نشر : أبريل 30 ,2018 | Time : 03:53 | ID : 163677 |

كيف تتغلب عليها؟ 4 علاجات لشعورنا بالوحدة

شفقنا- أظهرت نعومي آيزنبرجر أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا التداخل بين الألم الاجتماعي والألم الجسدي من خلال تجربتها باستخدام مشاركين إلكترونيين في ممارسة لعبة على الإنترنت، يقذفون فيها الكرة الافتراضية بينهم، وبينهم لاعب واحد فقط إنسان حقيقي، يتم قياس نشاط دماغه، وفي مرحلة ما توقف اللاعبون الافتراضيون عن رمي الكرة لزميلهم البشري؛ لتنشط خلايا دماغه بشكل يشبه بشدة نشاط دماغ شخص يعاني من ألم جسدي قوي أمكن تسكينه بالمورفين.

 

قضت الأبحاث المماثلة في السنوات العشر الماضية على ما اعتقدناه لقرون طويلة حول الوحدة؛ فهي أكثر من مجرد شعور بالكآبة، فالوحدة مؤلمة، مؤلمة حقًا، تعمل على الخلايا الدماغية التي تتسبب في الآلام الجسدية، حتى أصبحت الوحدة مرضًا يشكل تهديدًا خطيرًا على البقاء لم نكن نعلم به من قبل، فتعتبر جوليان هولت لونستاد أستاذ علم النفس في جامعة بريجهام يونج أن عدم كفاية العلاقات الاجتماعية للفرد سبب في وفاته مبكرًا، فيعادل ضرر الوحدة تدخين 15 سيجارة يوميًا، ويتخطى ضرر السمنة، وهذا هو ما يجعل الشعور بالوحدة خادعًا، فهو يختبئ بمنأى عن أعين الآخرين، ولا ننظر له كتهديد لحياة شخص نحبه، على الرغم من أنها تؤذيه بالفعل على مدار أيام حياته.

 

بئر.. عميق.. مظلم.. خفي: ما هي الوحدة؟

بينما حاولت الأبحاث في الماضي القريب علاج الشعور بالوحدة كمرادف للعزلة الاجتماعية مع من حولنا، كشفت الدراسات الحديثة أن الشعور بالوحدة ذاتي، تجربة داخلية من الانفصال والرفض يعيشها الفرد؛ فهي لا تفرق بين صغير أو مسن، متزوج أو أعزب، من أهل المدينة أو يسكن كوخًا أعلى الجبل، فربما مع الرجوع للأبحاث قد نكتشف أخطاءً في مسلماتنا.

 

تتناقض العلاقات الاجتماعية الفعلية والعلاقات الاجتماعية التي يتمناها الشخص الوحيد، فالوحدة هي حالة إدراكية تعتمد على نوعية علاقات الشخص أكثر من اعتمادها على عددها الكبير أو الصغير. فيمكن للشخص مع قليلٍ من الأصدقاء أن يشعر بالاكتفاء والحماية، ويمكن لآخر لديه شبكات اجتماعية متنوعة أن يشعر بالفراغ والانفصال عنهم.

 

للأسف يعد الشعور بالوحدة الذاتية أكثر خطرًا على الفرد من عزلته الاجتماعية وبقائه بمفرده، فهي حسب شعور الفرد في كل حالة، وقد وجدت إحدى الدراسات أن الشخص الذي لديه أقل من ثلاثة أفراد مقربين يمكنه الوثوق بهم ،ويمنحونه الاهتمام الكافي، ويربطونه بالمجتمع الخارجي، أكثر عرضة للوفاة بمقدار الضعف تقريبًا من مرضى القلب، كما وُجد ارتباط وثيق بين الوحدة والانحدار الإدراكي والخرف؛ فأكثر الأشخاص وحدة معرضون للإصابة بالألزهايمر بأكثر من ضعف البقية. وغير كون الوحدة مرضًا، فإنها معدية استنادًا إلى دراسة استمرت 10 سنوات على أكثر من 5 آلاف شخص، وجد الباحثون أن الذين أصبحوا وحيدين عادة ما يمررون هذا الشعور إلى من حولهم قبل قطع علاقتهم بهم، وهكذا تسري الوحدة في موجات متتابعة مركزها الشخص الوحيد ولا نهاية لمداها.

 

العلاج الأول: وحدتك ليست همَّك وحدك

حان الوقت لتتبع قصة الإنسانية، وكيف وصلت لهذه النقطة، فالأمر ليس بهذا التعقيد إذا فكرنا في استعادة مسارنا، واكتشاف أهميتنا في حياة الآخرين، ولكن يعدّ إحجام الكثير عن الاعتراف بمشاعر الوحدة وآثارها أحد العوائق الرئيسة في التعامل معها، فهي تتفاقم مع الشعور بأنها وصمة، وأن المساعدة تعاطف وشفقة. فيقول جريمي نوبل: «يصبح الأمر عندهم متعلقًا بشخصيتهم، وأنهم لا يستحقون الصداقة، وأقل قيمة في المجتمع»، لكن هذا قد يتغير إذا توقفنا عن اعتبار الوحدة عيبًا فينا.

 

تقول هولت لونستاد المتخصصة النفسية والعصبية: إن أحد أكبر العقبات أمام الحل هو سؤال: «ماذا يمكننا أن نفعل حيال ذلك؟ فهو مسألة شخصية، كيف يمكننا نقلها لخارج المصاب؟» وأثبتت هولت خطأ ذلك عندما أثارت قضية، وشهدت بأن ضعف السمع بين المسنين يسهم في زيادة الشعور بالعزلة والوحدة، وكانت شهادتها سببًا في سن الكونجرس تشريعًا بتوفير سماعات الأذن وجعلها سهلة المنال لمن يحتاجها، فحتى وإن كان صحيحًا عدم قدرتنا على سن تشريعات تضمن علاقات جيدة، فهناك تشريعات قد تقلل الشعور بالوحدة ولا تعيق الحرية الشخصية للأفراد، ولا تهيل الهم على أكتاف المحيطين.

 

العلاج الثاني: تحدّث مع الغرباء واربت على أكتافهم

اكتشفت الباحثتان جوليانا شرودر ونيكولاس ايبيلي أن من أسباب عزلتنا أنه عادة ما تكون العزلة أكثر متعة من التواصل، أو أننا نسيء تقدير عواقب هذا التواصل، ففي دراسة نشرت في مجلة علم النفس التجريبي اعتبرت أنّ التحدث مع شخص يجاورك في المترو، أو في الصف، بينما تقف لدفع ثمن مشترياتك بأحد المتاجر، قد يكون حلًا. فتقول سوزان بينكر أستاذ علم النفس ومؤلفة كتاب «تأثير القرية» إنّ مجرد الدردشة قد تساعد، ويمكننا أن نشعر بتحسُّن كبير بعد مرور 30 ثانية فقط من التحدث إلى شخص ما، في الحين الذي لا نحصل على فائدة من التفاعل عبر الإنترنت.

 

تشرح شيري توركلي في كتابها «وحدنا.. سويًا» نظرية «الدقائق السبع»، وهو الوقت اللازم لمعرفة ما إذا كانت المحادثة مثيرة لاهتمامنا أم لا، فحتى وإن كان التحدث للغرباء صعبًا، فإننا نكتشف أنفسنا أكثر مع كل جملة نتعثر ونتردد فيها ونعيد تقييمها.

 

حضن شخص مقرب والإمساك بيده والتربيت على كتفه هو علاج قوي ضد الوحدة، فاللمسات البدنية بيننا تقلل استجابتنا الفسيولوجية للتوتر والقلق، ويطلق هرمون الأوكسيتوسين المعزز للروابط الاجتماعية.

 

هذه النقطة قد تكون غائبة عنا، فإن حضن شخص يعاني الوحدة والحديث معه عن معاناتكما المشتركة قد يضاعف الفائدة، فالتعرف على أشخاص يشعرون بنفس مشاعرنا يشعرنا بالراحة والاطمئنان إلى أننا لسنا وحيدين في وحدتنا.

 

العلاج الثالث: العودة لشكل قريتنا القديمة

في طبيعة قد لا تسمح بحياة مرفهة، قرىة فيلاجراند ستريساليا، وسط سلاسل جبلية بجزيرة سردينيا الإيطالية بالبحر المتوسط، يعيش قرويون بسطاء لديهم ما يطمح له الكثير، فمتوسط أعمارهم أطول بثلاثة عقود من الأوروبيين والأمريكيين والأسيويين، ويعيش فيها أكبر عدد من متجاوزي سن المائة، وما وجده الباحثون في هذه القرية هو أن مفتاح طول عمرهم هو عيشهم في نسيج اجتماعي متماسك، بحيث إنه في الوقت الذي يبدو فيه منيعًا أمام الغرباء، فإنه يُبقي سكانه بمأمن دافئ ومحتضن.

 

جزء من كون سيردينيا معقلًا للمنعمين بالعلاقات الاجتماعية الجيدة هو احتفاظها بتقسيمها العمراني؛ فمثل كل قرى العصور الوسطى بإيطاليا، تدور الحياة حرفيًا ومجازيًا حول ساحة البلدة، فتقول عالمة النفس سوزان بينكر في كتابها «تأثير القرية: كيف يمكن للاتصال المباشر أن يجعلنا أكثر صحة وسعادة» بعد أن عاشت فترة في سردينيا: إنه عليك الذهاب لساحة البلدة من أجل المتجر أو مكتب البريد أو الكنيسة؛ ما يعني أنك ستقابل جيرانك بالقرية، سواء أعددت، أو لم تعد لذلك، وجزء آخر من سبب عزلتهم الجميلة هو عزلتهم الجغرافية التي فرضتها عليهم الاحتلالات المتكررة التي عانوا منها لقرون، والتي أجبرت السكان الأوائل على سكن جيوب التلال ليسهل الاحتماء بها؛ ما جعل أيضًا أحفادهم يرتبطون ويحافظون على نفس صلات القرابة لآلاف السنين؛ لما يجمعهم من تاريخ مشترك.

 

 

 

بالتأكيد الذهاب إلى سيردينيا لن يكون الحل، ولكن أصبحت محاكاتها طريقة استحدثها الأطباء لعلاج مرضاهم المصابين بأمراض مختلفة، ومن أجل علاج الوحدة، انتشرت المجتمعات المقسمة عمرانيًا بنفس الشكل الذي يضمن للسكان التحرك وقطع الطريق حتى ساحة البلدة لقضاء الاحتياجات، وأصبحت هذه المجتمعات اليوم منتشرة في السويد والدنمارك والنرويج، حيث هناك حوالي 700 مجتمع آهل بالسكان في الدنمارك، و200 في الولايات المتحدة، مع خطط ببناء المزيد في عدة دول، وقبل أن نحتاج لمجتمع محاكٍ لعلاجنا، فعلى الأقل علينا الاختيار بوعي عند تأجير منزل ليكون منزلًا في حي صالح «اجتماعيًا»، فكثير منا يهتم بالمنزل عن الحي وكيف يعيش الجيران، وهل هناك متنزه أو حديقة يزورها سكان الحي؟ وهل هناك مكتبة عامة؟ ومن ثم نأخذ قرارًا بالذهاب بشكل منتظم إلى التمشية ولعب الرياضة في جماعات والقراءة بالمكتبة والذهاب دوريًا للمحلات الرئيسة والنزول لشراء الاحتياجات اليومية والتوقف عن طلبها هاتفيًا.

 

العلاج الرابع: جدار واحد سنلوّنه جميعًا

يفتقد الوحيدون التواصل الاجتماعي ذا المغزى، والروابط التي تأتي من الاهتمامات المشتركة، وواحدة من أفضل الطرق لتعزيز معنى علاقاتنا هي التواصل بالفنون الإبداعية؛ فمشاركة الآخرين ممارسة الفن يسحبنا لعلاقات أعمق معهم، كما أن هناك من لا يجد كلمات للتعبير عن نفسه، وقتئذ سيكون العمل الإبداعي لغة ثانية، كما يقول الباحث جريمي نوبل، والذي يقود مبادرة «ضد الوحدة» بالتركيز على التعبير الإبداعي كوسيلة لتخفيف مشاعر الوحدة.

 

 

ربما هذا هو السبب في فشل الجهود التقليدية لتخفيف شعورنا بالوحدة، فاللقاءات ممتعة، لكنها عابرة، وأثرها لا يدوم، فيقول عالم الاجتماع الهولندي جيني جييرفيلد: «إذا تحدثت لشخص لمدة ساعة، ثم غادرت، فأنت لا تزال وحيدًا»، واستنادًا إلى 50 عامًا قضاها جييرفيلد في دراسة الوحدة، يعتبر أن وجود رابطة ذات مغزى هو التماثل، فالشخص الوحيد لا يمكنه الإجابة على الأسئلة لمدة ساعة ويشعر بعدها بالارتباط، فيجب عليه القيام بشيء ما يشعره حقًا بالتواصل.

 

من أجل تعزيز الروابط أيضًا صمم كاسيو وزملاؤه في جامعة شيكاغو ما أسموه بتمارين اللياقة لتعزيز المشاركة ومكافحة الوحدة المزمنة بالتجريب على الجنود العائدين من العراق وأفغانستان، فقاموا بتحديد سلوكياتهم التي تعزز الشعور بالوحدة وإحلال مزيد من السلوكيات الإيجابية، فعلى سبيل المثال، تم تنبيه جندي ظل يتفقد هاتفه؛ لأن يضع الهاتف بعيدًا عن يديه، ويتفاعل مع المحيطين به، وتم تشجيع شخص ما يتجنب الحديث لطرح الأسئلة على زملائه، فقد تبين أن التدريبات قللت من شعور هؤلاء الجنود بالوحدة، وبدأ التحسن في حالة الجنود بالتمرين تمامًا، كما يتحسن الجسد بالرياضة، وكليهما لكسب القوة.

زهراء مجدي

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها