نشر : أغسطس 12 ,2018 | Time : 03:30 | ID : 170896 |

«ميدل إيست آي»: كيف تستفيد بريطانيا اقتصاديًا من النظام القمعي في مصر؟

شفقنا- قال مارك كيرتس – المؤرخ والخبير في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة – في مقال له على موقع «ميدل إيست آي»: «إن تزايد حجم التعاون التجاري بين بريطانيا والنظام العسكري في مصر يجعل لندن تتغاضى عن الفظائع التي ارتكبها هذا النظام». وفيما يلي ترجمة كاملة للمقال:

 

قبل خمسة أعوام، في 14 أغسطس (آب)، قام النظام العسكري المصري الجديد بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي بسحق اعتصام في ميدان رابعة العدوية في القاهرة؛ مما أسفر عن مقتل 817 شخصًا على الأقل.

 

ومنذ ذلك الحين مكَّن القمع المتزايد السيسي من تعزيز حكمه مع الحفاظ على دعم مؤيديه الغربيين الرئيسيين؛ الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. كانت سياسة بريطانيا تجاه مصر في السنوات الخمس الماضية صادمة، لتؤكد على أن لندن تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان، وتفضل دعم الأنظمة القمعية التي تضمن مصالحها التجارية في الشرق الأوسط.

 

 

كانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد أشارت إلى أن مجزرة ميدان رابعة «ربما تكون أكبر عملية قتل جماعي للمحتجين في يوم واحد في التاريخ الحديث، وهي أسوأ من حادثة ساحة تيانانمن»؛ إذ استخدمت قوات الأمن سيارات مدرعة وجرافات وقناصة لمهاجمة الاعتصام، وأطلقت النار على المتظاهرين الذين نظموا اعتصامًا لدعم حكومة محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر.

 

ومنذ ذلك الحين أصبح التعذيب والوفيات أثناء الاحتجاز والقيود المفروضة على المجتمع المدني والصحافيين أمرًا شائعًا. وقد كشف تقرير صادر عن الحكومة البريطانية في عام 2017 عن وجود 60 ألف معتقل سياسي في مصر.

 

صفقات الطاقة

مثّل القمع في مصر فرصة جديدة بالنسبة للحكومة البريطانية. في الواقع يبدو الأمر كما لو أن حكومة بريطانيا ينطبق عليها ما غنته فرقة لوو تانج كلان الأمريكية؛ «المال يحكم كل شيء حولي».

 

في مارس (آذار) من عام 2015 وقعت شركة «بريتيش بتروليوم» البريطانية العملاقة للنفط صفقة استثمار ضخمة بقيمة 12 مليار دولار لمشروع نفط وغاز في دلتا النيل الغربي. وتمكن الاتفاقية، التي هي أكبر استثمار أجنبي مباشر في مصر، الشركة من إنتاج خمسة تريليونات قدم مكعبة من موارد الغاز.

 

تم الإعلان عن الصفقة لأول مرة في عام 2010 في ظل نظام المخلوع حسني مبارك، وتم تأكيدها من قبل حكومة مرسي بعد ثورة 2011. ومع ذلك اضطرت شركة بريتش بتروليوم إلى تعليق المشروع بعد أن اعترض السكان المحليون على خطة بناء محطة ضخمة للغاز بجوار منازلهم، وأغلقوا الطرق واحتلوا موقع البناء.

 

وفي الوقت نفسه اعترضت حكومة مرسي على الشروط المقترحة لشركة بريتش بتروليوم التي تنص أن يكون لها ملكية مباشرة على الموارد وتحقيق 100% من الأرباح. بحلول منتصف عام 2013، أي قبل أسابيع قليلة من الانقلاب العسكري، انخرطت حكومة مرسي في محادثات مع الشركة، وطالبت بشروط أفضل.

 

لكن استحواذ السيسي على السلطة غير كل شيء؛ إذ تقدم الصفقة الجديدة شروطًا سخية للغاية لشركة بريتش بتروليوم، وتبعد مصر عن نموذج المشاركة في الإنتاج المستخدم منذ فترة طويلة، حيث كان يجري تقسيم الأرباح بين الشركات والبلدان عادةً بنسبة 20:80، وجرى التحول إلى نظام منح الضرائب الذي يسيطر بشكل أساسي على الموارد الطبيعية للشركات الخاصة.

 

وبات من الممكن استئناف المشروع بسبب قمع نظام السيسي. يهدد قانون التظاهر الجديد بفرض أحكام بالسجن لعدة سنوات على الاحتجاجات في الشوارع؛ مما أدى إلى إسكات العديد من المنظمات غير الحكومية وقوى المعارضة، بما في ذلك أولئك الذين يعارضون اتفاق بريتش بتروليوم. وفي غضون عام من الاستيلاء على السلطة، أعلن وزير النفط المصري أن المشروع المتعثر قد استؤنف. وقد بدأ الإنتاج في مايو (أيار) 2017.

 

شركة بريتش بتروليوم والحكومة البريطانية

إن شركة بريتش بتروليوم ليست مجرد مستثمر في مصر؛ إذ لديها مشروعات في الدولة الواقعة شمالي أفريقيا تبلغ قيمتها حوالي 30 مليار دولار. وهي تسيطر أساسًا على إمدادات الطاقة في البلاد. وتنتج الشركة ما يقرب من 50% من استهلاك مصر من الغاز الطبيعي، وبالتعاون مع الشركة المصرية العامة للبترول، فإنها تنتج ما يقرب من 40% من إنتاج مصر من النفط. وتعمل شركة بريتيش بتروليوم وشركاؤها عبر 55 ألف كيلومتر مربع من البلاد، وهي منطقة بحجم كرواتيا.

 

كما أن بريتش بتروليوم ليست شركة عادية. فلديها اتصالات على أعلى المستويات في الدولة البريطانية. يجلس جون ساورز في مجلس إدارة الشركة، وهو المدير السابق لجهاز الاستخبارات السرية «MI6»، وتولى منصبه في الشركة في عام 2015 بعد أن شغل منصب رئيس قسم الاستخبارات العسكرية في الفترة ما بين عامي 2009 و2014. كما أن لدى ساورز روابط قوية بمصر، حيث عمل سفيرًا لبريطانيا هناك من 2001 إلى 2003.

 

كما قضى جون مانزوني – سكرتير الحكومة البريطانية – 24 عامًا في الشركة، وكان في السابق عضوًا في مجلس الإدارة. وأصبح اللورد براون، الرئيس التنفيذي السابق لشركة بريتش بتروليوم، المدير غير التنفيذي الرئيس لمكتب رئيس الوزراء.

 

وقال السفير البريطاني في القاهرة، جون كاسون: «إن المملكة المتحدة منذ فترة طويلة هي أكبر مستثمر في مصر، لكننا (جائعون للمزيد). في فبراير (شباط)، وصل المبعوث التجاري البريطاني إلى مصر، جيفري دونالدسون، إلى القاهرة، على رأس أكبر وفد تجاري بريطاني منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، شاركت فيه أكثر من 50 شركة».

 

 

تيريزا ماي والسيسي

إن حجم المصالح التجارية يجعل بريطانيا على الأرجح من كبار المدافعين عن نظام السيسي. عندما فاز السيسي «بالانتخابات» في أبريل (نيسان) الماضي بنسبة 97% من الأصوات – وهو رقم كان سيثير إعجاب الزعماء السوفيت – «هنأت تيريزا ماي الرئيس السيسي على فرصة دفع مصر أكثر على طريق التحول الديمقراطي». إن دعم ماي صادم بشكل خاص، حيث إن السيسي لم ينافسه أحد تقريبًا، بعد أن تم القبض على المرشحين الآخرين، أو استبعادهم، في عملية لم تكن فيها مناقشات عامة.

 

يأتي دفاع ماي عن السيسي بعد زيارته للمملكة المتحدة في عام 2015 ومجموعة من الزيارات لشخصيات عسكرية رفيعة المستوى. قالت الحكومة البريطانية الشهر الماضي: إن «التعاون العسكري بين مصر والمملكة المتحدة قد زاد بشكل كبير في السنوات الأخيرة؛ حيث تعمل المملكة المتحدة ومصر على تعميق تعاونهما في مواجهة التهديد المشترك للإرهاب». كما أعلنت أنها تأمل في تدريب «المئات» من الضباط العسكريين المصريين في بريطانيا.

 

إن هذه العلاقات تشمل ضباطًا متورطين في الإطاحة بحكومة مرسي: مثل وزير الدفاع المصري الجديد، الفريق محمد أحمد زكي، الذي اعتقل مرسي بنفسه خلال انقلاب 2013.

 

تدرك بريطانيا تمامًا حالة حقوق الإنسان المتدهورة في مصر، لكن يبدو أن كاسون أقنع نفسه بأن المصريين «يبنون دولة أكثر استقرارًا وازدهارًا وديمقراطية». حتى أن كاسون قد نقلت عنه وسائل الإعلام المصرية موافقته على «الإجراءات الأمنية الصارمة». ويشير بيتر أوبورن إلى أن السفير البريطاني لم يشتك علنًا أبدًا من قتل المواطنين المصريين من قبل النظام أو عن تعذيب السجناء السياسيين واغتصابهم، لكن ما يفعله الدبلوماسي هو التأكيد على أن بريطانيا هي «شريك الاستثمار الأول في مصر».

 

تقول لندن: إنها أثارت مخاوف بشأن حقوق الإنسان في مصر، لكن سياستها لن تتغير نتيجة لذلك. بعد مذبحة رابعة عام 2013، ألغت حكومة المملكة المتحدة بعض تراخيص تصدير الأسلحة، ولكنها تركت تراخيص أكبر قائمة؛ وعادت مبيعات الأسلحة إلى المستويات الطبيعية خلال مدة وجيزة. تم توفير حوالي 72 مليون جنيه إسترليني «92 مليون دولار» من الأسلحة من قبل المملكة المتحدة في السنوات الثلاث الماضية.

 

حصانة من مذبحة رابعة

تقول الحكومة البريطانية إنها «ليست على علم بأي عمليات محاسبة مصرية تتعلق بمذبحة رابعة». في الواقع، لم يتم محاسبة أي من ضباط الأمن على عمليات القتل، بل بدلًا عن ذلك، وافق البرلمان المصري في الشهر الماضي على تشريع يعفي كبار ضباط الجيش من المقاضاة؛ بسبب الأفعال التي ارتكبت في الفترة التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي وقع في يوليو (تموز) 2013.

 

وقد لاحظ الصحافي المصري مهند صبري أن نظام السيسي بعيدًا عن محاربة الإرهاب «يخلق ويدعم حالة من اليأس وفقدان الأمل، وسحق الاعتقاد المتضائل أصلًا بأن التغيير يمكن تحقيقه من خلال الوسائل السلمية، وترك فراغًا للمجموعات الإرهابية». وكما هو الحال في أي مكان آخر في الشرق الأوسط، فإننا نشهد سياسات بريطانية غير أخلاقية، وتعارض المصلحة العامة البريطانية والمصرية.

مترجم عنHow the UK sees opportunity and profit in Sisi’s repressive Egyptللكاتب Mark Curtis

 

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها