نشر : أغسطس 30 ,2018 | Time : 04:30 | ID : 172304 |

كيف يستخدم المهربون «فيسبوك» لتجارة الآثار في الشرق الأوسط؟

شفقنا- أدى عدم الاستقرار الذي أعقب الثورات العربية في عامي 2010 و2011 إلى نشوب بعض من أكثر الصراعات المدمرة التي شهدها الشرق الأوسط على الإطلاق. عانت سوريا والعراق، على وجه الخصوص، من تفكيك البنية التحتية للدولة والظهور المتنامي للمنظمات الإرهابية والعنيفة المتطرفة، وأبرزها تنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)».

 

إن هيمنة تنظيم (داعش) التي لم تدم طويلًا على بعض أكثر المناطق الغنية الأثرية في «مهد الحضارة» في بلاد الرافدين، جعلت التنظيم يسيطر على العديد من الأصول الثقافية الأكثر قيمة في المنطقة. واستغل التنظيم ذلك لأقصى حد، وفق تقرير نشره موقع «وورلدبوليتكس ريفيو» للكاتبين عمرو العظم، وهو أستاذ في تاريخ الشرق الأوسط والأنثروبولوجيا في جامعة شوني ستيت في أوهايو، وكاتي بول، وهي محللة أبحاث بواشنطن.

 

وقد استطاع تنظيم داعش، بعيدًا عن المنظمات الإرهابية مثل «القاعدة» و«طالبان»، سواء في أفغانستان أو اليمن، أن يتعامل مع التراث الثقافي كمورد يمكنه في الوقت نفسه توفير الاستدامة المالية وتكاليف الدعاية؛ مما يضاعف من التأثير النفسي للإرهاب على السكان المدنيين. ومن الجدير بالذكر، أننا شهدنا عهدًا جديدًا من تمويل الإرهاب عن طريق هذه الأثار، وهو عهد غذته تجارة السوق السوداء في الممتلكات الثقافية، وفقًا للتقرير.

 

على الرغم من أن نهب الآثار يعد ممارسة قديمة منذ قرون، إلا أن هذه الأشياء لم يتم تحويلها أبدًا إلى مورد استخراجي من قبل مجموعة إرهابية. إن وجود سوق دولية قوية وغير منظمة إلى حد كبير للفنون والآثار التي تهيمن عليها الدول الغربية يوفر فرصًا وافرة لغسيل القطع الأثرية الثقافية المنقولة في السوق العالمية، وهي فرص لا تتاح عند الإتجار بالنفط أو الأسلحة أو المصادر التقليدية الأخرى للإرهابيين.

 

 

 

ليس من المستغرب إذًا أن الإتجار بالآثار عبر الشرق الأوسط قد جذب انتباه العالم. ومع ذلك، فإن فهم العالم للكيفية التي يعمل بها المتاجرون، وكيف أدى صعود الإنترنت إلى تغذية أنشطتهم، ما زال محدودًا. وعلى وجه التحديد، أضاف استخدام منصات وسائل الإعلام الاجتماعية، وفي مقدمتها موقع «فيسبوك»، لهذا النوع من الإتجار تحديًا جديدًا وغير مستكشَف إلى حد كبير لمكافحته.

 

منذ الثورات العربية، نما موقع فيسبوك ليكون واحدًا من منصات وسائل الإعلام الاجتماعية الأكثر استخدامًا من قبل الشباب في المنطقة. اعتبارًا من عام 2012، كان هناك أكثر من 80 مليون مشترك في فيسبوك عبر 22 دولةً تشكل جامعة الدول العربية، مع إضافة أكثر من 1.6 مليون كل شهر. مع نمو قاعدة المشتركين في فيسبوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استمرت إمكانات النظام الأساسي في التطور. ما كان في يوم من الأيام وسيلة لتحميل الصور ومقاطع الفيديو بات الآن يوفر ميزات تتضمن البث المباشر واتصالات الدردشة عبر الفيديو وخيارات الرسائل المشفرة.

 

يعد فيسبوك من أهم البرامج الإعلامية الاجتماعية التي تم استخدامها كوسيلة لبيع التحف غير المشروعة. وتشمل البرامج الأخرى «تليجرام» و«واتس آب» و«فيبر». يستخدم المتاجرون بالآثار هذه المنصات للتهرب من السلطات والتحايل على اللوائح التي تفرضها المزادات على الإنترنت ومواقع التجارة الإلكترونية مثل «إي باي» و«لايف أوكشنيرز» و«إتسي» (على الرغم من أن هذه المواقع تستخدم بشكل متكرر).

 

تحليل بيانات فيسبوك

تسهل المجموعات والصفحات الخاصة بتجارة الآثار غير المشروعة على فيسبوك نشاطين رئيسين: النهب والإتجار

 

لا ترقى «معايير المجتمع» الحالية على منصات مثل فيسبوك وواتس آب إلى توفير الوسائل للإبلاغ عن الصفحات والمجموعات التي تنخرط في الإتجار بالممتلكات الثقافية وإزالتها. على الرغم من نجاح فيسبوك وعمالقة التكنولوجيا الآخرين في استهداف حركة المخدرات والأسلحة على منصاتهم، إلا أنهم ناضلوا لكبح تجار الآثار، الذين ابتدعوا أساليب الاتصال الخاصة بهم.

 

 

وقال الكاتبان: «خلال الأشهر العشرة الماضية، كنا نجري دراسة لرصد أنشطة هؤلاء المتاجرين. سمح لنا هذا العمل بتحديد صفحات ومجموعات الفيسبوك التي يشارك فيها المستخدمون بتهريب وشراء وبيع المواد الثقافية المسروقة، بما في ذلك تبادل المعلومات حول الحفريات غير القانونية. على الرغم من أن الدراسة بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلا أن عملية جمع البيانات شملت مراجعة صفحات الأرشيف في فيسبوك التي تعود لعدة سنوات. يرجع تاريخ أقدم الصفحات والمجموعات ذات الصلة التي اكتشفناها إلى أواخر عام 2013؛ مما يشير إلى أن استخدام فيسبوك لتهريب الآثار هو ظاهرة حديثة إلى حد ما».

 

كشفت البيانات التي تم تحليلها حتى الآن عن شبكة متطورة من اللصوص والمتاجرين الذين طوروا أدوات وأساليب جديدة لتسهيل معاملاتهم غير المشروعة. وتشمل هذه المواد البصرية الخرائط والرسوم البيانية للمساعدة في جهود السرقة ونظام لتقديم طلبات محددة يتم الوفاء بها بسرعة من قبل أعضاء المجموعة الآخرين.

 

على نطاق أوسع، أصبح من الواضح أن وسائل الإعلام الاجتماعية قد جلبت عالم الإتجار عبر الحدود إلى متناول عدد كبير من مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء المنطقة، مع تبسيط عملية تنفيذ المعاملات الفردية.

 

لتحديد صفحات ومجموعات فيسبوك ذات الصلة، بدأ الكاتبان في البحث في فيسبوك عن مصطلحات عربية عامة شائعة تتعلق بالآثار. وتشمل هذه الكلمات العربية المستخدمة «الكنوز» و «التحف» و«الآثار». أجريت جميع عمليات البحث يدويًا، ولم يتم تضمين أي حذف للبيانات، وفقًا لسياسات فيسبوك. وبمجرد تحديد الصفحات، عكف الكاتبان على مناقشة وتسجيل الرسائل الفردية والاتصالات.

 

تسهل المجموعات والصفحات الخاصة بتجارة الآثار غير المشروعة على فيسبوك نشاطين رئيسيين: النهب والإتجار. وتركز تلك المجموعات المخصصة للنهب على تبادل المعلومات حول كيفية الحفر بطريقة غير مشروعة. يقوم أعضاء المجموعة بتطوير الرسوم البيانية لتوضيح أنواع المقابر الموجودة في مناطق معينة وبنيتها التحتية تحت الأرض. في بلدان مثل مصر، يقدم المستخدمون تعليمات، بما في ذلك تعليمات الفيديو، لإنشاء مضخات مياه مؤقتة للحفاظ على نهب الحفر الجافة من المياه الجوفية. كما أنها تشمل نصائح حول كيفية اكتشاف علامات موقع واعدة للتنقيب غير القانوني، بما في ذلك مداخل المقابر.

 

تم إنشاء مجموعة (Group) نهب واحدة، على سبيل المثال، في سبتمبر (أيلول) 2016 كوسيلة لتعظيم المعرفة عن طريق القيام بأعمال التنقيب غير القانونية. للدخول إلى المجموعة، يُطلب من مستخدمي فيسبوك إرسال طلب للانضمام، ثم الإجابة على سلسلة قصيرة من الأسئلة باللغة العربية. وتشمل الأسئلة: «لماذا تريد الانضمام إلى هذه المجموعة؟» و«ما هي مهنتك؟» لا يمر جميع الأعضاء المحتملين بعملية التدقيق نفسها. يراجع مشرفو المجموعات الإجابات ويقرروا ما إذا كانوا سيقبلون أو يرفضون طلبات القبول.

 

يبدو أن الاهتمام بهذه المجموعة كان شديدًا. في غضون عام، جمعت أكثر من 51 ألف و230 عضوًا، على الرغم من أنها مجموعة مغلقة رسميًا أو خاصة. كان ما يقرب من 5 آلاف من هؤلاء الأعضاء من الناشرين النشطاء في صفحة المجموعة نفسها. بالإضافة إلى ذلك، شارك العديد من أعضاء المجموعة أرقام واتس آب الخاصة بهم أو طلبوا إجراء أي اتصالات من خلال رسائل خاصة على فيسبوك؛ مما يعني أن العديد من تفاعلات أعضاء المجموعة تم إبقاؤها خارج أعين الناس.

 

استخدم الأعضاء المجموعة، سواء لطلب أو تقديم إرشادات حول كيفية العثور على المواقع والمقابر والتنقيب عنها ونهبها، بالإضافة إلى أنواع المواد التي يجب البحث عنها. تأتي هذه التعليمات في شكل مشاركات مفصلة بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو وحتى الرسوم البيانية المكتوبة التي تصور، على سبيل المثال؛ ما قد يواجهه المرء تحت الأرض عند حفر مقبرة ما.

 

نشر بعض أعضاء المجموعة صورًا للمصنوعات المصرية معروضة للبيع في دور المزادات الدولية الرئيسة كوسيلة لنقل كمية أنواع معينة من القطع التي يمكن أن تكون ذات قيمة وما هي أنواع الأشياء المطلوبة.

 

 

 

في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، نشر عضو مجموعة بالقاهرة تعليمات شاملة حول كيفية العثور على مقبرة رومانية ونهبها. ووصف طبقات وأنواع المواد التي قد يواجهها المرء أثناء حفر المقبرة. وأشار إلى أن المقابر تشمل طبقة من الحجر وكذلك طبقة من التربة السميكة، وأن الحفارين قد يثبطهم سمك التربة ويعتقدون أنهم قد غابوا عن القبر تمامًا وحثهم على عدم الاستسلام. بعد نشر هذه الإرشادات بفترة وجيزة، بدأت مواد من العصر الروماني تظهر في منشورات على صفحة المجموعة.

 

تتضمن صفحات النهب أيضًا مشاركات من الأفراد الذين يقومون بعملية التنقيب. وقد قام أحد مديري المجموعة المذكورة آنفًا بنشر صور لعمليات التنقيب غير المشروعة المستمرة منذ يونيو (حزيران) ويوليو (تموز). وتشمل منشوراته ملاحظات حول مخاطر الموت من الاختناق أو انهيار المقبرة. كما تشمل صورًا لمضخات المياه والخراطيم التي يستخدمها كوسيلة لخفض المياه الجوفية في حفره النهب.

 

في حين أن عضوية مجموعات النهب تتجه بشكل عام نحو الشباب الذين يتمتعون بالذكاء التكنولوجي، فقد تم تطوير أدوات الإنترنت الموجهة نحو أولئك الذين هم أقل من ذلك. على سبيل المثال، بدلًا عن إحداثيات «جي بي إس» والصور التي يتم سحبها من برنامج «جوجل إيرث»، يتم أحيانًا تظليل المشاركات برسومات بسيطة تكاد تكون طفولية توضح التصميم تحت الأرض لمقابر محددة.

 

سوق الإتجار العالمي

وفي الوقت نفسه، تعد مجموعات فيسبوك المخصصة للإتجار، أشبه بالأسواق عبر الإنترنت، والتي تستخدم في المقام الأول لترتيب حركة القطع المحددة وإقامة الصلات بين الوسطاء والمشترين.

 

عادةً ما يكون لهذه المجموعات عضويات أصغر، مع نسبة أكبر من تكرار التفاعل من قبل الأعضاء. إحدى صفحات فيسبوك التي فحصها الكاتبان كانت تعمل من عام 2013 حتى مارس (آذار) الماضي، عندما أزالها موقع فيسبوك لأسباب لم يتم الكشف عنها، على الرغم من أن إجمالي العضوية فيها يزيد عن 16 ألف، أي أقل بكثير من بعض مجموعات النهب التي فحصت من قبل الكاتبين، فقد شوهد حوالي 2020 عضوًا نشطين، ونشروا على الصفحة منشورات تتعلق بشراء القطع الأثرية أو بيعها أو سرقتها. وحدد الكاتبان أيضًا عدة مستخدمين نشطين في العديد من صفحات التهريب. بعض منهم يقدم نفس القطع الأثرية في أكثر من صفحة واحدة.

 

 

وقال الكاتبان: «من بين 2020 عضوًا قمنا بدراستهم، قدم 1552 معلومات تحدد مواقعهم الحالية. يأتي المتاجرون من أماكن مثل: مصر، والمغرب، والجزائر، واليمن، وتركيا، وإيران، بالإضافة إلى وجهات خارج منطقة الشرق الأوسط. شارك عشرات المستخدمين في الولايات المتحدة، وألمانيا، وإنجلترا، وفرنسا، وبلجيكا، وأماكن أخرى في بيع وشراء القطع الأثرية من خلال الصفحة».

 

يبدو أن معظم الأعضاء يستخدمون ملفاتهم الحقيقية على فيسبوك. وهذا يعني أن المعلومات مثل جنسهم ومسقط رأسهم وموقعهم الحالي – وحتى المدارس والكليات التي يلتحقون بها وأرقام هواتفهم الخلوية – قد تكون مرئية لأي شخص لديه حساب على فيسبوك. استنادًا إلى تفاعلهم المحدود نسبيًا مع صفحات التهريب، من المعقول استنتاج أن هؤلاء مهربون أقل خبرة.

 

في حين أن الاتصال على صفحات التهريب التي درسها الكاتبان في المقام الأول باللغة العربية، يكتب الناس مجموعة متنوعة من اللغات الأخرى، بما في ذلك الإنجليزية والفارسية والفرنسية. يتم تسهيل بعض المحادثات على الأقل عبر حواجز اللغة من خلال أدوات الترجمة التي يوفرها فيسبوك.

 

لقد أدرك خبراء التراث لسنوات أن اللصوص والتجار يشاركون بشكل روتيني المعرفة ويتعلمون من بعضهم البعض بشأن التجارة. قبل التوسع في الوصول إلى الإنترنت في الشرق الأوسط، على الرغم من ذلك، كان المتاجرون متصلين في المقام الأول من خلال التفاعل وجها لوجه ووسائل الاتصال التقليدية الأخرى مثل الهواتف والبريد العادي. لقد ساهم الإنترنت بشكل عام، وفيسبوك على وجه الخصوص، في تسريع الاتصالات وزاد بشكل كبير من قدرة هؤلاء الناس على تطوير الشبكات وتبادل المعلومات وإجراء المعاملات التجارية عبر الحدود الوطنية بشكل آمن نسبيًا.

 

إن محتوى كل من جماعات النهب والإتجار يثري فهمنا للمعارف التي يمتلكها المتاجرون وكيف يعملون. حتى وقت قريب، كنا نعلم أن اللصوص والمتاجرون يقومون باستنباط مهام تستند إلى المعرفة المحلية وتبادل المعلومات عن طريق الكلام الشفهي. ومع ذلك، فإن استخدام الرسوم البيانية يبين أن العديد من اللصوص لديهم فهم أكثر تكاملًا وتعقيدًا لما يبحثون عنه، ونهج أكثر منهجية في البحث عن المقابر وغيرها من مواقع النهب، أكثر مما أدركه الخبراء من قبل. وبينما كانت هذه المعرفة التفصيلية في أيدي القلة، سمحت وسائل الإعلام الاجتماعية بنشرها بين الجماهير.

 

القطع المنهوبة

يشارك الأشخاص جميع أنواع الصور ومقاطع الفيديو والمحتويات الأخرى على الشبكات الاجتماعية، لذا فكيف يمكننا التأكد من أن القطع الأثرية التي يتم تقديمها على هذه الصفحات هي في الواقع ما يقول المهربون إنها هي؟

 

وقال الكاتبان: «بعض القطع نادرة للغاية بحيث يسهل تتبعها. على سبيل المثال، سمحت لنا المعلومات الاستخبارية على الأرض التي تم جمعتها مباردة «اليوم التالي»، وهي منظمة مجتمع مدني سورية مقرها اسطنبول، مقترنة بأبحاثنا عبر الإنترنت، بتتبع رحلة إحدى القطع النادرة…».

 

القطعة منحوتة من الحجر الجيري مع أربعة وجوه منحوتة بشكل تفصيلي ومعقد. وقد تم تتبعها في البداية من قبل مبادرة «اليوم التالي» وتوثيقها من قبل الشركات التابعة لها في يونيو 2015. نشأت هذه القطعة في الأراضي التي كانت تحت سيطرة (داعش)، على الأرجح الرقة أو منبج، قبل أن تشق طريقها إلى جنوب تركيا. بعد ذلك بعامين ظهرت في أحد المنشورات على صفحة فيسبوك مخصصة لتهريب الآثار.

 

في حالات أخرى، يتم نشر الصور الفوتوغرافية ولقطات الفيديو الخاصة بالآثار والعناصر الأخرى على فيسبوك في الأماكن التي تم اكتشافها فيها أصلًا. وقد تم عرض جميع النقوش المنحوتة والقطع الأثرية المكتشفة حديثًا وحتى الثريات في القصور التاريخية للبيع مع الصور المرافقة لها. البائعون في هذه الحالات ينتظرون تحديد المشترين المهتمين قبل نهبهم.

 

بشكل عام، على الرغم من ذلك، قد يكون من الصعب التأكد من مصدر القطع الأثرية التي يتم نشرها عبر الإنترنت، ويعود الأمر إلى المشترين للتحقق من صحتها. عادةً ما يوفر البائعون فرصًا للمشترين للتحقق من أصول البضائع من خلال السماح لهم بفحص السلع، إما شخصيًا، أو من خلال وسيط محلي موثوق به. علاوة على ذلك، يتم الدفع عادةً فقط بعد أن يقوم المشتري بتأمين البضائع، وبصورة مفترضة.

 

معركة شاقة

سواء كانت تظهر على مجموعة فيسبوك أو في دار مزادات رسمية، فإن أي بيع للقطع الأثرية التي نشأت في سوريا والعراق ومعظم البلدان الأخرى في الشرق الأوسط هذه الأيام من المحتمل أن يكون غير مشروع بسبب حقيقة أن مثل هذه المعاملات محظورة في أكثر من نصف الدول التي تتشكل منها جامعة الدول العربية. وتشمل البلدان التي يحظر فيها التجارة: الجزائر، والبحرين، ومصر، والأردن، وليبيا، وموريتانيا، والمغرب، وقطر، وتونس، واليمن. كما تم تعليق تجارة الآثار في لبنان منذ عام 1988، بعد أن حددت الحكومة هناك أنها لا تستطيع السيطرة على السوق بسبب الحرب الأهلية في البلاد.

 

في مصر التي تعد موطنًا لغالبية أعضاء مجموعات التهريب على فيسبوك، يواجه اللصوص والمُتاجِرون عقوبة السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات وغرامة قدرها مليون جنيه مصري، أو حوالي 55 ألف دولار. كما تدرس مصر قانونًا جديدًا من شأنه زيادة عقوبة النهب أو الإتجار لتصل إلى السجن مدى الحياة.

 

ومع ذلك يصعب فرض هذه العقوبات، حيث يكاد يكون من المستحيل تنظيم المعاملات عبر الإنترنت. من المؤكد أن منصات معينة قد اتخذت مؤخرًا خطوات لمواجهة المعاملات الاحتيالية وغير القانونية. في سبتمبر (أيلول) 2017، أصدرت شركة «eBay» سياسة جديدة لتنظيم البيع تحظر صراحة تبادل رسائل البريد الإلكتروني وأرقام الهواتف ومعلومات الاتصال الشخصية الأخرى بين المستخدمين. كما أن تحديث سياسة eBay يثبط بشدة أي تفاعل تجاري بين المستخدمين خارج منصته. على خلاف فيسبوك، فإن eBay لديها سياسة كاملة مخصصة للآثار الثقافية.

 

رسميًا، يجب أن تتم المعاملات على فيسبوك عبر Marketplace أو Buy و Sell Groups. ولكن كما لاحظنا في دراستنا حول كيفية استخدام فيسبوك فعليًا، يمكن للأعضاء بسهولة الالتفاف حول ذلك من خلال جعل اتصالاتهم خاصة، أو الانتقال إلى وسائط التواصل الاجتماعي الأخرى مثل واتس آب.

 

لا يقوم فيسبوك حاليًا بفرض حظر صريح على المعاملات التي تنطوي على الممتلكات الثقافية غير المشروعة. بعد شهادة المدير التنفيذي مارك زوكربيرج أمام الكونجرس في أبريل (نيسان) الماضي، بدأ فيسبوك في تنفيذ إعادة صياغة ضخمة لاتفاقية المستخدم ومعايير المجتمع، والتي تمثل فرصة لإدراج مثل هذا الحظر. وهذا من شأنه أن يساعد على استهداف النظام الأساسي وإزالة أي عمليات تهريب ونهب في المستقبل قبل وقوعها. ومع ذلك، فإن جلسات الاستماع في الكونجرس تتعلق بمجموعة مختلفة من القضايا، وليس هناك ما يشير إلى أن كبح تجارة الآثار هو هدف منشود.

 

وبغض النظر عن هذه المبادرات، فإن الاستجابة التنظيمية البطيئة للنمو السريع للاتجار غير المشروع بالآثار عبر الإنترنت قد شجعت على الأرجح المزيد من الناس على المشاركة. ما كان في الماضي صناعة تحت الأرض، يمكن الوصول إليها فقط للمتاجرين المتمرسين، بات متاحًا للجميع. لقد أدى انتشار الفيسبوك وغيره من وسائل الإعلام الاجتماعية إلى خلق نوع مختلف من الثورة في الشرق الأوسط، مما مكن أي لص للممتلكات الثقافية من العمل كتاجر مع جهات اتصال ومشترين على نطاق واسع.

 

في حين أنه قد يكون من الصعب تعقب هذه المجتمعات الرقمية الجديدة، إلا أنه من خلال اختراقها يمكننا فهم كيفية عملها بشكل أفضل. إن استخدام فيسبوك كوسيلة للإثنوغرافيا «الخفية» يسمح لنا بمعرفة كيف تستمر أساليب هذه الجماعات في التطور؛ مما يسمح بصياغة أساليب جديدة لمكافحة نهب الثراء الثقافي في الشرق الأوسط.

مترجم عنHow Facebook Made It Easier Than Ever to Traffic Middle Eastern Antiquitiesللكاتب Amr Al-Azm, Katie A. Paul

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها