر صاحب مضيف “ثار الله” الشاب اللبناني حسن نصر الله الذي اشار في حديث خاص لوكالتنا الى انه بدأ خدمة الزوار في مضيف عراقي الى ان تطور واصبح مضيفا على طريق مشاية زوار الأربعين، ويقول: خدمة الزوار شرف لنا، ونفخر بتسميتنا خدام، فتلك الروحية التي نعيشها نستقبلهم من خلالها بلهفة وننتظرهم كل عام.
اذا، يتجدد كل عام الوفاء والعهد للإمام الحسين عليه السلام في اربعينيته، في مسيرة مليونية تُعدّ أكبر تجمع بشري في العالم وفي يوم واحد، حيث يتوافد شيعة اهل البيت منطلقين من مواكب العشق الحسيني متحملين المشقة والصعاب والأخطار الامنية لتثبيت مبدأ ثورة وثقافة قلبت تاريخ البشرية اعتمدت على مبدأ سلاح انساني ورفعت القيم والمبادئ لتثبت للعالم من جديد ان الحسين عليه السلام يحيهم لتكون رسالة لكل الضمائر والشعوب.

النهایة

