نشر : مايو 7 ,2018 | Time : 03:22 | ID : 164143 |

مانديلا مات أم لا؟ كيف تخدعنا الذاكرة أحيانًا بـ«الذكريات الكاذبة»

شفقنا- في عام 2010، نشرت المدونة الأمريكية فيونا بروم تدوينة على شبكة الإنترنت تناولت خلالها نقاشًا دار بينها، وبين مجموعة من الأصدقاء حول إذا ما كان الثائر والرئيس الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا لا يزال حيًّا أم أنه توفي أثناء فترة سجنه، وتحديدًا في فترة الثمانينات، الأمر المثير الذي بدأ البحث المحموم خلف تلك الظاهرة هو استدعاء أكثر من شخص ممن قابلتهم فيونا بشكل واضح وجلي ذكرى خبر وفاة الزعيم مانديلا منذ 30 عامًا تقريبًا، وهو ما لم يكن حقيقة على الإطلاق، ببساطة لأن مانديلا كان لا يزال حيًّا عام 2010 أصلًا، ولم يمت إلا في 5 ديسمبر (كانون أول) عام 2013.

 

أول الغيث.. مانديلا!

بعدما بدأت تدوينات فيونا في الانتشار، وأثارت الجدل بين أوساط المهتمين بالظواهر الغامضة، بدأ الكثير من الأشخاص في طرح مناقشات حول ذكريات شبيهة بذكرى وفاة مانديلا، وإثر ذلك أطلقت فيونا موقعًا إلكترونيًّا خصصته لتلك الظاهرة، وأطلقت عليه اسم «تأثير مانديلا» لتوثيق كل الحالات التي تقع في نطاق الظاهرة، وسرعان ما كان هناك الكثير من الأشخاص يشرعون في تدوين تجاربهم الشخصية المشابهة.

 

شرع بعدها مجموعة من المدونين بالبحث في ذكرى أخرى تخص إحدى الشخصيات الخيالية التي ظهرت في سلسلة أفلام الخيال العلمي الشهيرة «حرب النجوم Star Wars»؛ ألا وهو الروبوت المعدني الشهير المسمى «C-3PO»، والذي أصر الكثير من متابعيه أنه كان مطليًّا بالكامل باللون الذهبي، بينما اتضحت حقيقة أن إحدى سيقان الروبوت كانت فضية اللون، بالإضافة إلى بعض أحداث المسلسل التي ذكرها الكثيرون، ولكنها لم تحدث، ولم تكن ضمن سياق المسلسل من الأساس.

 

الذاكرة

شخصية C-3PO الشهيرة تظهر أقصى اليسار بقدم فضية في إحدى الحملات الدعائية لأفلام حرب النجوم

بحلول عام 2012، كانت الظاهرة تُناقش على الكثير من المدونات والمواقع المهتمة بالظواهر الغامضة، وبدأت التدوينات ومقاطع الفيديو التي تتناول الظاهرة في الانتشار بقوة، وكانت منها تلك الأمثلة الشهيرة:

 

– «دببة برنستين Berenstain Bears» هي إحدى سلاسل القصص المصورة للأطفال، وتحولت بعدها إلى مسلسل كارتوني واسع الشهرة، ولكن ظهرت تدوينة عام 2012 لأحد المهتمين بالظاهرة تناولت أنه يذكر وبوضوح أن هجاء الاسم كان دائمًا Bernstein وليس Bernstain؛ أي بحرف E بدلًا من A في نهاية الاسم، وأحدثت تلك التدوينة جدلًا على الكثير من المنصات والمدونات، وخاصةً موقع reddit.

 

 

 

– «ذيل بيكاتشو ikachu’s tail»: مسلسل كارتون الأنمي الشهير «بوكيمون» كان أحد أكثر المسلسلات انتشارًا في فترة التسعينيات، وكان أحد أبطاله هو الكائن الأصفر الشهير بيكاتشو، الكثير من الأشخاص أكدوا أنهم يذكرون جيدًا وبشكل لا جدال فيه أن تلك الشخصية ظهرت طيلة الوقت بجزء ذي لون أسود في نهاية ذيله، وهنا بدأ الكثير من الأشخاص التضامن والتأكيد أنهم يتذكرون ذلك أيضًا، ولكن الحقيقة أن بيكاتشو لم يكن في ذيله أي جزء أسود؛ بل هو أصفر اللون بالكامل.

 

الذاكرة

صورة المقارنة بين ذيل بيكاتشو الأصفر بالكامل في الحقيقة، وبين الذكرى المزيفة التي تضع الجزء الأسود في نهايته- المصدر: Buzzfeed

– «نظارة رجل المونوبولي Monopoly man monocle»، مثال آخر لظاهرة تأثير مانديلا هي استدعاء الكثير من الناس للكيفية التي يتذكرون بها شكل تلك اللعبة أو شعارها -المعروفة بـ«بنك السعادة» في العالم العربي- وهو رجل ثري يرتدي حُلة كاملة وقبعة، وله شارب فيما يشبه الأثرياء الأرستقراطيين، ويذكر الكثير ممن لعبوا تلك اللعبة أن شخصية رجل المونوبولي المرسومة على صندوق اللعبة كانت ترتدي منظارًا أحاديًّا من الطراز الذي يوضع على عين واحدة فقط؛ بينما الحقيقة أن الشخصية لا ترتدي أي منظار على الإطلاق.

 

تظهر كذلك تلك الظاهرة في خطأ الناس في العديد والعديد من الأمثلة، بداية من أشكال شعارات السيارات الشهيرة، إلى تفاصيل أو جُمل بعينها في أفلام شهيرة.

 

الذاكرة

صورة المقارنة بين رجل المونوبولي الحقيقي دون منظار، وما يتذكره البعض وهو يرتدي واحدًا- المصدر: Buzzfeed

نظريات المؤامرة.. إما كون موازي وإما يتحكمون في عقولنا!

بعدما بدأت الظاهرة في الانتشار في بعض الأوساط على شبكة الإنترنت، تلاقت بشكل ما مع أفكار البعض ممن يميلون إلى تفسير الأمور بأبسط الحلول؛ على غرار: «هناك من يتحكم في الأمر ويخدعنا»، أو «الكون الذي نعيش فيه تغير!»، أو ما اصطلح على تسميته بـ«نظرية المؤامرة»، فضلًا عن «نظرية الكون الموازي»، أو الواقع البديل، والتي تقول ببساطة إن هناك تداخلًا أو تغايرًا بين الكون الذي كُنا نعيش فيه من قبل، والذي نعيش فيه الآن، وأن هذا التأثير هو ذكريات بقيت عالقة في أذهاننا من بواقي الكون السابق.

 

واختلف الكثير من مؤيدي «نظرية المؤامرة» في تفسير «لماذا حدث هذا»، أو «كيف حدث هذا»، أو إيجاد أي إثبات على صحة أطروحتهم، أو نظرياتهم، بينما ذهب بعضهم إلى تفاسير أكثر تعقيدًا؛ إذ ربطوا ما يحدث في أحد مختبرات أبحاث النواة والذرة والفيزياء في أوروبا والمسمى «CERN hadron collider» والمعروف بـ«مصادم الهدرونات»، وبين تلك الظاهرة.

 

ويرى هؤلاء أن السبب في تغير الواقع الذي نعيشه قد يكون نتيجة «ما يُجرى من تجارب نووية وفيزيائية في هذا المختبر»، وبينما أورد بعضهم أمورًا يرون أنها «دليل» على حدوث الظاهرة، أو «تآمر قوى عالمية خفية» مثل الخطأ الشهير الذي وقع فيه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عندما ذكر وفاة مانديلا في أحد خطاباته عام 2007 في سياق حديثه عن حرب العراق: «أحدهم يسألني أين مانديلا؟ حسنًا مانديلا ميت؛ لأن ببساطة صدام حسين قد قتل كل مانديلا في العالم».

 

 

 

العلم يقول كلمته: نعم عقلك يخدعك.. أو يخدعكم!

بينما صعدت المناقشات حول تلك الظاهرة في أوساط محدودة خلال سنوات، بداية من عام 2010، عزفت الكثير من المنصات الصحافية الرئيسية خلالها عن مناقشة الأمر ولو على سبيل الإنكار، إلا أن ما أثار الاهتمام بعد ذلك هو انتشار الأمر، وكثرة التدوينات والمقاطع التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما دفع الكثير من المتخصصين في علم النفس وعلم السلوك الانساني إلى مناقشة الظاهرة وتفسيرها.

 

بدأت منذ عام 2015 الكثير من المنصات والمواقع العلمية المتخصصة في تناول الظاهرة وتفسيرها مثل «المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية» الأمريكي الذي استرجع إحدى أشهر الأطروحات والأبحاث في علم النفس، وهو ما يعرف بنموذج «ديس- روديجر- ماكدرموت» والذي بدأ قبل استشعار تلك الظاهرة بحوالي 50 عامًا، وتحديدًا عام 1959، عندما عكف ثلاثة من علماء النفس على دراسة وبحث كيفية عمل الذاكرة الإنسانية، ثم بعدها بدأت بعض منصات الصحافة الرئيسية في محاولة تفسير الظاهرة مثل صحيفة «الإندبندنت» البريطانية التي أفردت لذلك تقريرًا في فبراير (شباط) 2018.

 

هذا التفسير العلمي يمكن اختصاره في أن الإنسان لديه «ذاكرة كاذبة» تتكون في لا وعيه يوميًّا، وبمجرد المشاهدات السريعة للأشياء والربط بينها، ففي إحدى تجارب نموذج «ديس- روديجر- ماكدرموت» عُرض على شخص كلمات ترتبط ارتباطًا دلاليًّا قريبًا مثل «فراش» و«وسادة» تم بعدها استرجاع ذكرى «النوم» من قبل الشخص محل التجربة رغم أن كلمة النوم لم تعرض عليه، لذلك فالذاكرة البشرية قد تنتج أمورًا غير صحيحة أحيانًا تبقى في الذاكرة على أنها حقيقة، وبالطبع ليست تلك مجرد ظاهرة فردية؛ بل قد يتشارك فيها أحيانًا أكثر من شخص، لذا سميت «الذكريات التشاركية الكاذبة».

 

كما أوضح أحد أبحاث أستاذ علم النفس الأمريكي جيم كوان في موضوع «التمييز بين الذكريات الحقيقية والكاذبة»، أن هذا الأمر يحدث كثيرًا للذاكرة البشرية، ويأتي من «أخطاء في المشاهدات الأصلية»؛ مما ينتج منه استدعاء أو استرجاع لذكرى غير حقيقية، وبتأمل الأمثلة الشهيرة للظاهرة مثل «ذيل بيكاتشو» و«منظار رجل المونوبولي» نجد أنه عادة ما تنزلق تفصيلة صغيرة إلى ذاكرة البعض -لأن هناك قطعة سوداء في أذن الشخصية الكارتونية وليس في ذيله، أو عادة ما يرتدي الأثرياء الأرستقراطيون في الأفلام القديمة منظارًا أحاديًّا- ويتم استرجاعها بعد ذلك على أنها هي الحقيقة الثابتة؛ بينما هي مجرد أخطاء ناجمة عن أن ذاكرتنا البشرية ليست بهذا الكمال الذي قد نتخيله.

جمال النشار

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها