نشر : فبراير 8 ,2018 | Time : 05:27 | ID : 157421 |

وصفه أعداؤه بـ«الأسطورة الحية».. «أحمد جرار» شاب فلسطيني أقض مضاجع قادة إسرائيل

شفقنا- يحكى أن شابًا فلسطيني يدعى «أحمد جرار» قضى أيامًا وأسابيع يتنقل من مكان لآخر مطاردًا؛ بعدما تمكن من إنجاز عملية بطولية ضد الاحتلال الإسرائيلي في نابلس يوم التاسع من يناير (كانون الثاني) الماضي. استقر جرار حتى لحظة استشهاده في منزل ألقت جدرانه رعبًا في قلوب المارة من حوله، قضى فيه ليالي متربصًا في كل لحظة وصول قوات إسرائيلية مجهزة بأحدث التقنيات والأسلحة، يحمل حقيبة ممتلئة بالذخيرة على جسده، يقتات القليل من الزعتر والخبز.

 

 لكن البيئة التي تغلل فيها الاحتلال لأقصى حد محاصرًا كل منافذها اقتضت في النهاية أن يسقط الشاب مسجلًا أطول عملية مطاردة في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، وفيما صاح الفلسطينيون ينكرون غياب جرار، كان قادة الاحتلال يحتفون بإنهاء حياة «الأسطورة الحية» كما وصفه إعلامهم، احتفاء يخفي الكثير من الغيظ لدولة سخرت إمكانات كبيرة للوصول إلى شاب لم يتجاوز الثانية والعشرين من العمر.

 

جرار الهادئ يثور ثورة عارمة

ولد الفلسطيني «أحمد نصر جرار» في عام 1994 في بلدة برقين الواقعة غرب مدينة جنين (شمال الضفة الغربية)، وهناك تلقى تعليمه حتى تخرج من الجامعة بتخصص «إدارة المستشفيات». كان والده القائد في كتائب القسام «نصر جرار» قد استشهد عام 2002، تاركًا خلفه مسيرة من النضال تخللتها مطاردات مكثفة ومحاولات فاشلة لاغتياله، وعائلة مكونة من صبيين وفتاة، تقودها امرأة، وهي والدة أحمد «ختام».

 

 

 

كان الجميع يعرفون هذا الشاب بعدما بلغ العشرين من عمره كشخص كتوم هادئ، لم يكن أحد يتوقع أن من يشارك في رحلات شبابية تظهر مرحه وحبه، خاصة في قيادة السيارات، ويبث مقاطع تحركاته عبر «السوشيال ميديا»، هو ذاته من يشارك في القتال العسكري ضد الاحتلال، حتى أمه فوجئت بأن له نشاطًا سياسيًا وعسكريًا، وتوقعت كآخرين أن نشاطه خارج البيت ينحصر في عمله التجاري، فقد كان طموحًا لأبعد الحدود، يعمل في حياكة الملابس، وينخرط في شراء وبيع السيارات، ويبحث عن عمل يناسب دراسته الجامعية.

 

بدأت الأضواء حول الفتى بعد يوم التاسع من يناير 2018؛ حين قُتل المستوطن «أزرائيل شيفح» قرب البؤرة الاستيطانية (حفات جلعاد) في عملية فدائية فلسطينية أعجزت الاحتلال – في البداية – عن حل اللغز، حتى مسار انسحاب منفذي العملية. فبعد أن أنهى جرار تلك العملية، عاد يمارس حياته الطبيعية دون استعراض لما حقق، يقوم بحياكة القماش ويسمع الأخبار التي يتداولها الناس بكل بهدوء، لكن حين كشف أمر السيارة المحترقة التي استخدمت في العملية، وكانت بمثابة طرف الخيط الذي أوصل الاحتلال إلى معرفة هوية منفذيها، استعد جرار للحظة المواجهة.

 

 

وفي 18 يناير 2018 حين حاصر الاحتلال منزله في اقتحام مفاجئ، باغت جرار وحدات الاحتلال الخاصةـ، وتمكن من النجاة، لكن العملية أدت إلى مقتل قريبه «أحمد إسماعيل جرار»، فيما واصلت قوات الاحتلال الاقتحامات أكثر من مرة في اليوم الواحد بمسقط رأس جرار «بورقين»، وخلال هذه الاقتحامات كانت تعتقل أقارب له، وأي شخص له صلة بجرار؛ على أمل الحصول على أية معلومة تقود إلى مخبئه.

 

 

 

وكرر الاحتلال المحاولة لاقتحام منزل جرار، وتخريب محتويات المنازل، مستخدمًا الكلاب البوليسية، فيما كانت المحاولة الثالثة عند اقتحام قوات كبيرة من جيش الاحتلال لمنزل مواطن داخل بلدة الكفير، وهي محاولة خربت الكثير من بيوت الفلسطينيين، لكنها باءت بالفشل أيضًا.

 

معارك ضارية في سبيل الظفر برجل واحد

في السادس من فبراير (شباط) الحالي، حدث الاقتحام الرابع، حين وصلت قوات الاحتلال إلى بيت مهجور منذ عقد، مكون من غرفتين، في بلدة «اليامون» غرب جنين (شمالي الضفة)، باغتت فيه جرار بنيران كثيفة ومباشرة، وفيما يبدو كانت هذه القوات تخشى المواجهة التي أرادها جرار، فقد كان يحمل بندقية من نوع (إم 16) وقنابل يدوية استعد بها لصد مهاجميه.

 

انصرف جيش الاحتلال بعد ساعات من المواجهة حاملًا جثمان جرار، فيما عجل الفلسطينيون لتفقد «عرين» جرار، فوجدوا القليل من الخبز والزعتر، وزجاجة ماء، فيما تركت ملابسه مضرجة بالدماء، ومعها مصحف كُتب على صفحته الأولى «إلى ابني العزيز أحمد»، مع وصية كتبها جرار بخط اليد الذي عرفه شقيقه «صهيب»، تقول أمه التي احتضنته وقبلته للمرة الأخيرة قبل المطاردة: «كان ديّنًا (متلزمًا بالدين) ما شاء الله له، وبيرفع الراس، هزّ الكيان كلّه، الحمد لله».

 

اتبعت قوات الاحتلال في طريقة اغتيال جرار ما يعرف بـ «سير لاحاتس» أو ما يعرف بـ«وعاء ضغط»: وهو إجراء يهدف إلى محاصرة المكان من جميع الجهات، ويُطلب من الشخص المتحصن تسليم نفسه، ثم تتجه بعدها الوحدات الخاصة إلى إطلاق رصاص وقنابل، ومن ثم صواريخ مضادة للدروع من نوع «لاو» أو «متادور»، وقالت المصادر الإسرائيلية: «إن اغتيال جرار تطلب مشاركة وحدات النخبة في جيش الاحتلال، ووحدات «اليمام»، بالتنسيق مع وحدة 8200، وجهاز استخبارات الاحتلال، إضافة إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية بالسلطة الفلسطينية».

 

جرار.. الأسطورة الحية

تحول جرار إلى «بطل»، وأصبح رمزًا في مرحلة أكل فيها التنسيق الأمني من كتف الفلسطينيين كثيرًا، وكذلك أيقونة للمقاومة الفلسطينية في وقت انعدم فيه الأمل بالمسار السياسي مع الاحتلال، وأجمع الفلسطينيون في كل مكان على إكبار هذا الشاب صغير السن.

 

 

لذلك سماه النشطاء الفلسطينيون «أرطغرل فلسطين»، «الأسطورة»، و«الشبح»، «المطلوب رقم واحد»، و«شاب يقاوم جيشًا»، فقد أحيا العشريني «جرار» ظاهرة المطاردين التي تلاشت في الضفة الغربية منذ سنوات، وبقي قرابة الشهر ودولة الاحتلال تفشل في النيل منه.

 

بالنسبة لإسرائيل، فقد تمكن جرار من صنع نموذج تخشاه، حين أصبح مصدر إلهام لشباب فلسطيني، لذلك لم يتردد المئات من الشبان في بلدة برقين عن خوض مواجهات دامية وعنيفة على إيقاع الجرافات والآليات أثناء ملاحقة جرار، وحتى بعد استشهاده، وقد كانت الهتافات تعلو «طلقة بطلقة ونار بنار…. بنحيي أحمد جرار».

 

 هذا الأمر  جعل القادة الإسرائيليين يشتاطون غضبًا حتى النيل منه، وسعوا إلى قتل ظاهرة جرار ونموذجه، من خلال ترهيب المدنيين الفلسطينيين ونزع الحاضنة الشعبية حوله؛ إذ هوجمت المنازل، وهدم بعضها بالجرافات العسكرية، ونفذت عمليات تفتيش واسعة ومتواصلة طالت الجبال والكهوف والأراضي الزراعية، واستمرت الاقتحامات عدة أيام منتهية باعتقال العديد من الفلسطينيين كما أسلفنا، ووصل الأمر للقول إن جنين منذ لحظة مطاردة جرار لم تنم ليلة واحدة دون اقتحامات شرسة وقاسية.

 

 

أقرت إسرائيل أن مطاردة جرار تعتبر من أكثر عمليات الملاحقة المكثفة التي سجلت لمطارد فلسطيني في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وأن جرار تحول إلى كابوس مزعج لدولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية، فـ«لسوء الطالع، وتحت ستار الذكاء المعيب، والغارات عديمة الفائدة من قبل القوات الخاصة الإسرائيلية، استطاع جرار أن يجعل من نفسه بطلًا بين الجمهور الفلسطيني»، كما جاء في صحيفة «إسرائيل هيم» التي ذكرت أن جرار « تحول إلى أسطورة منذ اللحظة الأولى لتنفيذ عملية قتل الحاخام والانسحاب بكل سهولة ونجاح، وأثبت حنكة أمنية في التغلب على الخطط الاستخبارية الإسرائيلية».

 

 وأضافت الصحيفة: «أصبح جرار في الشارع الفلسطيني وبين الشباب أسطورة حية، بطلًا حقيقيًا تغلب وخدع الجيش مرة تلو الأخرى، وتغلب على مقاتلي الوحدات الخاصة والجرافات، وبالأخص المعلومات»، وتابعت الصحيفة الإسرائيلية القول: «ولا يستطيع أي إسرائيلي أن ينكر حقيقة أن جرار تفوق على إسرائيل في حرب الأدمغة، من خلال الفشل المتكرر في الميدان والناجم عن فشل استخباراتي، وإذا سألت كل طفل في منطقة جنين من هو أحمد جرار، وأين يختبئ، فسيشيرون جميعًا إلى حقول زراعة التبغ، وأماكن حرق الفحم في ضواحي المدينة».

 

الإسرائيليون شامتون.. ولكن

«إسرائيل لن يهدأ لها بال حتى يتم إلقاء القبض على أحمد نصر جرار وعلى من ساعده»، هذا ما قاله رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قبل أن تتمكن قواته من اغتياله جرار.

 

 

نتنياهو وليبرمان

 

وبعد الاغتيال عجل «نتنياهو» بالقول: «أهنئ الأجهزة الأمنية على العملية الحازمة التي قامت بها هذه الليلة لإلقاء القبض على الإرهابي، والتي أدت إلى مقتله»، فيما كان رد فعل وزير دفاع الاحتلال «أفيغدور ليبرمان» على نفس المنوال، فقال : «أهنئ قوات الأمن الإسرائيلية وأجهزة الشاباك ووحدة مكافحة الإرهاب على العملية الناجحة، واتضح أن الأمر لم يكن سوى مسألة وقت قبل أن نصل إلى زعيم الخلية الذي قتل الحاخام رازيئيل شيفح».

 

 كذلك كتب وزير الأمن الداخلي، جلعاد إردان: «أحيي نيابة عن جميع مواطني إسرائيل الشرطة الخاصة التي قامت بتصفية الإرهابي الدموي، رسالتنا واضحة، وسنصل إلى القتلة أينما كانوا يختبئون، حتى الإرهابي الذي قتل إيتمار بن غال سنصفي الحساب معه».

 

ويبدو أن الشماتة الإسرائيلية باغتيال جرار كانت كبيرة بحجم الاستنزاف الذي تزامن مع عملية ملاحقته ومن ثم اغتياله، وتقرأ هذه الشماتة في سياق حرص القادة الإسرائيليين على إظهار أن حياة «المواطن الإسرائيلي» مهمة بالنسبة لهم، وأنهم سيبذلون كل ما بوسعهم للوصول إلى أي أحد يمس الإسرائيليين، وأيضًا لدحض الانتقادات التي شنت ضد هؤلاء القادة من الإعلام والشارع لفشل الجنود والأجهزة الأمنية المتكرر في اعتقال جرار، خاصة مع الاستعانة بإمكانات كبيرة خلال محاولات للوصول إليه.

 

 

سلاح أحمد جرار

 

غير أن خبراء عسكريين إسرائيليين أكدوا أن تصفية جرار لن يغير شيئًا من صورة النصر التي رسمها على مدار الشهر، ولن تستطيع إسرائيل محو هذه الصورة بإراقة دمه؛ فالتفاعل الذي واكب عمليات المطاردة، ومن ثم الاغتيال، دليل على أن الجذوة لن تنتطفئ، ويتمثل ذلك في قول أرملة الحاخام المتطرف «رازيئيل شيباح»، الذي قتل على يد خلية أحمد جرار: إن «قتله (جرار) لم يحل المشكلة بعد».

 

أما المحللون الفلسطينيون فيؤكدون كذلك أن شماتة إسرائيل باستشهاد جرار مضللة وتخفي قدرًا هائلًا من الغيظ، وهي عبارة عن استعراض قوة بعد فقدان الهيبة التي تعرض لها الجيش والمخابرات خلال شهر من الملاحقة، يقول الخبير في الشأن الإسرائيلي، صالح النعامي: «مقاومة جرار واستشهاده يمثلان دليلًا آخر على بؤس الرهان الإسرائيلي على إمكانية أن يتم تطبيع الشعب الفلسطيني مع الاحتلال».

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها