نشر : فبراير 12 ,2018 | Time : 18:57 | ID : 157796 |

دور السفارة الأمريكية في التحريض على الشيعة في تونس!

 

خاص شفقنا -علاقة سكان الشمال الإفريقي بـ”التشيع” إلى بدايات الإسلام، حيث أشارت بعض النصوص إلى أن أمير المؤمنين (ع) كان يلحق عددا من أنصاره ومحبيه بجحافل “الفاتحين” والجيوش المتجهة شرقا وغربا لتعريف الأمم والشعوب كنه الإسلام المحمدي الأصيل الذي إنحصر عند “أولي الأمر” في السبي والفيء والغزو، ثم تحوّلت العملية إلى موجة هجرة وفرار جماعي بعد إستلام بني أمية الحكم الإسلامي الذين عملوا جاهدين على الفتك بشيعة أهل البيت، ولم يكن الأمر أحسن حالا مع العباسيين، حيث لم ينقطع الموالون عن التقاطر على المنطقة هربا من بطش الولاة والسلاطين، وقد أشار بعض الباحثين إلى أن الإمام جعفر الصادق (ع) أرسل إثنين من أخلص أصحابه إلى البلاد التونسية إستقر أحدهما بمدينة نفطة (الجنوب التونسي) وأسس دويلة إمامية عرفت باسم “الدولة القليوبية”، والثاني توجّه إلى مدينة الكاف (بالشمال) وقد تشيع أغلب سكان المنطقتين.

 

 

 

ثم كانت الدولة الفاطمية التي وحّدت المغرب العربي من المحيط الأطلسي غربا إلى تخوم مصر وجزيرة صقلية بالجنوب الايطالي، وعرفت فيها العمارة والإقتصاد والتطور حدا لم يصله مثيلاتها، وهو ما أكده المؤرّخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في كتابه “موجز تاريخ تونس” الذي وصف المرحلة الفاطمية بالعصر الذهبي، من حيث التطور والرخاء والتسامح الديني المفقود في غيرها من الدول. غير أن الطامة الكبرى التي أصابت “الشيعة” بعد سقوط الدولة الفاطمية، كان تولي محرز بن خلف سدة القضاء في تونس، وقد عرف بميله الشديد لليهود وعطفه المبالغ فيه عليهم فقرّبهم ومنحهم الأموال والبساتين وأسكنهم داخل “الحاضرة” وكانوا قبلا يسكنون خارج المدينة ويعملون في الأشغال الحقيرة..، في مقابل بغضه للشيعة ومحبي آل البيت، فصادر أملاك وأموال وأرزاق المؤمنين وشرّدهم، وقد كان أغلبهم من كبار التجار والأثرياء وأهل العلم، فكان أن عدّ من أهل “الكرامة” والصلاح ووليا من أولياء الله! وما يزال لحد الأن يتبرّك به الجاهلون في ضريحه بأسواق المدينة العتيقة قرب المنطقة التي تعرف بـ”حارة اليهود”.

 

 

 

بعد ذلك لا يذكر التاريخ شيئا عن موالي أهل البيت، سوى ما يروى من أحاديث وأخبار ومواويل متفرّقة لدى المتصوفة وعموم المواطنين دون أن يعني ذلك أن جذوة الولاء والمحبّة قد خمدت، حيث ينظر لمنتسبي البيت النبوي بالإجلال والتقدير. وكان علماء الدين منهم يضعون رداء أخضر يميزهم عن غيرهم حتى أن مشيخة الزيتونة كانت تمنح حصرا “للأشراف”، كما أن نسبة أسماء “محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة وزينب” لا يخلو منها بيت من بيوت التونسيين، ومن أهم الآثار المعروفة نجد “الخمسة” وهي عبارة عن يد تنسج من قماش وتزيّن وتحملها العروس مع جهازها وتسمى “يد فاطمة”، كما توجد في مقام الولي الصالح سيدي ابراهيم الرياحي، قصيدة مديح مذكور فيها أسماء الأئمة الاثنى عشر (ع).

 

 

إنتشر المذهب الجعفري حديثاً في تونس منذ خمسينيات القرن العشرين وسبعينياته، وتحديداً بعد الرحلة الشهيرة للدكتور محمد التيجاني السماوي، أحد رموز التشيع التونسي، إلى العراق والتي زرعت بذور التشيع في تونس. واليوم يوجد في تونس الشيعة الإمامية وينتشرون في ولايات عدة من البلاد مثل قفصة وقابس وسوسة وتونس العاصمة والمهدية. تقول بعض الإحصائيات الغير رسمية أن عدد الشيعة الإمامية في تونس يناهز 10 ألاف، لكنهم في ازدياد، موزعين على مختلف المحافظات. يرى شيعة تونس أن مذهب آل البيت ليس غريباً عن البلاد وأن جذوره تعود إلى مئات السنوات. إلا أن موجة التشيع في تونس عادت بقوة بعد الثورة الإسلامية الإيرانية وما صحبها من صحوة إسلامية، وتوجه أعداد كبيرة لدراسة وفهم المذهب الاثنى عشري خصوصا في صفوف الطلبة والمثقفين وحتى من عموم المواطنين حتى أصبحت المساجد تعج بالمصلين وانتشرت فيها حلقات الدروس والنقاش وكانت كتب الإمام الخميني ومطهري وشريعتي والشهيد الصدر.. تشترى بشكل كبير من معارض الكتب، وهو ما إستنفر السلط الحاكمة انذاك التي كانت منحازة للنظام العراقي في عدوانه على الجمهورية الاسلامية، فقامت بالتضييق عليهم وملاحقتهم، ما إضطر الموالين للدخول في التقية، وبعضهم للهجرة حيث إستقر عدد منهم في لبنان وسورية وإيران وإلتحقوا بالحوزات العلمية هناك، وبلغ بعضهم درجات عليا في التحصيل العلمي. وتعتبر أوساط عدة أن تونس من الدول التي يشهد فيها المذهب الجعفري توسعاً ملحوظاً خاصة خلال السنوات الأخيرة، ومع ذلك فإن هذه المسألة ما زالت غير مطروحة رسمياً وإعلامياً، باستثناء بعض الكتابات على شبكة الإنترنت. وهناك عدة تفسيرات لهذا الواقع بين قائل إن حرية المعتقد أمر يكفله دستور البلاد وإن الدولة لا تتدخل في معتقدات الناس ومذاهبهم، وبين من يرجع الأمر إلى طبيعة التونسيين المتسامحة وقدرتهم على التعايش رغم اختلاف معتقداتهم.

 

 

بعد ثورة 2011 أسس الموالون عديد الجمعيات والأحزاب وشاركوا في عديد الأنشطة ورغم التهديدات التي كانت تطالهم وحتى محاولات الإعتداء التي تعرض لها بعضهم، فإنهم ما زالوا يسعون لتثبيت أنفسهم كرقم في المعادلة الجديدة التي كرستها منظومة الحقوق والحريات، وكفلها الدستور، وهم إلى ذلك يطمحون لمزيد تأسيس مؤسسات قادرة على التمدد والصمود في وجه حملات التشويه والتحريض التي لم تنقطع ضدهم من التيارات التكفيرية والوهابية الذين تكاثروا بفعل التمويل السعودي. ساهمت السفارة الأمريكية في تونس في التحريض على الشيعة في تونس باصدار تقرير في موفى 2013 يتحدث عن مئات الآلاف من الشيعة في تونس، وملمح لدور إيراني في التشيع سرعان ما تبنته بعض التيارات السلفية التكفيرية، فشنت الحملات وخطابات التحريض على منابر المساجد ضد الشيعة، وإتهام جهات بنشر التشيع دون تقديم أي حجج لإثبات ذلك، إلا أن الموقف الرسمي للحكومات المتعاقبة منذ ٢٠١١، بقي موقفا غريبا وغير واضح. حيث أنه لم يتبنى رؤية هذه التيارات وهذا متوقع، لكنه في نفس الوقت لم يقدم أي ضمانات لأتباع هذا المذهب، مكتفيا فقط بالقول بأن الضمانة الوحيدة هي الدستور الجديد الذي يمنح كل المواطنين حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية الضمير. لكن الواقع اليوم يقول بأن محاربة الفكر التكفيري في تونس لا تقف فقط عند الشيعة الذين يتعرضون لتهديدات ومضايقات مستمرة، إنه مشكلة وطنية بامتياز تتطلب العمل الجدي على تطهير البلاد من آثارها المدمرة لكل مكونات المجتمع وفكره وثقافته وعقيدته.

 

الدکتوره سهام محمد

 

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها