خاص شفقنا- ان الاسلام دينٌ جامعٌ له احكامه ومقرراته سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي من الحياة، وان توفير السعادة للانسان منوط بالعمل بالقوانين الفردية والاجتماعية.
إن العمل بالاحكام والقوانين الالهية يستدعي معرفة صحيحة ودقيقة بها، وما لم تُعرف هذه الاحكام بصورة صحيحة فلن نستطيع العمل بها على احسن وجه، كما ان معرفة هذه الاحكام في غير ضروريات الدين تحتاج الى عملية تحقيق تخصُّصية موسعة ومعمقة ومنهج تحقيقي متميز ـ وذلك ما يصطلح عليه بـ «الفقاهة» وعلى المحقق والعالم بالاسلام اسم «الفقيه» وعلى العلم الذى يحتضنه اسم «الفقه».
وبما ان بلوغ الفقاهة والاجتهاد وبالتالي استنباط احكام الدين استنباطاً صحيحاً يستدعي إفناء سنين طوال في دراسة شتى العلوم الاسلامية وجهداً دؤوباً لنيل القدرة على استنباط الاحكام الشرعية من مصادرها؛ فقد اصبح من الواجب على طائفة من ابناء المجتمع في كل عصر القيام بهذه المهمة ووضع ثمار دراساتهم في متناول الآخرين ليتعرفوا من خلالها على القوانين الاسلامية ويعملوا بها.
وهذه المنهجية هي المتبعة في كافة الاختصاصات الانسانية، وبناءً على هذا فان الناس وبمقتضى ذوقهم العقلائي يرجعون فيما لا يمتلكون اختصاصاً كافياً به الى ذوي الاختصاص ليعرفوا ما جهلوا وينظّموا حياتهم، من قبيل رجوع الناس للمعمار، والطبيب وغيرهما.
وهكذا فانهم يرجعون الى الفقهاء لمعرفة الاحكام الدينية ليعملوا بها في حياتهم بعد معرفتها، من هنا فقد دُرج دينياً على تسمية المجتهدين بـ «مراجع الدين» أي مَنْ يُرجع اليهم في امور الدين.
وعليه فان العمل المتميز لمرجع التقليد هو بيان الاحكام الاسلامية بصيغة قواعد كلية اوجزئية فيما يحتاج لتدخله في البعدين الفردي والاجتماعي.
ونظراً للاختلاف الحاصل في وجهات النظر حول بعض المسائل الفقهية، فان الناس وبمقتضى حسهم العقلائي الذي يسعفه الدليل الشرعي يتوجهون نحو مَنْ كان يفوق الآخرين حذاقة وشهرة وعلماً أو ما يُصطلح عليه بـ «الفقيه الأَعلم». اذن الاعلمية شرطٌ واجبٌ للرجوع الى أي فقيه في الامور الخلافية.
وربما يتوصل الناس ـ وبعد التحقيق حول الفقيه الاعلم والرجوع الى ذوي الخبرة ـ الى نتائج مختلفة وبالتالي يقلِّد كلٌّ منهم مرجعاً معيناً، وهذه التعددية في المراجع لن تخلق مشكلة على صعيد الاحكام الفردية، غير ان التعددية في الآراء في القضايا الاجتماعية حيث المدار فيها علاقات الناس فيما بينهم، ستكون مثاراً للمشاكل لاسيما في القضايا المهمّة والمصيرية ولعلها تتسبب في حدوث الفوضى بل وحتى زعزعة نظام الحياة الاجتماعية، وعليه من الضرورة بمكان ان تحكم البلاد رؤية واحدة صادرة من فقيه عارف بالقضايا السياسية والاجتماعية أولا، وله مقبولية اجتماعية كبيرة ثانياً، وعلى ان يكون صاحب هذه الرؤية مشهوداً له من قبل طائفة يُعتد بها من المجتهدين ذوي الخبرة على انه الاعلم في الامور الاجتماعية، وهكذا تُتخذ هذه الرؤية قاعدة لاتخاذ القرار فيما يخص شؤون البلاد ومعالجة المشاكل وتنفيذ الاحكام الاسلامية وتفهم بقية الفقهاء أن الأكثرية العددية في ناحية التقليد تفرض تحركاً اجتماعياً خاصاً يعمل على الحفاظ على الكلمة والنسق الإجتماعي وهو طريق عقلائي اثبتت التجربة صحته في حركة الاديان والمذاهب، خصوصاً انه لا يلغي الخصوصية بل هو عملية تشاركية، فقلما يصدر عن المرجع الاعلى قرارات فردية، بل هو يلاحظ لفيف الفقهاء، وعلى هذا شواهد تاريخية كثيرة ناهيك عن تلك الثقة المولاة له لمعرفتهم ببصيرته وورعه وتدينه.
انَّ المرجع الديني الاعلى ممن يحرز رضا الشارع المقدس به حارساً للشريعة ومنفذاً للاحكام والقوانين الالهية؛ لان كل شيعي يعلم خطورة هذا المنصب وان الراعي الاول وهو صاحب الزمان متكفل بحفظه فلا يترك أبداً في يد من لا يستطيع الاخذ به الى شاطىء الامان، ورغم أن المرجع الاعلى قد لا يعمل بعض صلاحياته بيد أن دوره المهم في التصدي للانحرافات، والمحافظة على الوحدة وتطبيق الاحكام الدينية وكذلك اتخاذ القرار بشأن الامور الاستراتيجية والمصيرية .
وفي ضوء ما تقدم نصل الى نتيجة ان مراجع التقليد هم مرجع الامة في مجال معرفة الاحكام الفقهية، والمرجع الديني الاعلى هو مَنْ يتولى الأمر والنهي واتخاذ القرار فيما يخص الامور الاجتماعية في البلاد – على النحو الذي بيناه من تفويض الفقهاء له في ذلك ومشاركتهم اياه في ادارة دفة السفينة – وعليه فمن الواجب تنفيذ أوامره؛ وتعتبر رؤيته هي الحكم الرسمي الوحيد الذي يحظى بالقبول في الامور الاجتماعية، ويجب على الجميع تطبيق رؤاه في الامور السياسية والاجتماعية، ولا يحق لأي أحد مخالفتها.
بقلم: مهدي الرباني
النهایة
www.shafaqna.com

