نشر : أغسطس 28 ,2018 | Time : 04:06 | ID : 172083 |

“البكتيريا” علاج لسوء التغذية لدى الأطفال

شفقنا- على مدى عقود، ظل السبيل لمساعدة الرضع المصابين بسوء التغذية حول العالم هو تغذيتهم بأطعمة عالية السعرات والبروتين لتعويض الجسم بأسرع وقت ممكن.

 

ورغم أن تلك الأطعمة تساعد في إبعاد الخطر الفوري والحفاظ على حياة الطفل، إلا أنها لا تقدم كافة الحلول المطلوبة.

 

وقد يتعرض الطفل الصغير لسوء التغذية لبضعة أشهر فقط، لكن عواقب تلك الفترة ربما تلازمه طيلة حياته، إذ قد تؤدي إلى نقص النمو بشكل عام خلال الطفولة والبلوغ والعرضة أكثر للعدوى والإصابات، ناهيك عن تأثير ذلك على نموه الإدراكي من قبيل تدني الذكاء وعدم القدرة على التحكم في الدوافع، ما يؤدي لتأخره دراسيا.

 

غير أن بحثا جديدا يشير إلى جانب أساسي ربما أُغفِل، ويتمثل في تريليونات من البكتيريا النافعة التي تعيش في أمعاء الإنسان.

 

ويقول جيفري غوردن، مدير مركز علوم الجينوم والأنظمة الحيوية بجامعة واشنطن بسانت لويس، إن المرء “نتاج عناصر بشرية وأخرى ميكروبية”، والأخيرة تضم أعدادا هائلة من “حلفاء غير مرئيين” يعتقد الآن بأهميتها القصوى للصحة العامة.

 

وتعد تلك البكتيريا الصديقة مهمة جدا، حتى أن علماء كغوردن باتوا يشيرون إليها كـ”عضو قائم بذاته” في جسم الإنسان.

 

وبحسب النظرية التي يتبناها غوردن ترتبط تبعات طويلة الأمد لسوء التغذية بصورة مباشرة مع ما يطرأ على عمل تلك البكتيريا.

 

وقد تلقى غوردن تمويلا من مؤسسة بيل ومليندا غيتس لمتابعة دراسات رائدة في مالاوي وبنغلاديش لاختبار صحة نظريته، وحتى الآن تبدو النتائج الأولية واعدة.

 

والحقيقة أن ثمة حاجة ماسة لتبني توجه أفضل، إذ يعاني حاليا أكثر من 200 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية.

 

وظهرت بوادر النظرية الجديدة في دراسة أجراها طبيب من جنوب أفريقيا يدعى بي إم سميت ونشرتها أول مرة مجلة لانسيت عام 1958، وحينها كان دور البيئة الميكروبية للأمعاء في الصحة العامة ما يزال مبهما.

 

وعندها قرر سميت فحص أطفال مصابين بنوع من سوء التغذية، فوجد أن ثمة شيئا مختلفا في أمعائهم بالمقارنة مع أمعاء من لا يعانون من سوء التغذية، إذ كانت مَعدات الأطفال المصابين تضم عدة أنواع من البكتريا التي تسكن عادة الأمعاء الغليظة، وهو ما رجح ارتباط ذلك بما يعانونه من نقص الوزن.

 

كما جرب سميت علاجات لإصلاح الخلل من قبيل إعطاء الأطفال مضادات حيوية للحد من البكتريا الضارة وخمائر منشطة للبكتريا النافعة، وأورد تحسنا ملحوظا انعكس في سرعة تجاوز آثار سوء التغذية.

 

غير أن التجارب التي باشرها سميت كانت محدودة، ولم تأت محاولات لاحقة لاستخدام نفس العلاجات بنتائج مماثلة. كذلك لم تتوافر التقنية الكافية للعلماء في زمن سميت، إذ لم يمكنهم تحديد أنواع الكائنات الدقيقة إلا عبر العينات البيولوجية، ومن ثم زرعها في المختبر في عملية طويلة ومعقدة.

 

والآن مع توافر آليات الفحص الجيني غدت العملية أيسر كثيرا، إذ يقول جيفري برايدس، الباحث بقسم الأطفال بكلية بايلر للطب في تكساس: “لا يلزمنا الآن عمل مزرعة للبكتريا لدراستها، بل يمكننا تحديد الكائنات الدقيقة بالعينة بمجرد تتبع سلسلة الحمض النووي لها، وهو تقدم ملحوظ لأن الغالبية العظمى من ميكروبات الأمعاء يصعب نموها في المختبر”.

 

ومن ثم أدى توافر وسائل بحثية أيسر إلى اتساع دائرة البحث في أثر البكتيريا الصديقة على صحة الإنسان.

والمعروف الآن أن أنواعا من البكتريا المفيدة مثل البكتريا اللبنية العصوية، وبكتريا (Bifidobacterium) تعمل كمضاد للالتهاب وتقوي الحاجز المعدي-المعوي، وبإمكانها هضم كربوهيدرات وبروتينات معقدة، والأهم مساعدتها في إنتاج وامتصاص الأحماض الأمينية الأساسية للنمو.

 

وتتضح أهمية تلك المنافع في نمو الخلايا العصبية لاحتياج الدماغ لكم هائل من المغذيات أثناء نموه.

 

والأكثر أهمية أن تنوع البيئة الدقيقة داخل الأمعاء يقي الجسم من إصابات ضارة تسببها بكتيريا مثل “الشيغلا” و”الليستريا” و”السلمونيلا”، لأن البكتريا الموجودة في الأمعاء لا تفسح المجال لنمو بكتريا جديدة ضارة.

 

كما أن وجود البكتريا النافعة – أو على الأقل غير الضارة – بكثافة في الأمعاء يعزز الجهاز المناعي ويساعد في مكافحة عدوى البكتريا الضارة.

 

وحين تنقص أعداد البكتريا في الأمعاء – والتي تشكل حائط صد طبيعي – جراء نقص الغذاء الصحي، يقع الأطفال في دائرة مفرغة يشرحها جوناثان سوان، الأستاذ المساعد للبيئة الدقيقة بكلية إمبيريال كوليدج بلندن، بأن “الأطفال المصابين بسوء التغذية يعيشون عادة في بيئات معرضة لكثير من الأمراض، ومع تعرضهم للمرض وضعف مقاومتهم تتمكن منهم العدوى مما يؤدي للإسهال والتهاب البطن المزمن ويضر الأمعاء ووظيفتها”، ومن ثم يتفاقم سوء التغذية.

 

ويفتقر هؤلاء الأطفال للميكروبات المفيدة التي تساعد في هضم الغذاء، ويقول ديدييه راو، الباحث بجامعة ايه مارسيليا: “عملية الهضم لا تكتمل، وهو ما يؤدي لنقص امتصاص الغذاء المطلوب في المقام الأول”.

 

وتظهر الآثار المحتملة للخلل في الأمعاء مع تفاقم تبعات سوء التغذية، وهي آثار يسعى غوردن لتأكيدها علميا من خلال بحوث يجريها في دكا ببنغلاديش ومالاوي ويعاونه فيها أطباء وممرضون محليون، ناهيك عن أسر الأطفال المتضررين الذين يحرصون رغم الصعاب على اصطحاب أطفالهم المرة تلو الأخرى للمستشفى لمواصلة البحث.

 

ومن تلك البحوث أخذ عينات شهرية لبراز أطفال أصيبوا بسوء التغذية الحاد. ومع الاستعانة بحساب دقيق ومتطور لرسم السلاسل الجينية للكائنات الدقيقة في تلك العينات، ورصد الفريق 24 نوعا أساسيا من البكتيريا ارتبط وجودها بالنمو الصحي.

 

والأهم أن الطعام المكثف المقدم للمصابين فشل في إصلاح الخلل على المدى الطويل، واستمرت المشكلات المتعلقة بالنمو تصاحب الأطفال.

ولإثبات الآثار طويلة الأمد أجرى غوردن تجارب على الفئران التي رباها في بيئات “معقمة” أدت لافتقار أجسادهم للبيئة الميكروبية الداخلية، ثم غذى بعضها بميكروبات من أمعاء سليمة والبعض الآخر بميكروبات أطفال مصابة بسوء التغذية، وهو ما سمح للباحثين بتحديد آثار التنوع الميكروبي على نمو الفئران بمعزل عن أي عوامل أخرى.

 

وأظهرت دراسة هي الأولى من نوعها أجرتها لورا بلانتون، الباحثة المعاونة لغوردن، أن الفئران التي تلقت عينات الأطفال المصابة أصيبت لاحقا بتوقف النمو مقارنة بالتي تلقت عينات صحية، وهو ما أكد أن أي خلل البيئة الدقيقة داخل الأمعاء قد يؤدي لمشكلات طويلة الأمد تلحق بالنمو.

 

كما وصل فريق غوردن لنتائج مماثلة بإجراء التجربة على صغار الخنازير التي تشبه البشر من الناحية البيولوجية.

 

وحازت تلك النتائج على ثناء كبير، وحدت بالجمعية الملكية لتكريم غوردن بمنحه جائزة كوبلي في وقت سابق من العام الحالي – وهي جائزة سبقه إليها باحثون منهم دوروثي هودجكن، التي تمكنت من فك شفرة هرمون الأنسولين، فضلا عن ألبرت أينشتين.

 

والعمل لم ينته بعد، إذ يشير برايدس إلى ضرورة الوقوف على تفاصيل الدائرة المفرغة التي يقع فيها الأطفال بين رحى سوء التغذية والعدوى. ولكن مع ما تأكد من ارتباط قوي بين الأمرين انتقل فريق غوردن للبحث عن علاج للخلل في البيئة الدقيقة داخل أمعاء الطفل المصاب بغية استعادة النمو الصحيح قبل فوات الأوان.

 

ومرة أخرى، يركز المشروع الجاري في دكا بالتعاون مع السكان المحليين على إيجاد أطعمة مكثفة محببة ومقبولة اجتماعيا لمعالجة سوء التغذية وذات نفع اقتصادي في الوقت ذاته.

 

ويبدأ المشروع بفحص الأطعمة المقدمة للأطفال خلال الفطام، ومن ثم انتقاء أطعمة متوافرة وسهلة يمكنها إصلاح الخلل الميكروبي، واستخدامها كطعام مكثف لعلاج سوء التغذية.

 

وقد عرض غوردن بعضا من نتائجه الأولية على جمعية طب الأعصاب بواشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وقدم فريقه مؤخرا ورقة بحثية لإحدى الدوريات.

 

ولا يزال أمام الباحثين الكثير والكثير لفهم هذا “العضو الجديد” بجسم الإنسان. ولو كللت الجهود المبذولة في هذا الصدد بالنجاح، فقد تخفف معاناة الملايين من البشر.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها