نشر : يونيو 4 ,2018 | Time : 05:47 | ID : 166244 |

لماذا يزيد التحالف التركي السوداني من قلق مصر ودول الخليج؟

شفقنا- يواصل التحالف التركي السوداني تألقه في الأوقات الحالية منذ بداية العام الجاري 2018؛ وذلك في إطار الاهتمام الكبير من الجانب التركي بإعادة الاستثمار في القارة السمراء؛ خاصةً في ظل الوقت الذي تقاطع فيه العديد من الدول الأوروبية تركيا؛ وذلك بسبب ما تعتبره انتهاكات لحقوق الإنسان يشنها النظام التركي على معارضيه منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تمّوز) 2016.

 

أحد أهم التحالفات في القارة السمراء

التحالف التركي مع السودان ربما يعتبر من أهم التحالفات التركية في القارة السمراء؛ خاصةً في ظل موقع السودان الاستراتيجي، ووقوعها في منتصف القارة، وهو الأمر الذي قد يقلق الدول الخليجية في حال استطاعت تركيا التقارب الكبير من السودان، وبالرغم من أن التحالف التركي السوداني بدأ في التكوين منذ بضعة أشهر قليلة، إلا أنه الآن في أفضل حالاته.

 

فلا تكاد تغيب أفريقيا عن أجندة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في غالبية جولاته الخارجية؛ حيث بات أردوغان أكثر زعماء العالم زيارة للقارة بزيارته لـ28 دولة منذ كان رئيسًا للوزراء وحتى الآن. وكان لهذه الجولات عائد اقتصادي كبير، فما بين عامي 2012 و2016؛ تخطت صادرات تركيا للقارة الأفريقية 65 مليار دولار، وصعد حجم التبادل التجاري إلى 93.5 مليار دولار. وعند مقارنة حجم التجارة السنوي بين تركيا والدول الأفريقية نجد أنه قفز بنحو 200%، إذ كان في حدود 5.6 مليار دولار خلال 2004، وارتفع إلى 16.7 مليار دولار في 2016.

 

 

 

وفي الوقت نفسه، التحالفات التي تقوم بها تركيا في القارة السمراء ليست فقط بدوافع اقتصادية بحتة، وإنما أيضًا انطلاقًا من دوافع أخرى؛ كالدوافع الاستراتيجية والسياسية وغيرهما.

 

 

الجدير بالذكر أن اقتصاد السودان يواجه صعوبات منذ انفصال الجنوب إلى دولة مستقلة في عام 2011، آخذًا معه ثلاثة أرباع إنتاج البلاد من النفط الخام، فيما عززت تركيا في السنوات الأخيرة استثماراتها في السودان وحضورها في القارة السمراء بشكل لافت.

 

كان هذا هو التصريح الذي أدلى به المستشار الأول لرئيس الوزراء التركي، عمر قورقماز، حول دوافع زيارة أردوغان للسودان بصورة كبيرة؛ حيث إن الزيارة الأولى للرئيس التركي للسودان في ديسمبر (كانون الأول) الماضي رأس وفدًا ضخمًا يضم قرابة 200 رجل أعمال ومستثمر، بالإضافة إلى وزراء حكومته، وعدد آخر من المسؤولين، كانت هي الأولى لأي رئيس تركي منذ 61 عامًا؛ مما يعكس حجم ما تمثله الزيارة من أهمية بالنسبة له ولبلاده. وحيثما ذُكر حجم التعاون بين تركيا والسودان خلال الفترة الأخيرة، كان لا بد أن تُذكر هذه الزيارة التي أسست لمرحلة جديدة من العلاقات التركية السودانية.

 

الاستقبال الحافل الذي قوبل به الرئيس التركي منذ أن وطأت أقدامه مطار الخرطوم، سواء من الحكومة أو الشعب السوداني، جاءت لتبرز الترقب الذي كانت فيه الخرطوم من أجل تأكيد حدوث زيارة على هذا المستوى منذ سنوات، والتي دائمًا ما كان مرحبة بها، إلا أنها لم تحدث لعقود. غير أن هذا التوافق بين الطرفين حول أهمية الزيارة انعكس بشكلٍ كبيرٍ في حجم النتائج التي خرجت بها.

 

وقد أكد أردوغان، في خطاب له بمنتدى العمل التركي – السوداني، والذي ينظمه مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي، أن التوسع التركي في علاقاته بالدول الأفريقية، خاصةً من الناحية الاقتصادية، يهدف إلى التقدم والازدهار مع القارة السمراء، وليس للجانب التركي فقط.

 

 

هذا فضلًا عن الصعوبات التي تواجهها تركيا في الوقت الحالي في فتح المزيد من الأسواق في أوروبا، أو في الولايات المتحدة الأمريكية، بسبب التباين في وجهات النظر حيال بعض الملفات، أبرزها ملف حقوق الإنسان؛ مما دفع أنقرة للبحث عن بديل؛ حيث تحاول لعب دور محوري في القارة، ولذلك نجد أنها توسّع من خطوط السفر والتنقّل باستمرار؛ حيث تصل الخطوط الجوية التركية إلى 51 مدينة في 32 دولة أفريقية. وبالتالي، فليس هناك أفضل من السودان بوابة لتركيا لغزو أفريقيا اقتصاديًا، وهو ما يفسر تصاعد أعداد المشروعات التي يدشنها رجال أعمال أتراك في السودان خلال الآونة الأخيرة.

 

مشروعات نفطية ومجلس تعاون و21 اتفاقية

منذ الزيارة المذكورة للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى السودان، في ديسمبر الماضي، ولقائه بالرئيس السوداني عمر البشير، وقَّع الطرفان 21 اتفاقيةً للتعاون بين البلدين، فضلًا عن الاتفاق على تشكيل «مجلس التعاون الاستراتيجي السوداني – التركي» بين البلدين، والذي سيجتمع مرة واحدة كل عام. في الوقت الذي اعتبر فيه السودان تشكيل المجلس خطوة مهمة لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، خاصةً في ظل توقيع الاتفاقيات الأخرى في المجالات الاقتصادية والعسكرية والزراعية.

 

وبلغ حجم التبادل التجاري السنوي بين البلدين 438 مليون دولار في أواخر 2017، لكن أردوغان تعهد بزيادة استثمارات بلاده إلى مليار دولار كخطوة أولية من أجل الوصول إلى 10 مليارات دولار.

 

الجدير بالذكر، أنه من ضمن تلك الاتفاقيات التي وقَّع عليها الطرفان، التركي والسوداني، تسهيل تركيا دخول السودانيين للأراضي التركية بتأشيرة الكترونية فقط، صالحة لمدة 30 يومًا، مقابل إلغاء السودان تأشيرة الدخول للأتراك والتي كانت سارية المفعول منذ عام 2009. بالإضافة إلى التوقيع على تأسيس بنك سوداني – تركي لتمويل الاستثمارات التركية في السودان.

 

كما اتفق الطرفان على توقيع اتفاقيات في مجال صناعة الحديد والخدمات الصحية والتجارية، وقيام تركيا بإعادة تأهيل جزيرة سواكن في البحر الأحمر، وإنشاء مطار جديد في الخرطوم، والاتفاق على مذكرة تفاهم في مجال التوليد الحراري للكهرباء، والاتفاق على تصدير القطن، والاستثمار في المناطق الحرة لصالح صادرات البضائع التركية.

 

وفي أولى الخطوات التي يجري تنفيذها طبقًا للاتفاق بين البلدين في ديسمبر 2017، التقى وفدٌ من المستثمرين الأتراك بالرئيس السوداني، عمر البشير، في 29 مايو (أيار) 2018، حيث بحث الطرفان إقامة مصفاة للنفط في مدينة بورتسودان، والتي تقع شمال شرق السودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر، كما بحثا إنشاء مستودعات للغاز وصوامع للقمح، وذلك خلال زيارةٍ رسمية بمقر الضيافة الرسمي بالخرطوم.

 

 

وقد أكد الوفد التركي من المستثمرين حينها رغبتهم في إقامة استثمار طويل المدى وشراكة استراتيجية مع السودان لجعله مركزًا لتوزيع الغاز والجازولين والقمح، مضيفين أن هذا العمل من شأنه توفير احتياجات السودان من هذه المشتقات، وتصدير الفائض منها للدول الأفريقية المجاورة؛ حيث إن المصفاة ستمكن الولايات الشرقية بالسودان من الحصول على حاجتها من الغاز والجازولين من مدينة بورتسودان مباشرة، وذلك من خلال الاستفادة من المنطقة التجارية الحرة في بورتسودان.

 

لماذا تقلق مصر ودول الخليجية من التحالف التركي السوداني؟

السؤال الأهم هنا، لماذا تقلق الدول الخليجية ومصر من التحالف التركي السوداني؟ الإجابة تكمن في القلق لدى مصر ودول الخليج من الهيمنة التركية على منطقة الشرق الأوسط، خاصةً في ظل تقارب الأخيرة مع دول كإيران، التي تعتبر دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، العدو الأول والأهم لهما، وكيف يمكن أن تُترجم الهيمنة التركية في المنطقة العربية؟ الإجابة: جزيرة سواكن.

 

 

 

الجدير بالذكر أن لدى السودان ساحل على البحر الأحمر يمتد على أكثر من 700 كيلومتر؛ ويقع على هذا الساحل جزيرة سواكن، التي اتفق الطرفان التركي والسوداني على منح تركيا حق إدارتها وإعادة تأهيلها خلال الفترة القادمة؛ حيث أكد أردوغان قائلًا: «طلبنا تخصيص جزيرة سواكن لوقت معين؛ لنعيد إنشاءها وإعادتها إلى أصلها القديم، والرئيس البشير قال: نعم»؛ حيث إنه من المتوقَّع أن تكون الجزيرة منطقة للتأثير الجيوسياسي في صالح تركيا، وذلك بالرغم من نفي السودان مؤخرًا أن الجزيرة ستتحول إلى قاعدة عسكرية تركية.

 

ويجب الأخذ في الاعتبار الموقع الاستراتيجي لمدينة سواكن وما تضمه من ميناء وساحل يمثل قيمة ملاحية قادرة على منافسة العديد من الموانئ الإقليمية الموجودة، هذا حال إعادة تشغيله وفق التصور المطروح لإحياء تاريخ هذا الميناء الأقدم في تاريخ السودان الذي كان معبرًا للرحلات المتوجهة إلى أو القادمة من موانئ مصر والسعودية؛ مما يعني أنه سيسحب البساط من تحت أقدام ميناء جبل علي، ودبي، الإماراتيين، والتي حاولت الإمارات طيلة السنوات الماضية الحفاظ على مركزيهما كأهم الموانئ في المنطقة بكل الطرق الممكنة.

 

 

 

ميناء سواكن في حال إتمام العمل به، فإنه من المتوقع أن يربط بشكل كبير بين حركة التجارة والملاحة بين أفريقيا وآسيا، خاصة في حال توظيف السودان وحلفائها، وعلى رأسهم إثيوبيا، وجنوب إفريقيا، علاقاتهم القارية لدعمه وتحويله في أقصر وقت إلى أكبر ميناء على البحر الأحمر.

 

الجدير بالذكر أن جزيرة سواكن كان لديها ما يقارب 50 ألف نسمة، وفي الفترة ما بين عامي 1909 – 1922 هاجر معظم السكان إلى مدينة بورتسودان، بعد تأثير عوامل الطبيعة على معظم بناياتها مما عرضها للتلف، وما تبقى منها بات في صورة أكواخ يسكنها البقية المتبقية فيها. وخلال فترة الحكم العثماني اتخذت الدولة العثمانية وقتها الجزيرة مركزًا لأسطولها البحري في البحر الأحمر، كما ضم ميناؤها مقر الحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامي 1821 و1885، الذي كان يشتهر في القديم كونه معبرًا حيويًا للرحلات المختلفة.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها