نشر : أغسطس 8 ,2018 | Time : 05:23 | ID : 170686 |

ليست كندا فقط.. لماذا يخسر ابن سلمان أصدقاء المملكة القدامى؟

شفقنا- أدى انتقاد وزير الخارجية الكندى لاحتجاز الناشطة الحقوقية سمر بدوي في السعودية إلى رد فعل عنيف من جانب الأخيرة عبر سلسلة إجراءات دبلوماسية تصعيدية تجاه كندا؛ أسفرت عن شبه قطع للعلاقات بين الجانبين، وسبق كندا في قائمة الدول التي دخلت في توتر دبلوماسي مع المملكة أكثر من دولة أوروبية، على رأسها ألمانيا التي أعلنت بداية العام الحالي عن وقف صادرات الأسلحة إلى السعودية؛ بعد التصريحات الرسمية التي لوحت فيها المملكة بمعاقبة القوة الاقتصادية الأكبر في العالم، كما أصدرت المحكمة العليا في بلجيكا أوائل شهر يوليو (تموز) 2018 قرارًا بمنع تصدير الأسلحة إلى السعودية؛ بسبب أوضاع حقوق الإنسان في السعودية، فضلًا عن السويد التي ألغت عقود تسليح مع السعودية عام 2015.

 

يحاول التقرير رصد دوافع تصعيد السعودية الأخير تجاه أكثر من حليف أوروبي، وكيف يؤثر ذلك مستقبليًا على المملكة مع رصد لهذه الخسائر، فضلًا عن بحث من سيكون المتضرر الأكبر من الأزمة القائمة بين كندا والسعودية.

 

من سيتضرر أكثر من الأزمة.. كندا أم المملكة؟

بدأت أولى جولات الخلاف بين كندا والمملكة العربية السعودية في الثاني من أغسطس (آب)؛ بعدما كتبت وزيرة الخارجية الكندية على حسابها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إنها «منزعجة جدًا» منذ أن سمعت باحتجاز سمر بدوي. تلى هذه التغريدة في اليوم التالي صدور بيان رسمي صادر عن الخارجية الكندية يُطالب السلطات السعودية «بالإطلاق الفوري لسراح» النشطاء المحتجزين.

 

وسمر (33 عامًا)، هي ناشطة حقوقية سعودية، تحمل الجنسية الأمريكية، وتنشط أدوارها في المطالبة بحقوق المرأة السياسية، وفتح المجال السياسي للحقوق والحريات، وقد طالبت بإنهاء نظام وصاية الرجل على المرأة، كما أنها شقيقة السجين والمدوِّن المعارض، رائف بدوي، صاحب «الشبكة الليبرالية الحرة» الذي سُجن بتهمة الإساءة للإسلام.

 

لم يكن هذا الشجب أو الإدانة لوضع حقوق الإنسان في السعودية من جانب كندا أو الدول الأوروبية أمرًا جديدًا على المملكة؛ إذ اعتادت الأخيرة على مثل هذه الانتقادات، والتي تراوحت ردود فعلها عليها في السابق بين الاكتفاء ببيانات تطالب هذه الدول بعدم التدخل في شؤونها، أو التحرك الإيجابي في الإفراج عن بعض الناشطين تخفيفًا لشدة الانتقادات.

 

لم تتحرك المملكة في هذه الواقعة على النحو الذي كانت تتحرك فيه في المرات السابقة. وبادرت بتصعيد مفتوح ضد كندا عبر استدعاء الخارجية السعودية سفيرها لدى كندا للتشاور، والإعلان عن أن السفير الكندي «شخص غير مرغوب فيه» في السعودية مع إعطائه مهلة 24 ساعة لمغادرة البلاد.

 

 

 

يدل على التجاوب السعودى دومًا في السابق وحتى وقت قريب، مع الانتقادات الغربية ومنها الكندية؛ زيارة رئيس هيئة حقوق الإنسان في السعودية، بندر بن محمد العيبان إلى كندا العام الماضي بتكليف من الملك سلمان بن عبدالعزيز من أجل استعراض الملف الحقوقي للسعودية، وحجم التقدم الذي أحرزته السعودية في هذا المجال، وفقًا لموقع السفارة السعودية في كندا.

 

وأعقب هذه الزيارة بشهور منح كندا الجنسية لزوجة المعارض السعودي والمدون رائف بدوي وأطفالها الثلاثة، في إشارة إلى عدم القبول بما تروج له السعودية عن إحرازها تقدمًا في الملف الحقوقي، وعلى الجانب الآخر كان من ضمن رد المملكة تجميد السعودية جميع «التعاملات الاستثمارية وتعاملات الشركات الجديدة التي تؤسس بالتعاون مع الجانب الكندي مع الاحتفاظ باتخاذ إجراءات أبعد من ذلك».

 

وامتدت هذه الإجراءات لتشمل قرار السلطات السعودية بوقف برامج التدريب والابتعاث الدراسي إلى كندا، والذي كان يمكن الطلاب السعوديين من الدراسة هناك، ونقل الطلاب السعوديين الموجودين في كندا للدراسة إلى دول أخرى، بعد وقف المنح، ويُقدر عدد طُلاب السعودية الذين يدرسون في كندا  بأكثر من 8200 طالب، تبلغ نسبة النساء بينهم نحو 33%. ويرافق هؤلاء الطلاب أكثر من 6400 شخص من أفراد عائلاتهم.

 

وتميل الكفة في مسألة الخسائر إلى ارتفاع خسائر السعودية إذا ما قورنت بكندا؛ إذ لا تتجاوز استثمارات كندا في المملكة سوى 0,06% من حجم الاستثمارات الأجنبية فى السعودية، بينما تُعد المملكة ثاني أكبر مستورد للبضائع الكندية في العالم العربي بعد الإمارات؛ إذ بلغ حجم المواد التي استوردتها المملكة من كندا في عام 2017 نحو أكثر من مليار دولار.

 

وقُدر حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال 10 سنوات بنحو 36 مليار دولار؛ بلغت خلالها الصادرات الكندية للمملكة

 

نحو 16 مليار دولار، بينما وصلت قيمة الصادرات السعودية إلى كندا خلال الفترة الزمنية نفسها نحو 20 مليار دولار.

 

على جانب آخر لا تُمثل المملكة رقمًا مهمًا في حجم التعاملات التجارية لكندا؛ إذ تمثل واردات السعودية من كندا نحو 0,2% من حجم إجمالى وارداتها، كما تمثل الصادرات السعودية 0,5%  من حجم صادرات كندا.

 

يرفع من حجم خسائر السعودية مُقارنة بكندا عدم اقتراب البيان الصادر عن المملكة من تجميد أية صفقات عسكرية ثنائية بين البلدين، واقتصاره على العلاقات التجارية والاستثمارية التي لا تُشكل رقمًا مؤثرًا في تعاملات كندا التجارية. وتُعد السعودية أكبر سوق للصادرات الكندية في الشرق الأوسط من الأسلحة والمُعدات العسكرية.

 

ولم تتحدث المملكة أو أي مسئول سعودي عن تجميد الصفقة التي وقعتها السعودية في عام 2014 مع شركة جنرال «دينامكيس» الكندية المختصة في صناعة السلاح، والتي كانت قد فازت بعقد قيمته 15 مليار دولار قبل أربعة أعوام بتصنيع مركبة مدرعة خفيفة للسعودية، وعدد من المعدات العسكرية، وهي الصفقة التي وصفتها كندا آنذاك بـ«أكبر عقد تصنيع في تاريخ البلاد»؛ إذ أتاحت 4 آلاف فرصة عمل لسكانها. وتضمن التعاقد آنذاك كذلك خدمة وصيانة المدرعات لمدة 15 عامًا عبر إقامة أكثر من 10 ورش صيانة داخل السعودية.

 

 

 

خطة المملكة للمواجهة: انتقاد أوضاع حقوق الإنسان في كندا

لم تكتف المملكة بالإجراءات الدبلوماسية التصعيدية تجاه كندا، بل أتبعتها بتنفيذ سياسة إعلامية هجومية عبر مواقع وقنوات تلفزيونية مملوكة لها، وتسخير حسابات رسمية على مواقع السوشيال ميديا للحديث عما قالت عنه: «انتهاكات في كندا».

 

تضمن أبرز ملامح السياسة الهجومية للمملكة على كندا، ما نشرته قناة «العربية» بعنوان: «تقارير لناشطين يطالبون كندا بتحسين وضع السجناء بما يوافق حقوق الإنسان»، متضمنًا انتقادًا للحكومة الكندية، في ما يخص تعاطيها مع السجناء في بلادها.

 

 

 

 

كما تحدث التقرير عن «أسوأ السجون الكندية»، والأوضاع السيئة داخلها بما تشمله من ظروف «مأساوية»، بحسب التقرير، حيث يواجه المحتجزون هناك، بحسب إعلام المملكة، «إفراطًا في استخدام القوة»، و«سوء الخدمات الصحية»، و«العنف ضد النساء»، وصولًا الى «احتجاز الأطفال»، ووصول مدة السجن الانفرادي من 15 يومًا إلى سنوات، فضلًا عن الأجر المالي المنخفض الذى يحصل عليه السجين.

 

وحظت الصحف السعودية كذلك بتغطية واسعة للأزمة عبر نشر مقالات رأي تهاجم كندا، وتمدح القرارات الصادرة من الملك السعودي، كالكلمة الافتتاحية لجريدة «الوطن» السعودية التي وصفت موقف كندا «بأنه رخيص ومُضلِّل»، وفي إعادة استخدام لورقة التشهير بمشاكل كندا الداخلية، كرر الكاتب السعودي أمجد المنيف في مقاله «سيادة السعودية.. خط أحمر!» بصحيفة «الرياض» ما اختتم به بيان وزارة الخارجية السعودية، قائلًا: «وإن أية محاولة أخرى في هذا الجانب من كندا تعني أنه مسموح لنا بالتدخل في الشؤون الداخلية الكندية؛ فمشكلاتها كثيرة، وقضاياها كذلك، والمتذمرون أكثر.. ويمكن الحديث معهم ولهم ومناصرتهم، والتدخل في تفاصيل التفاصيل».

 

كما أخذ التصعيد الإعلامى مسارًا جديدًا عبر نشر حساب رسمي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، قيل إنه يتبع وزارة الإعلام السعودية، صورة لطائرة تتجه إلى برج «سي إن» الشهير في تورنتو موسمة بنص يقول: «من تدخل فيما لا يعنيه، لقي ما لا يرضيه»، قبل أن يضطر لحذفه. وأعاد هذا المشهد إلى أذهان متابعي مواقع التواصل الاجتماعي واقعة الهجوم بالطائرات على برج التجارة العالمي في الولايات المتحدة في 11 من سبتمبر (أيلول) 2001.

 

السعي إلى الحليف الأوحد.. المملكة تخسر أصدقاءها القدامى

مع بداية صعود ولي العهد السعودي لكرسي الحُكم؛ أخذت المملكة تعتمد سياسة أخرى قائمة على افتعال خصومات مع دول غربية مؤثرة، تُمثل أهمية للمملكة؛ وهي السياسة التي خالفت تصورات حُكامها السابقين؛ الذين أبقوا قناة اتصال مع الحلفاء في أوروبا في أشد  الأزمات معهم.

 

استحدثت السعودية لغة جديدة على دبلوماسيتها تزامنًا مع إيلاء أهمية كُبرى للحليف الأمريكي، خصوصًا مع صعود دونالد ترامب لمقعد الرئاسة، والذي يُقال إنه كان الداعم الرئيس لتصعيد ولي العهد لكرسي الحُكم وتنحية أبناء عمومته. ولم يكن هذا التصعيد تجاه كندا الأول؛ إذ سبقه  تصعيد مُشابه مع ألمانيا عقب تصريحات لوزير خارجيتها، زيغمار جابرييل، بشأن دور السعودية في الأزمة اللبنانية.

 

بدا في هذا التصريح إعادة الرفض الألماني لسياسة محمد بن سلمان بلغة انتقاد أعنف؛ إذ قال: «إن هناك إشارة مشتركة من جانب أوروبا بأن روح المغامرة التي تتسع هناك منذ عدة أشهر، لن تكون مقبولة، ولن نسكت عنها»، وأكمل: «بعد الأزمة الإنسانية والحرب في اليمن، وبعد ما حدث من صراع مع إمارة قطر، صارت هناك منهجية للتعامل مع الأشياء، وصلت ذروتها الآن في التعامل مع لبنان»، وواجهت السعودية الانتقاد الشديد من جانب ألمانيا بسحب سفيرها من ألمانيا، وتسليم سفير ألمانيا لديها «مذكرة احتجاج» على هذه التصريحات «المشينة وغير المبررة» كما وصفتها. لم تقف ألمانيا مكتوفة الأيدي؛ بل أصدرت بداية العام الحالي قرارًا بوقف صادرات الأسلحة إلى السعودية.

 

كان الأمر المُثير للانتباه هو ما تضمنه الرد السعودي من خلال ما ذكره رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ السعودي زهير الحارثي مع «DW» العربية عن «استمرار الوزير بتصريحاته في المساس بسيادة وكرامة المملكة وقيادتها»؛ إذ قال: إن السعودية «ليس من طبعها التصعيد، إلا أنه لا يستبعد أن تلجأ المملكة لكل الوسائل المشروعة لتحقيق مصالحها، ومنها العقوبات الاقتصادية».

 

وسبقت هذه المواجهة مع ألمانيا، تصعيد من جانب المملكة تجاه بلجيكا على خلفية تصعيد سعودي في ضوء انتقادات من جانب بلجيكا لأوضاع حقوق الإنسان؛ أدت بدورها إلى إصدار المحكمة العليا في بلجيكا أوائل شهر يوليو (تموز) 2018 قرارًا بمنع تصدير الأسلحة إلى السعودية بسبب أوضاع حقوق الإنسان في السعودية، وشمل قرار المحكمة رخص تصدير أسلحة بلجيكية بقيمة تزيد على 150 مليون يورو إلى السعودية.

 

 

 

وتنضم إلى الدول السابقة كُل من النرويج التي تحظر بيع الأسلحة والذخائر للسعودية، فضلًا عن السويد التي ألغت عقود تسليح مع السعودية عام 2015 بسبب أوضاع حقوق الإنسان في السعودية، وعزز هذا الحظر الأوروبي موافقة البرلمان الأوروبي أواخر العام الماضي على قرار بحظر تصدير الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تصدير الأسلحة إلى السعودية؛ بسبب «تدخلها في اليمن، والذي تسبب في سقوط آلاف المدنيين في العمليات العسكرية التي تشنها في اليمن منذ عام 2015».

 

لا ينفصل هذا التصعيد السعودى من جانب هيئة الحُكم الجديد التي يقف على رأسها ولي العهد السعودي عن التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، ورسم سياسة جديدة للمملكة ترهن حضورها وثقلها على حليف واحد، على خلاف الأزمنة السابقة التي كانت توازن السعودية بين حلفائها.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها