نشر : يوليو 1 ,2018 | Time : 04:09 | ID : 168130 |

ترامب بين الامريكيين والعرب

شفقنا-خاص- لم يتصور العالم وفي مقدمته امريكا ان يأتي رئيس امريكي يمكن ان يُجمّل الوجه القبيح للرئيس الامريكي السابق جورج بوش بسبب حروبه والدمار الذي الحقه بالعالم ، حتى ظهر الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب في المشهد السياسي الامريكي ، بعد ان حمله اليمين العنصري والمتطرف بدعم صهيوني واضح ، الى البيت الابيض.

لم تصل كراهية الشعوب ، وفي مقدمتها الشعب الامريكي ، لرئيس امريكي الى حد كراهية الرئيس الحالي ترامب ، فقد تراجعت  شعبية ترامب بعد شهور قليلة من دخوله البيت الابيض الى نسب استثنائية غير مسبوقة في التاريخ الامريكي ، بسبب سياساته الداخلية والخارجية التي تجاوزت كل ماهو متعارف الى حد الجنون.

فقد خرج من اهم الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعت عليها امريكا مثل معاهدة باريس للمناخ والاتفاقية النووية بين الدول الست الكبرى في العالم وايران ، وداس على كل القرارات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية واعلن القدس عاصمة للكيان الصهيوني ، وشرع ببناء جدار على الحدود مع المكسيك ، وفرض قانون بمنع دخول رعايا دول اسلامية الى امريكا ، وفرض رسوم جمركية كبيرة على البضائع المصدرة الى امريكا من اوروبا وكندا والمكسيك والصين ، وزج باطفال المهاجرين الى امريكا بالاقفاص الحديدية بعد ان فصلهم عن اسرهم ، دعم كل الاحزاب والتنظيمات العنصرية والمتطرفة في اوروبا للوصول الى السلطة ، وحاول تكميم افواه وسائل الاعلام الامريكية عبر التحريض والتهجم عليها ، بالاضافة الى سجله الاخلاقي والشخصي والمالي المتخم بالفساد.

كل هذه المواقف والسياسات الرعناء جعلت من ترامب اكثر شخصية سياسية امريكية منبوذة لا على مستوى العالم بل داخل امريكا نفسها ، الامر الذي دفع العديد من كبار الشخصيات في الحزب الجمهوري الذي ينتمي اليه ترامب ، رغم تطرف بعضها ، الى ان تنأى بنفسها من سياسات ومواقف ترامب الداخلية والخارجية ، والتي طالما احرجتهم.

على صعيد الاحراج الذي يسببه ترامب للدبلوماسية الامريكية بسبب تصريحاته الغريبة وغير المسؤولة ، ذكرت الصحافة الامريكية قبل ايام ان سفير الولايات المتحدة لدى إستوانيا، جيمس ميلفيل، قرر الاستقالة من منصبه ، بسبب تصريحات فجة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تناولت حلفاء امريكا في الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو.

مجلة “فورين بوليسي” اكدت أنها اطلعت على رسالة خاصة كتبها ميلفيل على فيسبوك لأصدقائه قال فيها ان : “تصريح الرئيس بأن الاتحاد الأوروبي “أُسس لاستغلال الولايات المتحدة”… وبأن  “الناتو سيء مثله مثل نافتا (اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية)”  لا يمثل مجرد خطأ سرد الحقائق ، بل يؤكد لي أن وقت الرحيل قد آن”.

السفير ميلفيل لم يكن الاول ولن يكون الاخير الذي يترك منصبه بسبب ترامب ، فهناك العديد من الدبوماسيين الامريكيين تركوا  مناصبهم خلال الأشهر الأخيرة ، فقد استقال السفير الأمريكي في بنما جون فيلي في يناير/كانون الثاني الماضي ، بعد ان اكد على انه لا يستطيع العمل مع ترامب.

وقبل ذلك بشهر تركت الدبلوماسية في البعثة الأمريكية لدى الصومال اليزابيث شاكللفورد منصبها في نيروبي، وقالت في خطاب استقالتها إلى وزير الخارجية المُقال ريكس تيلرسون، إنها ستغادر منصبها لأن الولايات المتحدة تخلت عن حقوق الإنسان كأحد أولوياتها.

قائمة الدبلوماسيين الامريكيين المستقيلين والمقالين قد تطول اذا ما اردنا سرد جميع اسماء العاملين في البيت الابيض ومستشاري ترامب والوزراء في ادارته، من الذين تركوها بشكل من الاشكال ، فهذه الادارة لم يشهد لها تاريخ امريكا مثيلا ، حيث لم يتبق من اعضائها الذين دخلوا مع ترامب البيت الابيض الا اقل من عدد اصابع اليد الواحدة.

اغلب المستقيلين والمقالين كتبوا مذكراتهم واتفقوا على خطورة وجود ترامب في البيت الابيض على امن واستقرار امريكا والعالم ، فالرجل بشهادة اقرب المقربين منه ، غير متزن ونزق وصبياني وغير مسؤول ويميل للاستبداد ويعمل على خلق بطانة حوله لا هدف لها الا التملق له والتصفيق لما يقوم به من اعمال خرقاء.

لاول مرة في تاريخ العلاقة بين امريكا من جانب وبين اوروبا وكندا وباقي حلفاء امريكا من جانب اخر ، تصل هذه العلاقة الى مستويات متدنية بمستوى العلاقة بين دول متخاصمة ، فترامب استخدم منذ اليوم الاول لدخوله البيت الابيض خطاب استعلائي مغرور ومتغطرس ضد حلفاء امريكا التقليديين ووصفهم بابشع واشنع النعوت ، ولم يملك بعض زعماء اوروبا امام هذه الغطرسة ، الا ان يرد الصاع الصاعين لترامب ، في مشهد  ينذر في تغيير جذري في سياسة الدول الاوروبية وكندا وغيرها مع امريكا.

هناك حالة شاذة في العلاقة مع امريكا ترامب ، هي علاقة بعض الدول العربية الخليجية وفي مقدمتها السعودية والامارات الى جانب الكيان “الاسرائيلي” ، فهذه الدول لا تنفك تسبح بحمد ترامب ، وتأتمر باوامره وتعمل على تحقيق سياساته بكل ما تملك من اموال طائلة ونفوذ.

موقف الكيان الصهيوني من ترامب واضح ، فهذا الكيان تربطه بامريكا علاقة عضوية بغض النظر عن الرئيس الذي يحكم امريكا ، ويبدو ان هذه العلاقة اصبحت اقوى وامتن مع وجود ترامب ، لذا ليس مستغربا ان نشهد كل هذا المديح لترامب و”حكمته” و “حنكته” وذوبانه في “اسرائيل”.

المستغرب هو موقف بعض الدول الخليجية التي يحلبها ترامب حلبا ، ويستكثر عليها ان تُبقي دولارا واحدا في خزائنها لليوم الاسود ، حيث تنفذ تعاليم ترامب بحذافيرها دون ادني اعتراض ، وآخر مظاهر الرضوخ الكامل لترامب ، كان الاعلان الفوري من قبل هذه الدول على اغراق اسواق النفط بالنفط الرخيص من اجل اخراج ترامب من حالة الغضب التي وصل اليها بسبب ارتفاع طفيف جدا للنفط شهدته السوق العالمية ، فاحدى هذه الدول اعلنت عن استعدادها ضخ مليوني برميل من النفط يوميا الى السوق النفطية ، رغم ان السوق مشبعة واسعار النفط تباع بارخص من التراب.

عواصم العالم اجمع وفي مقدمتها العواصم الاوروبية ترفض استقبال ترامب وتتوعده بتسيير التظاهرات في حال وطأت قدماه ترابها ، حتى ان الحكومة البريطانية اجلت مواعيد زيارة ترامب الى لندن اكثر من مرة خوفا على اشتعال لندن بالتظاهرة الرافض لزيارة ترامب المنبوذ ، بينما يخرج زعماء بعض الدول الخليجية على بكرة ابيهم بالطبول والدفوف ورقصات السيوف واوسمة الشرف الذهبية وبمئات المليارات من الدولارات ، لاستقبال ترامب ، عسى ان يمسح على رؤوسهم بيده الكريمة ويبعد عنهم الكوابيس ، في موقف حولت حكومات هذه الدول الى مادة للتندر لا من قبل من يخالفها مواقفها وسياستها ، بل من قبل الامريكيين انفسهم ، وحلفائهم الجدد في تل ابيب.

*جمال كامل

انتهى

www.ar.shafaqna.com/ انتها