نشر : يونيو 7 ,2018 | Time : 20:41 | ID : 166428 |

مفهوم لیلة القدر في فكر الإمام موسى الصدر

شفقنا -نشر مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات تسجيلا صوتيا للسيد الصدر يبحث فيه تفسير سورة “القدر” ومعانيها.

 

جاء فيه: كنا في تفسير سورة القدر وبحثنا حول معنى ليلة القدر حسب ما يظهر من الآيات القرآنية والروايات الواردة عن طريق الأئمة، وذكرنا تفاسير ثلاثة لمعنى ليلة القدر. وعلى ضوء ما ذكرنا من التفاسير نرجع لنقرأ السورة المباركة:

 

﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، نحن أنزلنا القرآن وليس نزلنا القرآن، تذكرون ما قلنا عن الفرق بين الإنزال والتنزيل. الإنزال قلنا النزول الدفعي، والتنزيل النزول التدريجي، فليلة القدر ليلة تقرر جميع التعاليم الدينية الموجودة في القرآن الكريم جميعها دفعة واحدة بصورة إجمالية نزلت على قلب رسول الله (ص) فأصبح نبيًا عالمًا بالقرآن الكريم بشكل موجز، ولكن ما كان مكلفًا بأن يلقي ويقرأ الآيات للناس إلا بعد الأمر.

 

نحن حينما قلنا للقرآن نزولان إنزال وتنزيل نتمكن أن نفهم هذه الآية بشكل واضح: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾، يعني القرآن الكريم كله دفعة واحدة نزل في ليلة القدر. وأما ثلاثة وعشرون سنة مدة نزول القرآن هذا تنزيل القرآن، يعني بالتدريج كانت تنزل آيات، وفي المرحلة الثانية، كان النبي الكريم يبشر ويدعو ويبلِّغ الناس بالآيات.

 

أما الذين قالوا أن القرآن نزل دفعة واحدة فظلوا في صعوبة من جهة تفسير هذه الآيات: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ كيف أنزلناه في ليلة القدر وكيف أنزلناه في ثلاث وعشرين سنة؟ فقسم منهم قال: ﴿إنا أنزلناه﴾ يعني بدأنا بنزول القرآن في ليلة القدر، وقسم منهم قال: ختمنا نزول القرآن في ليلة القدر. ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ مما يلفت النظر كلمة الضمير ﴿إنا أنزلناه﴾ ولا يقول إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، هذا النوع من التعظيم في اللغة العربية باعتبار نحن حينما نكبر أحدًا ونعظم أحدًا أو نكبر شيئًا أو نعظم شيئًا نقول حضر، جاء، شرَّف، من دون ما نسميه على أساس أن الضمير أبلغ في التعظيم، يعني مع أن مرجع الضمير غير موجود ﴿إنا أنزلناه﴾، نحن أنزلنا ذلك الشيء الذي تعرفه والذي لا تغيب عنه، وهذا دليل عظمة ذلك الشيء طبعًا وتعبير تعظيمي أدبي لطيف.

 

﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ثم ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ ما أدراك يعني كيف تمكنت أن تدرك؟ ماذا تعرف أنت عن هذا الشيء؟ ولكن تستعمل هذه الكلمة في التعظيم أيضًا يعني حينما يريد القرآن أن يكبر أيضًا ويعطي معنى العظمة والجلال لشيء يستعمل أسلوب السؤال. مثلًا: ﴿الحاقةما الحاقةوما أدراك ما الحاقة﴾ [الحاقة، 1-3] أو ﴿القارعةما القارعة﴾ [القارعة، 1-2] وأمثال ذلك. هذا الأسلوب السؤالي يستعمله القرآن، والعرب يستعملونه كوسيلة لتحضير ذهن المستمع وتعظيم الفكرة أن هذا الشيء مهم ولا تعرف ما هو هذا من كثرة العظمة.

 

﴿وما أدراك ما ليلة القدر * ليلة القدر خيرٌ من ألف شهرٍ﴾ ذكرنا ما معنى خيرية ليلة القدر من ألف شهر بالرغم من أن الكثير من الآثار يؤكد الخيرية من جهة الفضيلة والمقام، ولكن نحن فسرنا الخيرية من جهة التأثير في التاريخ أن تأثير ليلة نزول القرآن أكثر على التاريخ البشري أكثر من ألف شهر بشكل عام، كمبالغة في الكثرة الكاثرة أو ألف شهر يعني أيام حكم بني أمية كما ورد في التفاسير الكثيرة ﴿وما أدراك ما ليلة القدرليلة القدر خيرٌ من ألف شهرٍ ﴾. ثم يصف القرآن هذه الليلة وصفًا رائعًا لكي يجلب انتباه الإنسان للاستفادة من هذه الليلة الخالدة في تاريخ البشر: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرٍ * سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾.

 

﴿تنزّل﴾ طبعًا الشباب يعرفون أن هذا بإسقاط التاء تاء المضارعة، يعني تتنزل، أليس كذلك؟ تنزل لأنه لو كان ماضيًا كان تنزل، تنزل الملائكة يعني في هذه الليلة الملائكة بالتدريج وعلى دفعات وبصورة مستمرة تنزل إلى العالم، الملائكة والروح، ما هي الملائكة؟ وما هو الروح؟ لأن الروح كما يقولون تذكر وتؤنث في نفس الوقت تستعمل كمذكر ومؤنث كلمة الروح، الملائكة ما هي؟ والروح ما هو؟

 

طبعًا نحن لا نتمكن أن نجزم بمعنى من المعاني بالروح ونجزم بمعنى من المعاني بالملائكة، خاصةً إذا ما اعتمدنا أسلوب الرمزية والتفرط بالغيب. نحن نؤمن بالملائكة والإيمان بالملائكة جزء من الإيمان الإسلامي، لأن القرآن الكريم في أكثر من موضع يقول: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملآئكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة، 285] الإيمان الإسلامي يتكون من الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل لا نفرق بين أحد من رسله يعني الإيمان بجميع الأنبياء، هذا الإيمان الإسلامي.

 

فإذًا، إذا نريد الإيمان الكامل يجب أن نؤمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله، ما هي الملائكة التي نؤمن نحن بها؟ طبعًا نحن كمؤمنين نؤمن بالملائكة كيفما كانت وأي شيء تكون. كما أننا نؤمن بالله ولا نعرف حقيقة الله، نحن نعرف حقيقة الله؟ لا نعرف حقيقة الله، نحن نعرف صفات الله، نحن نعرف آثار صنع الله، لكن لا نعرف حقيقة الله، كذلك نحن نؤمن بالملائكة ولا ندري حقيقة الملائكة ولكن نعرف آثار الملائكة وصفات الملائكة. ما هي صفات الملائكة وآثار الملائكة؟ نحن بإمكاننا أن نستخرج من القرآن الكريم صفات الملائكة وآثارها، نحن من أول القرآن حينما نجد أن الملائكة كانوا يتكلمون مع الله وكانوا يقولون: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة، 30]، نعرف أن الملائكة يسبحون لله ويقدسون لله، نحن نعلم أيضًا بعدما خلق الله “آدم” أبا البشر (ع) قال: ﴿للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ [البقرة، 34]. فإذًا، نعرف أن مقام الملائكة يأتي بعد مقام “آدم”. ثم نقرأ في القرآن الكريم عشرات من الإشارات بالأشغال التي يمارسها الملك. وإذا رجعنا بالأحاديث أيضًا نجد أشغالًا كثيرة تُستند إلى الملائكة، هل نتمكن من مجموع هذه الدراسات أن نصل إلى شيء يوضح لنا حقيقة الملائكة أو أفعال الملائكة وصفات الملائكة؟

 

أنا أقول لكم ما في ذهني ولا أدعي أن هذا هو الصحيح، ولكن هذه خلاصة ما درست وما افتهمت من معنى الملائكة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف. الملائكة حسب ما يفهم من القرآن ومن الأحاديث عبارة عن عمال ووسائل وجنود خاصين بالله سبحانه وتعالى. يعني الأعمال الكونية قسم منها يقوم به الإنسان، وقسم من الأعمال الكونية التي نسميها العوامل الكونية هذا القسم تقوم به الملائكة، العوامل الكونية مثل ماذا؟ مثل الجاذبية، مثل الرياح، مثل الأمطار، مثل السحب، مثل تأثيرات الشمس.

 

أليست عوامل كونية هذه الأشياء؟ القوة الجاذبية من صنع ومن فعل البشر؟ طبعًا لا. الجاذبية من العوامل الكونية. مثلًا تأثيرات الشمس، الإشعاعات، الجزر والمد، وضع الكواكب والأفق والبرق والرعد. هذه القوى الكونية الكثيرة الموجودة في الكون، هذه العوامل الكونية والآثار الكونية هي من فعل الملائكة، ليست هي الملائكة كما يريد أن يقول أحد المفسرين أظن “الطنطاوي” ليست العوامل الكونية هي الملائكة أبدًا، بل الملائكة هي التي تستلم العوامل الكونية وتدير العوامل الكونية. فإذا نريد أن نذكر مثلًا الحاكم مع أجهزة الدولة، أجهزة الدولة على اختلاف درجاتها من أجهزة الحكم والقوى التنفيذية أو القوى التشريعية أو القوى القضائية أو قوى الأمن وأمثال ذلك من دون ما نشبه نتمكن أن نذكر مثالًا بأن الكون والسماء والأرض، الملائكة هي القوى، هي الأشياء والعوامل، هي الذوات والموجودات التي تستلم القوى الكونية.

 

هناك آية في القرآن الكريم طبقت على الملائكة تقول ﴿فالمدبرات أمرًا﴾ [النازعات، 5]، الملائكة التي تدبر الأمر. والقرآن الكريم أكثر من مرة يشير إلى تدبير الأمر، ويشير أيضًا القرآن الكريم بأن الملائكة تُنَزِّل السلام وتُنَزِّل الوحي، ويشير الحديث الشريف أن كل قطرة من قطرات المطر معها ملكان، ماذا يعني ملكان مع القطرة؟ إذا لاحظنا أن القطرة حينما تنزل معها قوتان، معها عاملان، العامل الأول لماذا القطرة تنزل إلى الأرض؟ لأنها تتأثر بالجاذبية أليس كذلك؟ لماذا القطرة تنزل إلى الأرض ولا تطلع إلى فوق؟ لأن جاذبية الأرض تجذبها. لا تقول كيف ممكن القطرة تطلع لفوق، إذا لاحظت أنه ليس هناك فوق وتحت في العالم لأن الكرة الأرضية بهذا الشكل، والمطر الموجود هنا ينزل بهذا الشكل والغيوم الموجودة هنا تنزل بهذا الشكل، كل شيء دون أطراف لا يوجد فوق وتحت.

 

هذا الذي أدى إلى أن “نيوتن” عرف نظرية الجاذبية، يقولون أنه كان جالسًا في غرفته فوجد تفاحة انقطعت من الشجرة فنزلت إلى الأرض، وفكر بأنه لماذا التفاحة نزلت إلى الأرض، لماذا ما طلعت لفوق؟ الواحد يسأل أنه لماذا ما طلعت لفوق؟ إذا لاحظت أن الأرض كروية فالتفاحة من هنا تنزل إلى الأرض! هذا الذي أدى إلى الرأي بأن للأرض جاذبية تجتذب الأشياء، وهذا الرأي الذي يفسر الثقل ولماذا الأشياء ثقيلة، سبب هذا وزنه كيلو أو نصف كيلو ولماذا هذا ثقيل؟ الثقل ضغط الجاذبية، الجاذبية تجذبها فأنا أشعر بالثقل، وإلا إذا طلعت لفوق وخرجت من تأثير الجاذبية لا وزن للإنسان. هؤلاء الذين ذهبوا إلى الفضاء، حتمًا قرأتم في المجلات والأخبار، أنهم يفقدون الجاذبية، هناك الإنسان يفقد الجاذبية، يعني يفقد الوزن. فبإمكانه أن يقوم ويطلع وينزل ويسرح ويمشي ويطير مثلما يريد. الجاذبية هي التي تعطينا وزنًا وتجعلنا ملتصقين بالأرض. فإذًا، المطر، كل قطرة تنزل لأن معها الجاذبية.

 

ثم هناك قوة ثانية هي قوة ضغط الجو. هذه القوة التي تعمل القطرة بشكل الكرة، لماذا القطرة بشكل الكرة وليست بشكل المربعات والمكعبات أو طويلة؟ خذ كمية من الماء وصبها على الأرض وصب على السماء وعلى الجو تجد أن القطرات تتحول إلى كرة أليس كذلك؟ لماذا تتحول إلى كرة؟ لأن الضغط من جميع الجوانب متساوٍ فتصبح القطرة كروية، فإذًا، مع كل قطرة عاملان من العوامل الكونية، عامل الجاذبية الذي يجذبها وعامل الضغط الذي يحفظها ويصونها ويوصلها للأرض، لو لم يكن هذا العامل والضغط كان ينتشر بالفضاء، ما كان يصل إلى الأرض المطر أبدًا. أليس كذلك؟

 

فإذًا، مع كل قطرة ملكان، ملكان ماذا يعني؟ يعني يؤثر ملكان على هذه القطرة نتيجةً لقوة الجاذبية ونتيجةً لقوة ضغط الجو؛ من هنا نصل إلى هذه النقطة أن الملائكة فعلها وعملها عمل الملائكة إدارة الكون والعوامل الكونية. والملائكة تقوم بأعمال كثيرة في الدنيا وفي الآخرة، والقرآن الكريم في أماكن عديدة يشير إلى هذا البحث. فالملائكة بإمكاننا أن نفسرها بالمدبرات للقوى الكونية، أكرر أقول، لا أقول أن العوامل الكونية هي الملائكة، بل أقول العوامل الكونية هي من صنع الملائكة وبتصرف الملائكة. وهكذا نفهم سجود الملائكة للإنسان، أنه حينما الملائكة سجدت يعني جعلت القوى الكونية في تصرف الإنسان، يتمكن الإنسان من استغلال هذه القوى ومن التأثير في هذه القوى ومن التصرف بهذه القوى عن طريق العلم، كما هو بحث آخر نذكره في محله.

 

فإذًا، الملائكة جنود الله، الملائكة موظفو سلطان الله، الملائكة عناصر حكم الله، سمه ما شئت لا نعرف حقيقتها ونعرف أنهم سجّد لا يركعون، وركّع لا يسجدون، يطيعون الله ولا يعصونه، يسبحون له، ويقدسون بحمده، ويدبرون الأمور ويديرون الشأن. فإذًا، جميع ما يجري من الأفعال في الكون ما عدا الأفعال التي تصدر عن الإنسان هي من صنع الملائكة أو من فعل الملائكة. هذا الذي نفهمه من معنى الملائكة من تفسير الملائكة وصفاتها وأعمالها.

 

أما الروح، فما هي الروح؟ حسب التفاسير الواردة في كثير من كتبنا التفسيرية، الروح كبير الملائكة، ولهذا عطفها القرآن بالملائكة في أكثر من مكان: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ و﴿يوم يقوم الروح والملائكة﴾ [النبأ، 38] في مكان آخر الروح والملائكة، الروح في هذا الاصطلاح غير روح الإنسان، معنى آخر، الروح يعني كبير الملائكة، وذكرت الأحاديث أوصافًا كثيرة للروح وفي بعض الأحاديث الروح: “جبرائيل”. ولكن أيضًا ما أستنبطه أن الروح كناية أو تعبير عن إرادة الله المباشرة، هناك أفعال تصدر بواسطة الملائكة، بواسطة سكرتارية الله إذا صح التعبير، وهناك أعمال يقوم بها الله مباشرةً وبإرادته، الروح التي تنزل في هذه الليلة المقصود منها عناية الله وتصرف الله المباشر في الكون. نفس الروح التي نفخها الله في “آدم”: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص، 72]. يعني إعطاء الروح لـ”آدم” أو للمسيح أو للإنسان إعطاء هذا الروح أرفع من أن يسيطر عليه الملائكة.

 

أرجو الانتباه، العوامل الكونية كلها من تصرف الملائكة، والملائكة سكرتارية الله يتصرفون في هذه العوامل الكونية. ولكن هناك أشياء أهم من إمكانات الملائكة، وفوق الملائكة، فنحن نعلم أن الملائكة سجدت لـ”آدم” بعدما نفخ الله فيه من روحه؛ فإذًا، الروح أشرف من الملائكة، لأن الملائكة سجدت لإنسان بعدما نفخ الله فيه من روحه. لا نقدر أن نقول أن الروح هي من الملائكة، نقول الروح تعبير عن الإرادة الإلهية المباشرة، يعني الذي يقوم به الله مباشرةً، إرادة الله الروح. وملائكة الله، سكرتارية الله سبحانه وتعالى. طبعًا له أدلة كثيرة هذا التفسير وأنا… أنا ألخص لكم هذا الموضوع الذي استنتجته من المطالعة في هذه الآيات وعندما نصل إلى الآيات المباشرة في هذا الموضوع نتحدث فيها بشكل أوسع.

 

﴿تنزل الملائكة والروح﴾، يعني القوى الإلهية، الجنود الإلهيين، إرادة الله ترتبط في هذه الليلة بالأرض، ليلة القدر، هي ليلة ارتباط مباشر بين الأرض والسماء: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرٍ * سلامٌ هي حتى مطلع الفجر﴾. هذه اللوحة التي ترسم في هذه السورة المباركة تبين جلال هذه الليلة أن هذه الليلة العظيمة التي هي فوق مستوى إدراكنا: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾، هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر، هذه الليلة التي تتنزل فيها الملائكة والروح من كل أمر، هذه الليلة التي هي سلام حتى مطلع الفجر، ليلة عظيمة اغتنموها، على أحد التفاسير الذي قلنا ليلة نزول القرآن.

 

فإذًا، ليلة تحديد الحلال والحرام، ليلة تبيين كل شيء، ليلة التشريع الإلهي والسعادة الخالدة البشرية، ليلة السلام الذي لا يحصل إلا من تطبيق أحكام الإسلام، ليلة الدستور الإلهي القرآني. فإذا احتفلنا في هذه الليلة وأحيينا ذكريات هذه الليلة نرتبط بهذه المناسبة ونعيش في جو هذه المناسبة ونجدد عزمنا وسيرنا وسعينا ومحاولاتنا لأجل البقاء في هذا الخط الذي هو السلام والخير والفضيلة وفوق مستوى إدراك الإنسان من كثرة المقام.

 

أو قلنا أن ليلة القدر ليلة كمال الإنسان نتيجة للصيام والرياضات الروحية، أو قلنا ليلة استجابة الدعاء. مهما قلنا فليلة عظيمة فيها من الجلال والعناية الإلهية والتوجه الرباني إليها ما ليس في غير هذه الليلة لأن فيها من الفضائل أولًا عظمة هذه الليلة المتجلية في كلمة القدر. ثم عظمة هذه الليلة التي يعبر عنها القرآن: ﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ وأنها خير من ألف شهر، وأن الملائكة والروح تنزل وأنها سلام حتى مطلع الفجر، هذه الشروح والنتائج نتيجةً لمقام هذه الليلة الذي ذكرناه في تفاسيرنا الثلاثة السابقة.

 

فإذًا، تقديرها وإحياؤها مفيد وضروري وإعادة للشعور والنشاط والحماس الديني في نفس الأمة، ولهذا جعل رسول الله إحياء هذه الليلة من أفضل الأعمال والدعاء في هذه الليلة من أفضل الأعمال. ولكن حينما سئل أنه هل هناك في ليلة القدر عمل أفضل من الدعاء؟ أجاب بأن طلب العلم في هذه الليلة أفضل من الدعاء، أقول هذه الكلمة لأجل الشباب الذين يطلبون العلم حتى يعرفوا أن دراستهم وتعلمهم للعلم أفضل من الدعاء حتى، لأن في العلم دعاء حقيقي.

 

هذه خلاصة من سورة ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ ذكرناها بما يسع المقام وإن شاء الله الإخوان أيضًا يحاولون أن يطالعوا ويحفظوا ويفكروا لأن القرآن الكريم، الإنسان كلما فكر فيه يفهم منه أكثر وأكثر.

 

غفر الله لنا ولكم. والسلام عليكم.

 

النهاية

www.ar.shafaqna.com/ انتها