نشر : يونيو 10 ,2018 | Time : 03:43 | ID : 166540 |

دروس في الإقناع.. كيف انتصرت «بي دي إس» على إسرائيل وألغت مباراة الأرجنتين؟

شفقنا-  20 دقيقة فقط كانت كافية لنفاد تذاكر مباراة منتخبي الأرجنتين وإسرائيل، ولكن ذلك الشغف والحماس الإسرائيلي بمشاهدة المباراة تحوّل إلى غضب، بعدما ألغت الأرجنتين المبارة عقب نجاح حملة حركة مقاطعة إسرائيل بي دي إس «BDS»، في التأثير للوصول لتلك النتيجة، التي دفعت كبار المسؤولين في إسرائيل لمحاولة تغييرها «دون جدوى»، وسط غضب إسرائيلي كبير ودعوات من داخل المجتمع الإسرائيلي لـ«الانحناء» أمام حركة المقاطعة!

 

مكبرات صوت من BDS لإيصال الرسالة مباشرة للاعبي الأرجنتين

في ظل توتر الأوضاع الفلسطينية، مع الاحتفاء الإسرائيلي بالذكرى رقم 70 للنكبة، التي شهدت تحويل عاصمة إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، ونقل السفارة الأمريكية إليها، وانطلاق مسيرات العودة الفلسطينية السلمية، التي قتلت فيها إسرائيل ما لا يقل عن 120 فلسطينيًا، بالإضافة إلى إصابة مئات المدنيين، وجدت إسرائيل الفرصة مواتية لاستضافة المنتخب الأرجنتيني في مباراة ودية على أرض ملعب غربي «القدس»، كان المزمع إقامتها يوم السبت المقبل،وهي الأخيرة للأرجنتين قبل بداية تنافسات كأس العالم لكرة القدم في روسيا.

 

وبحماس إسرائيلي كبير بيعت الآلاف من تذاكر المباراة، ونفذت في دقائق لم تتعدَ 20 دقيقة، بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» الإسرائيلية، ولكن خيبة أمل أصابت الإسرائيلين بعدما نجحت الحملة الداعمة لفلسطين، في إقناع المنتخب الأرجنتني بالعدول عن لعب المبارة، وإلغائها في النهاية.

 

هي حملة قادتها حركة مقاطعة إسرائيل (بي دي إس) BDS، التي تدعو لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض عقوبات عليها، وشارك في الحملة نشطاء من حركات حقوقية في الأرجنتين، وإسبانيا، ولم تكن وليدة الأيام القليلة الماضية، وإنما امتدت لشهور؛ لإلغاء تلك المباراة؛ لأن المبارة في الأساس أعدّت لها إسرائيل قبل نحو ثلاثة شهور، ودفعت بحسب الصحف الإسرائيلية، 3 مليون دولار للمنتخب الأرجنتيني؛ كي يشارك في المباراة مع إسرائيل.

 

 

 

وتنوعت وسائل حملة BDS والحركات الداعملة لفلسطين، الداعية لإلغاء المباراة بين تظاهرات نظمتها في الأرجنتين وإسبانيا، وبين نشر مقاطع فيديو دعائية من قلب فلسطين، ففي العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس، وأمام نادي الأرجنتين لكرة القدم (AFA) نظمت الحملة ونقابات أرجنتينية، تظاهرات، رفع خلالها المتظاهرون، قمصان منتخب الأرجنتين وهي ملطخة بالدماء، مطالبين لاعبي المنتخب الأرجنتيني وعلى رأسهم ليونيل ميسي بإلغاء المباراة: «وألا يكونوا جزءًا من المباراة التي تحمل طابعًا سياسيًّا خصوصًا في أعقاب الإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل رغم تنافي ذلك مع القانون الدولي».

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى مدينة برشلونة حيث يقيم منتخب الأرجنتين معسكره للاستعداد للمونديال، إذ اندلعت الاحتجاجات هناك، ولم تتوقف على رفع اللافتات، وإنما امتدت أيضًا لاستخدام نشطاء حركة BDS مكبرات الصوت لإيصال الرسالة مُباشرةً للاعبين، لإيضاح الوضع في فلسطين وإحداث التأثير اللازم لإلغاء المباراة.

 

 

« لا يوجد شيء ودّي في إطلاق النار على لاعبي كرة القدم» تحت هذا العنوان نشرت صفحة المقاطعة فيديو صورته من قلب فلسطين، لمحمد خليل، اللاعب الفلسطيني بنادي الصلاح الفلسطيني، وهو يدعو ميسي والأرجنتين لإلغاء المبارة، وجاءت تلك الدعوة من خليل الذي كان راقدًا على السرير بعد إصابة ركبتيه من رصاص قناصة قوات الاحتلال أثناء مشاركته في مسيرة العودة، حاكيًا بالصوت قصته ومقاطع فيديو واضحة له عند استهدافه من قوات الاحتلال خلال مشاركته السلمية في مسيرة العودة، وهو استهداف أنهى مسيرته الكروية وسيعوق قدرته حتى على المشي مستقبلاً.

 

فرح فلسطيني و«ارتياح» أرجنتيني بإلغاء المباراة

ونجحت الحملة في تحقيق أهدافها، بإعلان المنتخب الأرجنتيني إلغاءه للمباراة، وهو إعلان نال استحسان الحركة التي اعتبرت إلغاء المباراة خطوة تعزز لحملة أكبر تحمل اسم RedCardIsrael# وتطالب الفيفا بطرد إسرائيل من الاتحاد الدولي لكرة القدم، بسبب انتهاكها لحقوق اللاعبين الفلسطنيين وقوانين الفيفا.

 

 

وعبرّت الحركة أيضًا عن شكرها للأرجنتين، لوقوفها مع حقوق الفلسطينيين، وعدّت إلغاء المباراة بمثابة «هدف للحرية» من خلال فيديو بمبارة «تمثيلية» بين منتخب الأرجنتين، وفريق مدينة «نابي صالح» ظهرت فيه التشكيلة الأرجنتينية كاملة العدد، في حين غاب معظم عناصر نابي صالح لاعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلية لهم، لتحضر فقط أحذيتهم وقمصانهم، مع ذكر معلومات وأرقام بشأن الانتهاكات الإسرائيلية ضد المدينة وفريقها.

 

 

لقد فعلوا أخيرًا الشيء الصحيح

 

هكذا عبّر المهاجم الأرجنتيني جونزالو هيجوين، عن سعادته وارتياحه بإلغاء المباراة خلال مقابلة له مع شبكة «إي.إس.بي.إن ESPN» مُضيفًا، «الفطرة السليمة أولًا، لم نشعر أنه من الصواب الذهاب (إلى المباراة)»، فيما نشرت صفحات داعمة لبرشلونة تصريح منسوب لميسي، في الواقع لا يوجد أي دليل على أنه قاله بالفعل، مفاده: «باعتباري سفيرًا لليونيسيف لا أستطيع اللعب ضد أناس يقتلون أطفال فلسطين الأبرياء، اضطررنا لإلغاء المباراة؛ لأننا بشر قبل أن نكون لاعبي كرة قدم».

 

 

التفاعل الكبير على المنشور الذي لم يتسن التأكد من صحته يُظهر فرحة الآلاف بإلغاء المباراة، وتعاطفهم مع الفلسطينيين ضد إسرائيل، ورغبتهم في أن يقول ميسي كلمات كهذه، وهي كلمات قد لا تنفصل عن جهود دعائية لمشجعي برشلونة لإظهار مواقف «بطولية» لميسي في قضايا إنسانية.

 

 

 

وامتدت الفرحة بإلغاء المباراة إلى الأوساط العربية والفلسطينية، وقال جبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، الذي دعا الفلسطينيين إلى إحراق صور ميسي وقميصه في حال مشاركته بالمباراة، «حققت القيم والأخلاقيات والرياضة نصرًا اليوم ورفعت بطاقة الإنذار في وجه إسرائيل عن طريق إلغاء المباراة».

 

وقد نفى الرجوب توجيه تهديدات بالقتل للاعبي الأرجنتين من أجل إلغاء المباراة، وقال في مداخلة مع قناة إسرائيلية: «لو كانت المباراة بحيفا، فلا مشكلة لدينا، وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، هي من صنعت المشكلة بنقل المباراة للقدس لتحقيق هدف سياسي».

 

في سياق مشابه، أعلنت حركة BDS، الأسبوع الماضي مصادقة الأغلبية العظمى لمجلس مدينة برشلونة «الدعوة للحظر العسكري على إسرائيل» وقالت الحركة إن برشلونة تصبح بذلك: «أكبر مدينة تستجيب لدعوة المجتمع المدني الفلسطيني لإنهاء تجارة الأسلحة والتعاون العسكري والأمني مع نظام الاستعمار والفصل العنصري الإسرائيلي» .

 

ويبدو أن ذلك القرار لا ينفصل عن حملات الحركة، والانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين التي تصاعدت في مسيرة العودة، وتصاعد دعوات الحركات والمنظمات الحقوقية لمعاقبة إسرائيل، من بينها BDS، التي نشرت أيضًا تصريح لآدا كولالو، رئيسة بلدية برشلونة: «نطالب بإنهاء تجارة الأسلحة مع إسرائيل كما دعت منظمة العفو الدولية».

 

غضب عارم في إسرائيل.. «وزارة خاصة لمواجهة BDS ومع ذلك نفشل!»

وبعكس الفرحة العربية والفلسطينية لإلغاء المبارة، عمّت مشاعر الغضب في الأوساط السياسية الإسرائيلية من نجاح حملة الحركة في تحقيق هدفها بإلغاء لمباراة، ووصلت مشاعر الغضب لكبار المسؤولين السياسيين، ويؤكد الوصول لتلك الطبقة السياسية، الرسالة السياسية التي تحملها المباراة سواء بلعبها أو إلغائها، فالأمر وصل لرئيس إسرائيل ورئيس وزرائها ووزير دفاعها.

 

 

 

وقال الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين إنه كان صباحًا حزينًا لعشاق الرياضة الإسرائيليين، بمن فيهم أحفاده. «لكن هناك قيم أكبر من ميسي. تسييس الخطوة الأرجنتينية يقلقني كثيرًا»، وبدوره، حاول رئيس الوزاء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حل الأمر وتواصل مع الرئيس الأرجنتيني ماوريسيو ماكري لحثه على التدخل للعب المباراة ولكن دون جدوى.

 

ودفع الغضب الإسرائيلي نتنياهو إلى التحذير من ضغوط حركة المقاطعة BDS، في إلغاء أحداث لاحقة في إسرائيل، التي تمتلك وزارة خاصة ترتكز مهمتها الأساسية على مواجهة حملة المقاطعة BDS، فيما عبر أفيجدور ليبرمان، وزير الدفاع لـجيش الاحتلال الإسرائيل، عن أسفه من عدم تحمل لاعبي منتخب الأرجنتين ضغط «المحرضين الذين يكرهون إسرائيل، والذين يتمركز هدفهم الوحيد على تدمير إسرائيل، والإضرار بحقنا الأساسي في الدفاع عن النفس»، بحسبه. مُضيفًا: «لن نرضخ أمام مجموعة من أنصار الإرهاب المعادين للسامية».

 

وعبّرت تصريحات ليبرمان عن غضبه من الجهود الضاغضة لحملات المقاطعة، وهي جهود حاولت، ميري ريجيف، وزيرة الرياضة والثقافة الإسرائيلية، نفي كونها السبب في إلغاء المباراة، مُرجعة السبب وراء إلغاء المباراة إلى «تهديدات بالقتل تلقاها لاعبو منتخب الأرجنتين، وقالت ريجيف: «ليست BDS هي من تسببت في إلغاء المباراة، القرار الأرجنتني جاء نتيجة تهديدات بالقتل تلقاها ميسي وأسرته».

 

هذا الخطاب حاول مسؤولون إسرائيليون ترويجه، ولكن لم يكن حتى مقنعًا لأصوات إسرائيلية حمّلت ريجيف المسؤولية الفشل أمام حركة BDS، من بينهم رموز معارضة إسرائيلية، رأوا أن ريجيف حاولت تسييس الحدث الرياضي من خلال إصرارها، من البداية على نقلها مقر المباراة من حيفا إلى القدس المتنازع عليها، ومحاولة تنسيق عملية تصوير مع ميسي.

 

وقد وصل الانتقاد لرجيف إلى المعسكر الصهيوني نفسه من خلال إيستيك شمولي، عضو صهيوني بالكنيست الإسرائيلي، الذي اعتبر تصريحات ريجيف بشأن إرجاع سبب إلغاء المبارة إلى تهديدات بالقتل« كذب وافتراء لن يلغي الحقيقة»، داعيًا خلال مؤتمر صحافي إلى انحناء ريجيف أمام حركة المقاطعة BDS، وتقديم الاستقالة، عندما قال «يتعين على ريجيف الانحناء أمام حركة BDS ، التي استطاعت إقناع الأرجنتين بإلغاء المباراة… كان من الأفضل فعل ريجيف، ما توقعه معظم الناس منها، بتحمل المسؤولية، بدلًا من الهروب، والاستقالة بعد هذا الفشل الذريع».

أحمد عمارة

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها