نشر : فبراير 4 ,2018 | Time : 04:08 | ID : 157006 |

أصدقاء أم «رهائن».. لماذا تفشل الرياض في تحالفاتها فيما تنجح طهران؟

شفقنا- في رحلة البحث عن الحلفاء المحتملين لكل من العدوين الإقليميين اللدودين، إيران والسعودية، يُفترض أن تكون النتائج محسومة للأخيرة؛ فالمملكة – نظريًا – تمثل الطرف السني في الصراع – الذي يصر الكثيرون على صبغه بالصبغة المذهبية – في مقابل الجمهورية الإسلامية التي تخضع لحكم ديني يدين بالمذهب الشيعي، تخبرنا لغة الأرقام أن أتباع المذهب السني يمثلون الأغلبية الساحقة من المسلمين 90%، يُفترض أن يكون هؤلاء – وفقًا للتفسير الطائفي للصراع – حلفاء طبيعيين للمملكة.

لكنّ لغة الأرقام خادعة في كثير من الأحيان؛ إذ أفرزت أحداث «الربيع العربي»، وما تلاها من إرهاصات، واقعًا جديدًا بدت فيه لطهران اليد العليا في أغلب بؤر النزاع، من سوريا إلى اليمن، ومرورًا بلبنان والعراق، وفي حين أن إيران كانت بالفعل أكثر «جرأة» من الرياض  للتدخل المباشر في تلك المناطق، فإن الفضل الأكبر يعود إلى حلفاء إيران الذين بدوا دومًا أكثر صرامة في الصراع، وأشد ولاءْ لطهران، مقارنة بالتحالفات التي اعتمدت عليها المملكة، والتي لم تؤت أكلها في كثير من الأحيان.

كيف «تُوقّر» إيران حلفاءها؟
بشار الآن وحزب البعث الحاكم في سوريا غارقون في المستنقع حتى أعناقهم، ولم يبق شيء حتى يغرقوا بالكامل، في مثل هذه الظروف تريدون أن تقوموا بعمل ثقافي؟ وتفتحوا لهم صفوفًا وتعلموهم؟ وتحدثوهم عن الأمور المعنوية؟ المجال الآن ليس مناسبًا لعمل ثقافي أيضًا فهم يغرقون.

وردت العبارات السابقة منسوبة  للأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله،  في كتاب «رسائل الأسماك» للعميد السابق في الحرس الثوري «حسين همداني» – قتل في حلب في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 – يوثق فيها بعض مراحل تدخل الإيرانيين في الحرب السورية، وبحسب همداني، فقد تم وضع وثيقة استراتيجية للتعامل مع المسألة السورية، تتضمن إلى جانب المساعدة العسكرية محاور سياسية واقتصادية وثقافية لإعادة تأهيل النظام في سوريا.

ما يعنينا هنا هو موضع حزب الله في هذه الخطة، نظريًا حزب الله تابع لإيران أيديولوجيًا وسياسيًا، يتلقى دعمًا وتسليحًا مباشرًا من هناك، ومن المفترض وفق هذه الصيغة «تابع – متبوع» أن يكون الخطاب الإيراني بالنسبة لقادة حزب الله لا يعدو كونه مجرَّد أوامر مباشرة لازمة التنفيذ، لكن ما أوردته «رسائل الأسماك» توحي بدور مغاير وأصيل ومحوري لحزب الله في كل القرارات الإيرانية في المنطقة، وأن القادة في طهران لا ينظرون إلى حلفائهم كـ«مجرد» تابعين، بل أصدقاء لهم حق المشورة واتخاذ القرارات والتعديل عليها.
وفقًا لهمداني، فقد أمر مرشد الثورة الإيرانية أن تكون السياسات الكلية لمحور المقاومة وسوريا تحت إشراف نصر الله، وقد رفض الأخير أغلب الخطة الإيرانية التي نالت من قبل موافقة المرشد وقاسم سليماني ، وأسقط منها ثلاثة محاور، وختم نصر الله الجلسة بالقول لضيفه الإيراني: «اذهب وعدل هذه الخطة»، وهو ما تم بالفعل، الأمر الذي يظهر بجلاء كيف  أن حزب الله لم يكن مجرد بيدق في يد الإيرانيين، بل فاعل حقيقي ومؤثر في المعادلة له صلاحية الاعتراض على القرارات الإيرانية ذاتها، وفق سقف محدد بالطبع.



من الأجدر بثقة حلفائه.. السعودية أم طهران؟
في الواقع، وبعيدًا عن التقييمات الأخلاقية أو السياسية، يمكن اعتبار أن الحالة السورية تمثل تكثيفًا للمبادئ التي تتعامل بها إيران مع حلفائها، حيث ألقى الإيرانيون بثقلهم بالكامل خلف الأسد ونظامه، تتحدث التقارير عن ملايين الدولارات تذهب سنويًا من إيران لحلفائها، وتقاطرت الكتائب الإيرانية إلى سوريا بذرائع مختلفة، وسُخّرت كامل آلتها الإعلامية والسياسية للدفاع عن الأسد ونظامه.

فعل الإيرانيون الشيء نفسه تقريبًا مع حلفائهم في اليمن ولبنان والعراق، ولم يدّخر قائد فيلق القدس «قاسم سليماني» جهدًا في القيام بزياراتٍ مكوكية طافت تقريبًا كل نقاط التماس مع «العدو»، كما تدفق الدعم اللوجستي الإيراني على الحشد الشعبي العراقي، وقوات الحوثيين في اليمن؛ لتبقى تلك الأطراف قادرة على الصمود وتحقيق الانتصارات، بفضل مساعدات نظام الولي الفقيه.



حتَّى عندما قررت إيران تقليص دعمها لحركة «حماس»؛ بسبب موقف الأخيرة من الأحداث في سوريا، فإنها أبقت على «شعرة معاوية» مع الحركة، ولم تسرف في التشويه أو الإهانة الإعلامية، وهو ما أتاح للجانبين استئناف علاقاتهما بعد  سنوات بسلاسة؛ لتستمر بذلك إيران في حصد الفوائد السياسية والدعائية من رعايتها للحركة والقضية الفلسطينية ككل.

تستدعي تلك المواقف المقارنة بالتعاطي السعودي مع حلفاء المملكة، ففي حين أفاضت الرياض على السوريين الوعود خلال سنوات الثورة الأولى، فإن تطوُّر المجريات على الأرض كّشفَ فراغ تلك الوعود من أي مضمون حقيقي؛ إذ أغلقت السعودية أبوابها في وجه اللاجئين السوريين الذين عُدّوا بالملايين، ولم تصمد وعود الرياض بدفع رواتب للمنشقين عن جنود النظام والجيش السوري الحر.

ويبدو أن هذا الأداء السياسي «الهزيل» للسعودية قد أثار غضب بعض المعارضين السوريين ودفعهم إلى الخروج عن لغة السياسة، مثل التسريب الذي نُسب إلى المعارض السوري «ميشيل كيلو»، يتهم فيه السعودية بالافتقار إلى الحس التاريخي والقومي، وبأن أداءها «تحت مستوى السياسة»، وبأنها ما أرادت إلا الفوضى للسوريين منذ البداية.


الأمر نفسه تكرر مع حركة حماس؛ إذ لم تَطُل المحاولات السعودية لاستقطاب الحركة «السنية» بعيدًا عن طهران، حيث بدأ الحكم الجديد في المملكة بقيادة الملك سلمان جهودًا للتقارب مع حماس، إلى حدّ دعوة الرياض قادة الحركة للمشاركة في الاحتفالات الوطنية، وظهرت بوادر خلاف إيراني – حمساوي على إثر هذا التقارب مع الرياض، بدا لبرهة أن السعودية قد نجحت أخيرًا – وبعد عناء طويل – في حرمان طهران من ثمرات الظهور بمظهر حامي حمى المقاومة، والداعم الوحيد للقضية الفلسطينية، وبدأت الوكالات العالمية تتحدث عن نهاية «زواج المصلحة» بين حماس وإيران.


لكنّ هذا التفاؤل لم يدُم طويلًا؛ إذ سرعان ما فضّت السعودية ذاتها عُرى التحالف الوليد، حين قررت أن تكشِّر عن أنيابها للحركة، فخرج وزير الخارجية السعودية مفسرًا سبب عداء دولته لقطر بأنها تستمر في دعم حماس والإخوان المسلمين، قبل أن تشن الصحافة السعودية حملة ضارية على الحركة، وتضعها صحيفة عكاظ في مرتبة واحدة مع تل أبيب؛ ليعود السفير السعودي في الجزائر مكررًا وصف الحركة بـ«الإرهابية» إذا كانت تسعى لإثارة مشاكل.

هذا «الهاجس» السعودي تجاه حركات الإسلام السياسي لم يكلفها فقط خسارة حماس وحركات المقاومة، بما وراءها من حاضنة شعبية (سنية) كان بإمكانها الاعتماد عليها في حربها المفتوحة ضد إيران، بل كلفها كذلك خسارة الاستقرار الأمني عند حدها الجنوبي، ويُشار هنا إلى أن استيلاء قوات الحوثيين على صنعاء كان يواجه بتكاسل – يرقى إلى غض الطرف – من جانب السعودية، التي رأت في وجود حزب الإصلاح – المحسوب على الإخوان المسلمين – في سُدّة الحكم خطرًا عليها، لتفاجأ وقد صارت أذرع إيران عند حدودها الجنوبية، ولا تزال غير قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها بعد سنوات من الصراع والحرب التي استنزفت كثيرًا من أموالها وسمعتها الدولية.
حلفاء أم رهائن؟
أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، استيقظ لبنان على ما يُمكن اعتباره «زلزالًا سياسيًا» يتمثَّل في استقالة رئيس وزرائه «سعد الحريري» من منصبه. جاءت الاستقالة بشكلٍ مفاجئ تمامًا، وفي ظل غياب أيّ مؤشّرات حتى لأقرب المقربين من الرجل، كما أن إلقاء الحريري لبيان الاستقالة من السعودية كان يزيد الأمر ريبة وغموضً، قبل أن تتكشف كواليس «اللعبة» سريعًا.

لأيام طويلة ظل الحريري غائبًا عن التواصل حتى مع مساعديه، وتسربت التقارير الصحافية التي تتحدث عن إجبار ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» للرجل على الاستقالة. استدعى الأمر بيانات دولية ومناشدات من الرئيس اللبناني، وتدخل الرئيس الفرنسي شخصيًا لـ«إطلاق سراح» الحريري، الذي سرعان ما تراجع عن استقالته بعد العودة إلى بيروت.


فشلت خطة ابن سلمان إذًا في سحب بساط الشرعية من تحت أقدام حزب الله كما رغب، لكنه في مقابل ذلك قد خسر كثيرًا من مصداقية الرياض أمام الحاضنة السنية في لبنان، بعد أن خرج  تيار المستقبل – حزب الحريري نفسه – مطالبًا بعودة الرجل إلى لبنان، فيما بدا تذمرًا من الموقف السعودي، وإقرارًا منه بقيام الرياض باحتجاز الرجل بالفعل.

حليف آخر للسعوديين، وهو الرئيس اليمني «عبد ربه منصور هادي» تعرّض لموقف شبيه، إذ ذكرت وكالة «أسوشيتد برس» – بالتوازي مع احتدام أزمة الحريري – أنّ هادي الذي يقيم في السعودية منذ سنوات ممنوع من العودة إلى اليمن، وهو وأبناؤه ووزراء وعسكريون يمنيون. وبحسب الصحيفة، فإن مصدرًا يمنيًا قد قال: «السعوديون فرضوا عليهم الإقامة الجبرية، وعندما يطلب هادي السفر يبلغونه، بأن عودته ليست آمنة، وأن هناك متآمرين يريدون قتله، وأنهم يخشون على حياته».


ويبدو أن «احتجاز» الحلفاء والتعامل معهم كـ«رهائن» قد صار سياسة متّبعة لدى الإمارات كذلك، وهي الحليف الوثيق للسعودية، إذ- وفي أعقاب إعلانه عن عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية في مصر – خرج رئيس الوزراء المصري الأسبق أحمد شفيق بفيديو مصوَّر يتهم فيه دولة الإمارات العربية المتحدة باحتجازه ومنعه من السفر «لأسباب لا يفهمها ولا يتفهمها»، فيما فُهم من البعض أنها محاولة إماراتية لعرقلة ترشح الرجل «مجاملة» للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قبل أن يتم ترحيل شفيق إلى مصر على متن طائرةٍ خاصة ليتراجع لاحقًا عن قراره بالترشح.


السيناريو ذاته تكرره الإمارات مع حليف آخر، الشيخ «عبد الله بن على آل ثاني»، وهو الذي تم الاحتفاء به في وسائل الإعلام السعودية والإماراتية، باعتباره عضوًا في الأسرة الحاكمة في قطر، «توسط» لدى السعوديين لتيسير السبل أمام الحجاج القطريين، قبل أن يتم تدشين حساب موثق له على موقع «تويتر»، يحظي بمتابعة الآلاف في غضون ساعاتٍ قليلة.

لكن الرجل فجر مفاجأة قبل أيام حين خرج في تسجيل مسرب يعلن فيه أنه قيد الاحتجاز، ويحمِّل ولي عهد أبو ظبي «محمد بن زايد» مسؤولية سلامته، قبل أن تخرج الإمارات لتنفي احتجاز الرجل الذي وصل إلى الكويت ليؤكد في تسجيلٍ مصور آخر أن كلًا من «ابن زايد» و«ابن سلمان» يطمعان في ثروة قطر، وأنه حاول الانتحار تحت الضغوط.


مفهوم أن التحالفات السياسية بين طرفين قد لا تحكمها إلا لغة المصلحة، لكن تبدو سياسة التعامل مع الحلفاء كـ«رهائن» جديدة على الأعراف السياسية المعاصرة، ليس فقط لما تقود إليه ممارسات كهذه من أضرار لأصحابها على المستوى الدعائي، وما تتيحه من تشويه صورتها إعلاميًا، بل لأنها تضرب ببساطة في مصداقية ذلك الطرف.

بعبارة أخرى، ربما إذا حاول السعوديون مستقبلًا فهم الأسباب التي تُفقد الأطراف السياسية المختلفة حماسة التحالف معهم، أو تجعل حلفاءهم بالفعل يتحيّنون الفرصة للبحث عن ظهيرٍ إقليميّ أو دوليٍّ آخر، فسيكون التفسير المنطقي الوحيد أن أحدًا لا يفضل بحال أن يجد نفسه يومًا ما «رهينة» في أحد مقرات الرياض، ممنوعًا من السفر، أو مجبرًا على تقديم استقالته تحت تهديد السلاح.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها