نشر : فبراير 6 ,2018 | Time : 14:22 | ID : 157235 |

حوارية موجزة حول ضرورة التقليد وأهميته

شفقنا- يسأل بعض الإخوة الكرام حول التقليد وأهميته، وما يشاع في بعض الأوساط من شكوك حول ضرورته، وقد وضعنا هذه السطور لنسلط الضوء على هذا الموضوع ضمن فقرات وحوارية، فنرجو أنْ تكون مقبولة، ومن خلال هذه الحوارية سيتم التعرف على بعض الأسئلة ومنها:

– سؤال: متى نشأ التقليد بصورة عامة في زمن المعصوم أم بعده؟

– سؤال: هل أكدت الشريعة المقدسة (القرآن والسنة) على رجوع الجاهل للعالم؟

– سؤال: هل التقليد مسألة ضرورية عقلية؟

– سؤال: هل التقليد ظاهرة عامة في الحياة الاجتماعية؟

– سؤال: ما سيرة المتشرعة في التعامل مع الأحكام الشرعية؟ كيف كان حالة الصحابة مع النبي؟ حال الأصحاب مع الأئمة؟ هل كانوا مجتهدين أم يرجعون إليهم؟!

– سؤال: إذا كان الحكم ثابت في ذمة المكلف، والمعصوم غير موجود؟ فما العمل؟

* أولاً: تعريف التقليد.

1- التقليد (لغة): ((من القلادة في العنق))، ((وقلده الوالي العمل فوضه إليه كأنه جعله قلادة في عنقه، وقلده في كذا تبعه من غير نظر ولا تأمل)).

2- التقليد (ٱصطلاحًا):

– قال الشيخ الأنصاري: ((قبول قول الغير في الأحكام الشرعية من غير ذليل على خصوصية ذلك الحكم)).

– قال الآخوند الخراساني: ((أخذ قول الغير ورأيه للعمل به في الفرعيات)).

فالنتيجة عند الجمع بين التعريف لغة وٱصطلاحًا هو العمل ٱعتمادًا على رأي الغير.

* ثانيًا: الدليل على التقليد.

(1) القرآن الكريم.

– قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسأَلُوا أَهلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.[سورة النحل: الآية 43]

وفي الآية موضوعات متعددة منها:

أ- فاسألوا أهل الذكر، والسؤال يكون من غير العالمين.

ب- أهمية التصدي للإجابة عند السؤال من غير العالم.

ج- ضرورة ٱلتزام السائل بالجواب، وإلا لماذا يرجع إليهم.

وعليه: فالآية تعطينا صورة جلية أنَّها في مقام إرشاد العوام للرجوع إلى أهل الخبرة، وهم أهل الذكر من العلماء لتعليمهم ما يعود إلى أمورهم الدينية، وهو صورة أخرى عن عملية التقليد، وتصريح بحجية فتوى العالم بالنسبة إلى الجاهل.

– قيل: إنَّ المراد بـ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ كما في التفاسير هم علماء أهل الكتاب، أو أهل بيت النبوة (عليهم السلام).

– الجواب: إنَّ الآية في صدد بيان ضابطة كلية، وهي رجوع غير العالم إلى العالم عند الجهل في موضوع معين، سواء أهل الكتاب، أو أهل بيت النبوة، أو غيرهم من العلماء..

– وقال السيد الخوئي: هذه الآية في مقام أصول العقيدة وليس الفروع ﴿رِجَالًا نُوحِي﴾؟

– الجواب: حتى لو صح، فهي تؤكد موضوع الرجوع إلى الغير مطلقًا.

– قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحذَرُونَ﴾. [سورة التوبة: الآية 122]

وفي الآية موضوعات متعددة منها:

أ- الحث على خروج نفر للنفقة في الدين.

ب- الغاية من الخروج التفقه في الدين + الإنذار منهم لقومهم.

ج- ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي يحذر قومهم من خلال ما تعلموه منهم.

وهذا بوجه عام في عملية التقليد من حيث (فرقة تتعلم وتنذر + الناس تأخذ الأحكام منهم).

(2) السنة الشريفة.

هناك روايات تبين وجوب وأهمية معرفة الناس أحكامهم من العلماء، ومن تلك الروايات:

1- عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ((فأما مَنْ كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطبقًا لأمر مولاه، فللعوام أنْ يقلدوه)).

2- قولهم (عليه السلام): ((وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواية حديثنا)).

3- قولهم (عليه السلام) في زرارة: ((إذا أردت حديثنا فعليكَ بهذا الجالس، وأمأ إلى رجل، فسألت أصحابنا، فقالوا: زرارة بن أعين)).

4- عن أبي الحسن الهادي (عليه السلام) في رواية أحمد بن إسحاق قال: ((سألته وقلت من أعامل؟ وعَمَّن آخذ معالم ديني؟ وقول مَنْ أقبل؟ فقال: العَمري ثقتي، فما أدى فعني يؤدي، وما قال لك فعني يقول، فاستمع له وأطع فإنَّه الثقة المأمون.

قال: فسألت أبا محمد (عليه السلام) عن مثل ذلك. فقال: العمري وٱبنه ثقتان)).

5- يقول الإمام الصادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: ((ٱجلس في المسجد، أو مسجد المدينة، وٱفتِ الناس، فإنَّي أحب أنْ يرى في شيعتي مثلك)).

* ثالثًا: العقل.

إنَّ الإنسان مُكَلَّفٌ بأداء الأحكام الشرعية صحيحة، فمثلاً أداء الصلاة، فهو أما أنْ يجتهد أو يقلد لمعرفة أحكامه، وحتى الاحتياط فهو بحاجة إلى علم، فقال الغزالي –من علماء العامة- في المستصفى المتوفى سنة 1111م أي قبل 900 سنة تقريبًا: ((إنَّ الإجماعَ منعقدٌ على أنَّ العامي مُكَلَّفٌ بالأحكامِ، وتكليفه طلب رتبة الاجتهاد محالٌ؛ لأنَّه يؤدي إلى أنْ ينقطعَ الحرثُ والنسلُ، وتتعطلُ الحِرَفٌ والصنائعُ، ويؤدي إلى خرابِ الدنيا لو ٱشتغلَ الناس بجملتهم بطلب العلم، بل إلى إهلاك العلماء وخراب العالم، وإذا ٱستحال لم يبقَ إلا سؤال العلماء)).

فمثلاً: نريد معرفة أوضاع الصلاة (صلاة المغرب مثلاً) فيجب معرفة علوم متعددة لمعرفة الحكم ومنها:

1- اللغة العربية. 2- التفسير. 3- الأصول. 4- الحديث. 5- الرجال. وغيرها من العلوم ودراسة المؤلفات الخاصة بهذه العلوم وغيره، والرجوع إلى كتب العلماء في الحديث ودراسة تلك الأحاديث لمعرفة عدد الركعات، وما يقرأ المصلي فيها، وكيف تكون القراءة جهرًا أو إخفاتًا، وما في ذلك من قصد العلماء والتفرغ لذلك، فكيف بأحكام الصلاة الأخرى، والصوم، والحج، والبيع والشراء، والزواج .. وغيرها.

وفي ذلك صعوبات كبيرة منها:

– مَنْ يقوم بأعمال المجتمع المختلفة إذا أراد أنْ يدرس كل الناس للوصول إلى العلم والمعرفة؟

– ما الحل في الموضوعات المستحدثة التي تحصل في المستقبل ولا يوجد فيها رواية؟

-كم سنة يحتاج المتعلم لهذه العلوم؟

-كم علم يحتاج إلى تعلمه؟

فهل هذا نظام كامل لمجتمع يبحث عن تكامله؟ أيقبلُ العقلُ بذلك!!!!

ختامًا:

– إذا ذهب المريض إلى الطبيب أَلا يعدُّ هذا رجوع إلى العالم أم لا؟

وإذا أعطى الطبيب العلاج إلى المريض، وبمقدار معين من الدواء، هل يسأل المريض الطبيب ما دليله على هذا العلاج؟ وهذا المقدار؟

– أما القائلون بأنَّ هذا التقليد والطاعة للعلماء هي طاعة صنمية أخرى مثل مثل طاعة المشركين أصنامهم؟ فنقول لهم:

1- هناك فرق واضح بين العبادة والطاعة والتقليد.

2- لو كانت هذه طاعة صنمية لكان في الأصول كذلك.

3- أنتم ماذا تفعلون عند عدم المعرفة، هل تسألون غيركم وهذا هو التقليد، أم تذهبون للدراسة والاجتهاد؟

4- هل تلك الآيات والروايات تدعو إلى الصنمية أم تدعو إلى العلم والتعلم واللتعليم وٱحترام العلماء وتكريمهم؟

إذًا فالدين يدعو إلى العلم والعقل، ويجب أنْ نجعل للعقل مقامًا في المعرفة، وتقدير ما يحتاج إليه.

* رابعًا: لماذا الدعوة إلى عدم التقليد.

إنَّ من أهم الأسباب إلى مثل هذه الدعوة السلبية في عدم التقليد:

1- أنْ يحصل التفكك بين المجتمع والشريعة المقدسة.

2- عدم ٱحترام وتكريم قادة المجتمع الدينيين.

3- عدم التمسك بالعلماء مطلقًا، والدعوى بأنَّهم بشر ونحن بشر.

4- الدعوة إلى القضاء على تلك الوحدة المترابطة الوثيقة بين العلماء والمُكَلَّفين، وبذلك لا يمكن للعلماء توجيه الناس وتوحيدهم نحو كُلِّ قضية، وفي ذلك أهداف يريدون تحقيقها، وما فتوى الجهاد الكفائي الأخيرة للسيد علي السيستاني (دام ظله) في مقاتلة كيان داعش وتلبية الآلاف من الشباب إلا شاهد واضح على ذلك.

فالتقليد هو مسألة ضرورية ومهمة جدًّا وقد أكد عليها العقل والشرع، ولا يمكن بسهولة للإنسان أنْ يتجاوزها، وإنَّ الداعيين إلى ذلك إما لديهم وَهْمٌ، أو عدم معرفة، أو عداء للدين والمرجعية فعلينا أنْ نعرف حقيقة أولئك، ونكون على علم ومعرفة ووعي وحذر .. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدن .

د . الشيخ عماد الكاظمي

————————-

المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

————————–

www.ar.shafaqna.com/ انتها