وتشير أرقام نتائج التصويت في البرلمان التركي في طلب الحكومة بالسماح للجيش بالتدخل العسكري في العراق وسوريا أن أردوغان بات يتحكم ببلاده منهياً زمن الجمهورية وإن كان بشكل غير معلن، لينشأ سلطنة يقرر فيها صاحب الفكر المتطرف وينفذ ما يريد، وما البرلمان وغيره من المؤسسات الدستورية في البلاد إلا صورة يختبئ وراءها بتسلطه ليظهر بصورة الرجل الديموقراطي.
لكن الداخل التركي الذي يعصف به التخوف من انهيار محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني بعد أن هدد زعيم الحزب الذي تعتقله السلطات التركية بذلك في حال تمّ تنفيذ مذبحة في مدينة “عين عرب” السورية ذات الغالبية الكردية، والتي كشفت الأحداث الأخيرة أن الجيش التركي جاهز للتواطؤ مع “داعش” و التنسيق معه مقابل تصفية القوة العسكرية للحزب، ويستفيد أردوغان من ذلك أن ينهي الحزب عسكرياً، ما يؤدي لفرض الشروط التركية على طاولة الحوار مع الأكراد لتصفية قضيتهم داخلياً.
فالرئيس التركي الذي حشد قواته على الحدود، ومنع النازحين الأكراد من الدخول إلى الأراضي التركية، لم يزل يجاهر بتقديم المعونة للميليشيات المسلحة في تركيا تحت ذريعة دعم ما يسميه “معارضة معتدلة”، واستناداً للمساومة التي طلبها للقبول بالدخول إلى الحلف مقابل فرض منطقة عازلة في شمال سوريا و حظر جوي، فإن موافقة البرلمان التركي تأتي بعد حصول أردوغان على طمأنة من أميركا أن طلبه قيد الدراسة على الأقل.
الرئيس التركي الذي يحاول الدخول برّيا إلى شمال سوريا ليكون له أن يسلح ويدعم الميليشيات في المنطقة، يأخذ بلاده إلى مواجهة مباشرة مع محور المقاومة لا سوريا وحدها، فالرسائل التي تأتي من خارج الحدود السورية لا تقل أهمية عن الرسائل التي تأتي من داخلها، فوزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية انتقد الطريقة التي يتم التصدي فيها لخطر الإرهاب.
وفي اتصال هاتفي مع نظيره التركي، عبرّ عن قلقه من القرار التركي، كما إن إعلان الحكومة الإيرانية عن منظومة فلق الصاروخية الجديدة وعجلة “ظفر” التكتيكية الثقيلة، وما سبقها من الإعلان عن تصنيع مروحية قتالية جديدة و تجارب صاروخية، لا يمكن أن يمر مرور الكرام في حسابات أميركا و تركيا وغيرها من الدول التي تحاول أن تفكك محور المقاومة بحجج متعددة و لأسباب لا تصب في مصلحة أحد أكثر من “إسرائيل”.
كما أن العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش السوري في محيط العاصمة دمشق على سبيل المثال، وتساقط معاقل المسلحين الواحد تلو الأخر بسرعة قياسية، يعكس واقع أن القوات السورية تشق طريقها نحو بقية المناطق السورية لتعيد سيطرتها عليها التي تنتشر فيها الميليشيات المسلحة، مدعومة بقرار سياسي صلب من حلفائها ودعم عسكري لا محدود من روسيا و إيران، فأول ما يخطر في بال أي من قادة دول الغرب أو التحالف الدولي هو إن ما تعلن عنه إيران وما تخفيه من أسلحة وقدرات عسكرية سيكون ضمن حسابات المعركة المباشرة مع محور المقاومة، وإن كان أردوغان يريد منطقة عازلة في الشمال و “إسرائيل” تريدها في الجنوب، فإن أول الردود المحتملة لمحور المقاومة أن يفرض حزب الله منطقة عازلة في شمال فلسطين ليكون ما قاله سماحة السيد حسن نصر الله عن تحرير مرتفعات الجليل قيد التنفيذ وخلال وقت يقدره الإسرائيليون أنفسهم بـالقصير.
المؤشرات الداخلية و الخارجية في سوريا تشير إلى أن رحلة القضاء على محور المقاومة لن تكون قصيرة، ولن تكون مهمة سهلة وذلك بتكامل الأدوار وبشراكة كبرى مع روسيا التي تعتبر المنطقة منطقة نفوذ استراتيجي لها، والعلاقة مع دمشق تؤمن الوصول إلى المياه الدافئة، كما إن لموسكو أيضاً مصلحة كبرى بالحفاظ على العلاقة الوثيقة مع الجمهورية الإسلامية الايرانية وبالتالي فإن المعطيات تشير إلى موت أحلام أردوغان وغيره في مهدها، لكن موقف أردوغان يعكس حقيقة أن محور المقاومة يشكل عائق أمام تمدد الفكر المتطرف للمجموعات المتشددة الذين يدعمهم أردوغان و يميل إليهم، كما يشكل عائقا امام توسع الكيان الصهيوني في المنطقة.

