شفقنا–تعجّ أروقتنا العلمية والثقافية والدينية بالمدوّنات والمكتوبات والأدوات السمعية والمرئية ومنابرالمساجد والحسينيات والملتقيات والمؤتمرات ومواقع التواصل والمراكز والمعاهد والمؤسّسات … التي تتّخذ من : ” قال المعصوم ” ” فعل المعصوم ” ” قرّر المعصوم ” أساساً ودليلاً وحجّةً ومحوراً معرفيّاً وعَقَديّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً وفنّيّاً … ومفتاحاً تلج به كلّ الفضاءات اللازمة ، ذلك بطبيعة الحال بعد القرآن الكريم وقبل دليلي العقل والإجماع ، ناهيك عن الاُصول العملية من البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب ، وهكذا الأحكام الثانوية .. متداولةً – روايات وأحاديث المعصومين (ع) – بالشروح والبيانات والحواشي والاستدراكات والاستدلالات والاستنباطات والاستنتاجات ، التي تتفاوت كمّاً وكيفاً من “فقيه ” إلى آخر .
لاشكّ أنّنا نعتزّ ونفخر بتراثنا ونقدّس الجهود المضنية التي جمعته وحفظته لنا بهذا الشكل والمضمون رغم الغثّ والضعيف الذي لم ولن يمرّ عليه علما الدراية والرجال وفلترة المتن دون محاكمة وجزاء .
إنّما الإشكال في أنّنا إلى أيّ مدى قد تمكّنّا من تنفيذ قول وفعل وتقرير المعصوم (ع) ؟ هل تمكّنّا من فهم مقاصده (ع) ؟ هل تمكّنّا –باستيعاب النصّ – من صنع الفكرة والتخطيط لقبولها جمعيّاً كي تأخذ طريقها لميدان العمل والممارسة، أم لازلنا امتداداً لاُولئك الذين طبع عليهم المولى (ع) : ” ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيضا وجرّعتموني نغب التهمام أنفاسا ” ؟
أين نحن من البوصلة ، أين موقعنا من المعصوم (ع) : موالون، تابعون ، محبّون ، مدّعون ، حربائيّون ، متزلّفون، حقيقيّون، شفّافون ، وهميّون ، ضبابيّون …
هل نحن حقّاً ملتزمون بأحكام الدين والشريعة ؟ هل نعي معنى أن يجود” وليّ الأمر” بكلّ شيء حتى بنفسه من أجلنا ومن أجل المبادئ الإلهيّة والإنسانية النبيلة ؟ فكم هو مؤلم ومحزن ومثير أن يذوب قلب المولى جوىً لنا ونحن لاهون برغباتنا ، غاية همّنا أن نغدو مبرمجين من الطراز الرفيع في كيفية جعل أكبر عدد ممكن من الناس يلهث وراءنا ، مطيعاً لأمرنا ، دوماً في حاجةٍ لنا لا لغيرنا ، يدور في فلك أفكارنا وشهواتنا ، نصنع به أداتنا في حذف الندّ والرقيب خلال صراع الحلقات أو حلقات الصراع .. هنا يكبَّل العلم والمعرفة والفكر والثقافة وقيم الجمال وتطلق حرّيّة الصنميّة والنفاق والتملّق والميول الضيّقة وقيم الانحلال !!
أمّا تراجيديّة ” الانتظار ” فمصيبة اُخرى تضاف إلى سائر المصائب ، فهل نحن حقّاً نعرف الإمام الذي نندبه في ابتهالاتنا وتوسّلاتنا وآهاتنا ؟ وكيف لنا أن لا نعرف إماماً ندّعي انتظار ظهوره ؟ ولعلّ البعض منّا رغم ميله الباطني يدعو إلى تعجيل فرج المولى ، والمولى يأتي بلا ترديد ليملأ الأرض قسطاً وعدلا ، الأمر الذي لايروق لهذا البعض قطعاً ويتمنّى جدولة الظهور حيث مهمّة الدنيويّات الظالمة لم تنته بعد !!
إنّ معاناة الرسل والأنبياء والأوصياء والولاة الصالحين والمؤمنين هي هي لم تتغيّر رغم تغيّر الزمان والمكان والحياة والإمكانات ، فهاهم مراجعنا ، علماؤنا، نخبنا ، خيّرونا ، يألمون لغربة الدين واُنس الناس بمناهج المنحرفين .
الحلّ يكمن في أن يحسم الإنسان موقفه من الله تبارك وتعالى ، واللعب على الحبلين ليس عقيدةً أبدا ، إنّما هو مناورة
سياسية سرعان ماتنكشف أوراقها، ولعلّ من الغرابة الإشارة هنا إلى ذاك الذي خاطب الإله :” أجبرني كرهي لك على الاعتراف بك ” لكنّه حسم أمره نهاية المطاف .
الحسم السرمدي يعني عدم الاستغناء عن التفكير مطلقاً ، ولاخير في حسمٍ لم يٌعجَن بالتدبّر والتأمّل؛ إذ هو حسم العبيد ، أمّا حسم الأحرار فيعني : من أين ، في أين ، إلى أين .. حينها يهتف كلّ شيء في الإنسان : ماألذّ عبادة الأحرار ، ماأروع الأوبة إلى فطرة العزيز الجبّار .
إنّ تنفيذ مراد المولى ، مراد المعصوم ، من ينوب عن المعصوم ، بفهم ونضج ووعي ، يعني أنّه تنفيذ مسبوق بتفكير ، بصناعة فكرة ، بتخطيط لنيل رضى العقل الجمعي ، لفتح نافذةٍ وتعبيد طريقٍ نحو ميدان العمل والممارسة .. فإذا استنارت الروح بنور الإيمان أفاضت على سائر أركان الذات وعمّ سناها باقي الذوات ، حيث فلسفة الحياة أن يسعد الإنسان السعادة الحقيقية ويُسعِدَ الآخرين .وهل سعادة أرقى من سعادة الكمال البشري السالك سبل الهداية والفلاح الأبدي .
وإذا كان نجاح الفكرة لا بدّ أن يطوي سلسلة مراحل بخصوصيات وشروط معيّنة ، فما ظنّنا بالفكرة التي تُصنَع في فضاء العليّين بيد العليّين ، حيث قدسيّة الغري وطوس وماأدراك ماالنجف ومشهد الرضا ، إنّهماعليّ وعليّ والكلّ سائرإلى العليّ جلّ وعلا ، فكرة كهذه لاغرو أنّها معجونة بطينة العقل والعلم وحكمة اُولي النُهى ، فكرة سيضبط التاريخ أنّها كسبت وتكسب ليس الرضى الجمعي فحسب بل ارتشفتها وترتشفها العقول النيّرة والقلوب السليمة ارتشاف الضامي وسط البراري ، كما سيدوّن الضمير الحيّ أنّ من عمل ويعمل بها نال وينال خير الدنيا وخيرالآخرة .
بقلم: كريم الانصاري
النهایة

