نشر : مايو 12 ,2018 | Time : 00:44 | ID : 164450 |

«مايك بومبيو».. رحلة في عقل مهندس المصالحة الخليجية المرتقبة

شفقنا- لم يكن قد مر على تعيين مايك بومبيو في منصبه الجديدة وزيرًا للخارجية الأمريكي أيام معدودة حتى بدأ جولته الشرق الأوسطية، محاولًا من خلالها رسم صورة مغايرة لما كان عليه الوزير السابق ريكس تيلرسون عند حلفاء وخصوم واشنطن؛ راغبًا في محو تركة خليفته الذي لطالما لم يُنه أزمة، ولم تصل في عهده العديد من المفاوضات لجديد في أي قضية عالقة.

 

قدم بومبيو من أجل الحسم في العديد من القضايا لا المساومة، في نظر الكثير من المحللين، خصوصًا في القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط وعلى رأسها الأزمة الخليجية؛ وهذه الطبيعة الجديدة لوزارة الخارجية الأمريكية بدأت تنكشف ملامحها من واقع التعجيل بخروج أمريكا من الاتفاق النووي الإيراني، والتفاوض بشكل جدي لإنهاء الأزمة الخليجية، والعديد من القضايا التي ستأخد أبعادًا جديدًا مع قدوم الرجل المحسوب على تيار الصقور المتشددين داخل البيت الأبيض.

 

على عكس التوقعات.. بومبيو لا يصطف مع الإمارات في الأزمة الخليجية

على خلاف التوقعات التي ذهبت نحو انحياز سياسات وزير الخارجية الأمريكية الجديد مع سياسات دولة الإمارات في النزاع الخليجي مع قطر؛ بدا بومبيو ماض في تصميم استراتيجية نافذة لحل هذا النزاع مدعومًا بصلاحيات مفتوحة من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومستدعيًا خبرته الطويلة في معرفة قادة الخليج، حين كان رئيسًا لوكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه».

 

 

 

التوقعات التي بناها الجميع حول انحياز بومبيو للإمارات والسعودية كان بناء على ما نشرته «هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)» في الخامس من مارس (آذار) الماضي، من رسائل بريد إلكتروني مسرّبة تكشف قيام مقربين من الإمارات بحملة تهدف إلى إقالة تيلرسون؛ بسبب معارضته للمقاطعة الخليجية لقطر.

 

ظن العديد من المحللين أنه تحقق للإمارات بعد عزل تيلرسون ما أرادت من تعزيز عملية المقاطعة والضغط على قطر، غير أن التصريحات والتحركات لوزير الخارجية الأمريكي الجديد قالت غير ذلك. بدت أولى هذه الإشارات في حسم ملف الأزمة الخليجية في التسريبات التي خرجت من رحلة بومبيو، في طريقه من اجتماع لـ«حلف شمال الأطلسي» في بروكسل إلى الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي كانت السعودية تنتوي فيه أن تشدد حصارها وتضييقها على قطر، ذهب بومبيو في رحلته إلى المملكة ليحمل رسالة واضحة للمملكة مفادها كفى ذلك، فالخلاف الحاصل بين قطر من جهة وأربع دول عربية برئاسة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى لا بد أن ينتهي، بحسبه.

 

عُرف هذا عبر المعلومات التي كشفها مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية لم يصرح بالكشف عن اسمه، حول ما جرى في الرحلة، وأن بومبيو حمل رسائل واضحة إلى عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، مفادها «كفى»، وامتدت هذه التحركات من الرجل الوافد بصلاحيات مُطلقة ودعم سياسي من ترامب، لإنهاء النزاع الخليجي كقضية رئيسية على مأدبة العشاء مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، وكذلك مع الملك سلمان قبل أن يغادر بومبيو إلى إسرائيل.

 

يزيد من القدرة الواسعة لبومبيو على التأثير على صناع القرار في السعودية، اطلاعه الواسع حول أشكال الصراع الدائر بين محمد بن سلمان ومحمد بن نايف، وزير الداخلية السابق؛ وقد منح بومبيو في فبراير (شباط) 2017، بعد شهور من تعيينه في منصب مدير «وكالة المخابرات المركزية» نوط (ميدالية) لمحمد بن نايف تكريمًا للأعمال التي يقوم بها في مكافحة الإرهاب، في دلالة اعتبرها البعض حينها أنها إشارة ورسالة لمحمد بن سلمان آنذاك بعدم الرضا عن خططه للقفز على السلطة عبر إقصاء بن نايف.

 

كان لافتًا، كذلك، غياب أبوظبي في جدول زيارته الأولى للشرق الأوسط؛ على الرغم من إدراكه أن الإمارات هي التي دفعت السعودية نحو مقاطعة قطر؛ وذلك لأسباب تتعلق بغضب أمريكي من الإمارات على خلفية رفض ولى العهد الإماراتي الذهاب إلى واشنطن لتسوية الأزمة الخليجية.

 

تتأكد هذه الرواية من واقع تحليل منشور لسايمون هندرسون، زميل بيكر في معهد واشنطن ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في المعهد، حول «أن اتخاذ الأمير محمد بن زايد موقفًا متشددًا تجاه قطر ورفض الذهاب إلى واشنطن شكّل على الأرجح ضربًا من الحماقة. ومن هنا جاءت زيارة بومبيو إلى المنطقة، والكلمات التي صدرت عن مسؤول رفيع المستوى تم التحفظ على هويته، وغياب أبوظبي عن جدول الرحلة. كرسالة واضحة للإمارات وحاكمها الفعلى».

 

لم يخرج رد فعل رسمي من الإمارات حول تصريحات بومبيو؛ لكن تزامن مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي الجديد للسعودية، خروج تسريبات حول المكالمات الهاتفية التي تم اعتراضها، والنصوص ورسائل البريد الإلكتروني بين السلطات القطرية وعناصر من حزب الله والحرس الثوري الإيراني لدفع «ما لا يقل عن 275 مليون دولار» لتأمين الإفراج عن تسعة أفراد من العائلة الملكية و16 مواطنًا قطريًا آخر كانوا قد اختُطفوا خلال رحلة صيد جنوبي العراق.، وهو الأمر الذي رجح احتمالية دور الإمارات في هذه التسريبات؛ بهدف تعطيل مهام بومبيو، خصوصًا أن «واشنطن بوست» ذكرت في المقال أن إحدى الحكومات الأجنبية هي التي وفرتها بشرط ألا يتم الكشف عن هويتها.

 

يزيد من احتمالات تورط الإمارات في خروج هذه التسريبات في هذا التوقيت لصحيفة الواشنطن بوست؛ توقيت إعادة نشرها بتفاصيل جديدة للمرة الثانية بالتزامن مع تحرك بومبيو كوسيلة لتوريط قطر؛ إذ كانت المرة الأولى نشرتها صحيفتا «فاينانشيال تايمز» و«نيويورك تايمز »، وهو الأمر الذي يرجحه سايمون هندرسون في تحليله.

 

لا يميل بومبيو للتصديق على الـ13 مطلبًا الذي يعتقد أنها صدرت من جانب وزارة الخارجية الإماراتية؛ ويذهب في رؤيته لهذه القضية وبعض المطالب كمطلب قطع علاقة الدبلوماسية مع إيران بالمناورة السياسية من جانب حُكام أبوظبي، التي لا تزال تملك مثل هذه العلاقات الرسمية مع طهران، وتتصدر قوائم الدول في التبادل التجاري مع طهران.

 

يعزز من هذه الاحتمالات نحو تسريع إنجاز ملف المصالحة الخليجية تقديم ياسر أبوهلالة المدير السابق لقناة الجزيرة استقالته كخطوة فسرها البعض خطوة نحو تعزيز استراتيجية بومبيو لإنجاز هذا الملف. وبدت إشارات القبول من جانب الدول الأربعة في عدم استثناء قطر من المناورات العسكرية التي أجريت مؤخرًا بين القوات الأمريكية وقوات دول مجلس التعاون الخليجي، وتحديد واشنطن موعد في سبتمبر (أيلول) لعقد القمة الخليجية-الأمريكية.

 

بومبيو.. العقل المدبر لانسحاب أمريكا من اتفاقية إيران النووية

يٌعد وزير الخارجية الأمريكي اللاعب الفعلي وراء التعجيل بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، والشروع نحو تصميم استراتيجية أمريكية جديدة في منطقة الشرق الأوسط تُقلص النفوذ الإيراني الآخذ في التوسع بعدد من البلدان العربية.

 

يتجلى هذا الدور الخفي للرجل الذي لم يمض على عمله كوزير للخارجية أيام، من تتبع مسيرته ومواقفه التي أفصح عنها خلال عمله كعضو بلجنة الاستخبارات بالكونجرس الأمريكي؛ فهو كان من أشد المُعارضين للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على خلفية توقيع الاتفاق النووي مع إيران، ومناهضة سياسات وزيرة خارجية أوباما هيلاري كلينتون، ويدفع نحو الحرب الشاملة تجاه إيران كعدو لبلاده، ولا يرى في مسألة الحوار أو التفاوض معه سبيلًا، كحال الجمهوريين في بلاده، ولا يعبأ بقضايا حقوق الإنسان في دول العالم الثالث.

 

ساهم تعيين بومبيو في منصب وزير الخارجية الأمريكية في التبكير بالمواجهة مع إيران؛ وهو ما تجلى في عدة قرارات تزامنت مع وصوله للمنصب كانت بدايتها ما نقلته عنه وكالات الأنباء خلال زيارته لإسرائيل حول أن «التعاون القوي مع الحلفاء المقربين مثل إسرائيل مهم لجهودنا الرامية للتصدي لأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار والخبيثة في الشرق الأوسط وفي الواقع في العالم بأسره».

 

يظهر من واقع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الجديد خلال جولته في الشرق الأوسط التي جاءت لبحث عدة قضايا على رأسها الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النوي الإيراني أن إيران هي محطته الأولى من أجل تحجيم نفوذها الإقليمي؛ إذ أكد خلال وجوده في السعودية إن إيران «هي بالفعل الراعي الأكبر للإرهاب في العالم، ونحن مصممون على ضمان عدم حصولها أبدا على الأسلحة النووية»، وانتقد بشدة نشاطاتها التي وصفها بالتخريبية في المنطقة ودعا إلى معاقبتها. كما أعرب في إسرائيل عن قلق بلاده من «التصعيد الخطير لتهديدات إيران نحو إسرائيل، واتهم طهران بأنها تطمح للهيمنة على المنطقة».

 

 

 

يُعزز من هذه الاحتمالات التفسيرات التي خرجت من دوائر غربية وأمريكية حول ربط استقالة تيلرسون بخلافه مع ترامب حول عدم تحمسه لنقض الاتفاق النووي مع إيران، ودعمه لخيار التفاوض، وتعزيز الضغوط الدبلوماسية دون تصعيد عسكري كما يسعى بومبيو في ذلك بحسب بعض المراقبين.

 

امتداد خطوط المواجهة مع إيران لما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي مستمرة؛ وهو الأمر الذي يعززه وجود بومبيو على رأس وزارة الخارجية الأمريكية، الذي سبق ورسم تصريح له حين كان مديرًا للاستخبارات الأمريكية، استراتيجيته طويلة الأمد تجاه إيران، حين كرر: «التهديدات القادمة من إيران، والميليشيات الشيعية، بما فيها ما نراه في شمال العراق… علينا أن نجابه «قوة القدس» و«فيلق الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني بشكلٍ أوسع، بالإضافة إلى النظام الإيراني نفسه».

 

الخطوة القادمة لبومبيو: تدهور محتمل للعلاقات الأمريكية الروسية وتمرير صفقة القرن

يبدو بومبيو على موعد مع جولة تصعيد جديدة مع خصوم واشنطن الدوليين وهذه المرة ستكون روسيا؛ فالرجل المعروف مُسبقًا بعدائه الشديد للسياسة الروسية داخل منطقة الشرق الأوسط، والتي رسمت تصريحات سابقة له تصور عن عدم قبوله بالدور الروسي المتزايد في المنطقة، قد يدخل مواجهة جديدة تهدف إلى خصم هذا النفوذ الروسي، الذي بات يشغل مساحة أكبر مما كان عليه في السنوات السابقة بفعل الانسحاب الأمريكي.

 

يزيد من احتمالية هذا التصعيد الذي قد يأخذ وسائل عديدة – مثل التحالف مع خصوم لها، أو الضغط اقتصاديًا عليها – ليس من بينها الخيار العسكري، ما ذكره بومبيو عقب ترشيحه لمنصب وزير الخارجية: «روسيا مستمرة في التصرف بعدوانية، كانت نتيجة أعوام من السياسة المتسامحة تجاه هذه العدوانية. هذا الأمر انتهى الآن»، وأضاف: «قائمة ما ستفعله هذه الإدارة لزيادة تكلفة ما سيدفعه فلاديمير بوتين ( مقابل عدوانية روسيا) طويلة».

 

الهدف الثاني الذي يسعى بومبيو لتمريره هو ماعُرف اصطلاحًا في وسائل الإعلام بصفقة القرن؛ والتي حددت بوصلة جدول زيارات بومبيو في الشرق الأوسط لتشمل الأردن وإسرائيل. في تقرير حديث منشور لمعهد «دول الخليج في واشنطن»، الذي تموله الإمارات، ذكرت أن إدراج الأردن في جدول الزيارة الأولى لوزير الخارجية الأمريكي كانت للحديث بشكل أساسي حول القضية الفلسطينية، وهي المسألة التي تأكدت من واقع تصريحاته في المؤتمر المُشترك الذي أكد فيه تأييده إسرائيل بما في ذلك قمعها العنيف للتظاهرات الفلسطينية على الحدود بين غزة وإسرائيل، والتي أدت إلى مقتل 47 متظاهر فلسطيني على الأقل.

 

 

 

تأكدت أهداف هذه الزيارة من واقع المباحثات الثنائية اللاحقة لزيارته للأردن، والتي جمعته برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي ركزت بشكل أساسي على التأكيد على نقل مقر السفارة الإسرائيلية إلى القدس في موعدها، وبحث كافة التفاصيل المتعلقة بتمرير صفقة القرن.

 

ويُرجح أن التصريحات الداعمة لنقل السفارة الأمريكية للقدس، إلى أخذ مواقف أكثر تشددًا في القضية الفلسطينية، ودعمًا لإسرائيل، ربما ستنتهي بتمرير صفقة القرن التي لطالما تحدث عنها ترامب، وأكد بومبيو خلال زيارته الأخيرة للأردن على تنفيذها، قائلًا إن «صفقة القرن يجب أن تتم بالاتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين».

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها