نشر : أغسطس 31 ,2018 | Time : 04:18 | ID : 172345 |

وسط غضب تركي.. لماذا توجهت السعودية نحو الدعم السخي للأكراد السوريين؟

شفقنا- اتجهت المملكة العربية السعودية نحو استراتيجيّة جديدة في سوريا، متمثّلة في دعم «قوّات سوريا الديمقراطية (قسد)» سياسيًا وماليًا في مناطق سيطرتها بشمال شرق سوريا، وذلك تحت مسوغات الإعمار والدعم الإنساني.

 

هذه الوجهة التي تبنتها أيضًا الإمارات العربية المتحدة – حسب  بعض المراقبين – تهدف إلى مقارعة تركيا بالقرب من حدودها المهددة من قبل الأكراد، الساعين لتشكيل كيان مستقل، وكذلك لتحقيق الهدف الأمريكي المتمثّل في إيقاف الإنفاق في سوريا من أموال الخزينة الأمريكيّة، وإلقاء هذه الالتزامات على عاتق السعودية وغيرها من الدول الحليفة، مثلما كان الرئيس الأمريكي ترامب قد دعا، لكن إلى أين سيفضى هذا التدخل السعودي؟

 

السعودية نحو دعم نوعي وعلني للأكراد

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، زار الوزير السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان «عين عيسي» في مدينة الرقة السورية الواقعة تحت سيطرة «قسد»، وهناك التقى بمسؤولين أمريكيين للوقوف على إعادة إعمار المنطقة كما قالت المصادر السعودية.

 

هذه الخطوة التي شكّلت سابقة نوعية، وعُدّت بمثابة اعتراف من قبل الجانب السعودي بشرعية «قسد» تبعتها عدة خطوات تؤكد إصرار السعودية على مساندة الأكراد بشكل علني، ففي مايو (أيار) الماضي عقد اجتماع في قاعدة «خراب عشك» الأمريكية القريبة من مدينة عين العرب (كوباني)، بين ضبّاط سعوديين وإماراتيين وأردنيين وقيادات فصائل عربية تقاتل ضمن «قسد»، وذلك بهدف وضع اللمسات الأخيرة على تشكيل قوة عربية تتوالى مهام التواجد على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا؛ إذ دفع النفوذ الإماراتي والسعودي الذي يراهن على القوات الموالية للإمارات «الصناديد» التابعة لأحمد الجربا، والمنضوية في صفوف تحالف «قسد» نحو تأسيس هذه الوحدات مقابل حصول كل منتسب لهذه الوحدات على 200 دولار شهريًا.

 

وكانت آخر وأبرز الخطوات السعودية الداعمة لـ«قسد»، هو قرار منح الرياض يوم السابع عشر من أغسطس (آب) الحالي 100 مليون دولار أمريكي للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بهدف المشاركة بإعادة إعمار مدينة الرقّة في مناطق شمال شرق سوريا الواقعة تحت سيطرة الأكراد السوريين؛ إذ أكدت الرياض أن هذا المبلغ الذي وصفته السعودية بـالمساهمة الأكبر هو لصالح «مشاريع استعادة سبل العيش والخدمات الأساسية» التي يشرف عليها التحالف حسب ما جاء في بيان رسمي نشرته «وكالة الأنباء السعودية (واس)».

 

وجاء في البيان: «تماشيًا مع مساهمات المملكة العربية السعودية حتى الآن، فإن هذا المبلغ الإضافي البالغ 100 مليون دولار سيسهم في إنقاذ الأرواح، والمساعدة على تسهيل عودة النازحين السوريين، وضمان عدم عودة تنظيم الدولة (داعش) لتهديد سوريا أو جيرانها، أو التخطيط لشن هجمات ضد المجتمع الدولي».

 

 

يقول رئيس مركز البحوث الإسلامية في معهد التنمية المبتكرة، كيريل سيميونوف، إنه: «يمكن اعتبار هذا الأمر بمثابة خطوة سعودية واضحة باتجاه توطيد العلاقات مع الأكراد، في ظل التقارب بين حزب الاتحاد الديمقراطي (الأكثر نفوذًا في الوسط الكردي شمال سوريا) وبين أنصار مسعود برزاني في العراق، وذلك على خلفية العملية العسكرية التي اجتاحت مدينة كركوك العراقية مؤخرًا».

 

يمضى الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نحو المزيد من القرارات الخافضة لأموال المساعدات الخارجية، خصوصًا المتعلّقة بمنطقة الشرق الأوسط، بعضها كان خاصًا بالمساعدات الأمريكية للفلسطينيين، وأخرى للمناطق السورية التي تحالفت مع واشنطن منذ بداية الثورة السورية.

 

وفي سبيل إحلال حلفائها بدلًا عنها في تمويل المشاريع الخارجية، كانت السعودية أوّل من تكفّل بتسديد غالبية الفواتير الأمريكية في المنطقة، حين استجابت الرياض لدعوة ترامب إلى المساهمة في الدعم المالي لسوريا بعد أن  هدد بسحب قواته منها، لخسارته نحو 7 تريليونات دولار في سوريا دون أن يحقق شيئًا، ففي الثامن عشر من أغسطس (أب) الحالي، أعلنت الخارجية الأمريكية عن تخفيض تمويلها لمشاريع إعادة الإعمار في شمال شرق سوريا بمبلغ 230 مليون دولار من مساعداتها لأكراد سوريا.

 

وسرعان ما سعت واشنطن بعد قطع هذه المساعدات نحو تعيين «مبعوثين جدد» بغية تحقيق التوازن في الشمال السوري، فكانت السعودية حاضرة حين أعلنت تقديم 100 مليون دولار دعمًا لهذه المنطقة، كما تعهدت الإمارات العربية المتحدة بمبلغ 50 مليون دولار، وبذلك غطت المنح السعودية والإماراتية أكثر من نصف المبلغ الذي ألغته واشنطن، كما تعهدت دول أخرى بمبلغ إضافي قدره 150 مليون دولار من دول أخرى، ليجمع بذلك مبلغ 300 مليون دولار من شركاء في التحالف لمناطق شمال شرق سوريا.

 

وفيما تمكنت واشنطن من الإفلات من استمرار التمويل لإعادة الإعمار في شمال شرق سوريا دون انتقاد، سمح هذا القرار الأمريكي بهبوط جديد للسعودية التي تحاول أن تجد لها موطأ قدم بسوريا يعمق سياساتها التي خسرت منها كثيرًا، فرغبة الرياض في الانتظام ضمن الأجندة الأمريكية العامة في المنطقة سيكفلها الكثير، فبالنسبة للبعض مجرد تأييد الرياض لقرار الأمريكي بإرسال قوات عربية إلى سوريا وإسراعها بالعمل على تشكيل هذه القوات اعتُبر قصورًا دبلوماسيًّا في فهم الوقائع السياسية، وتكرارًا لأخطاء التدخلات غير المحسوبة التي تورطت بها السعودية سابقًا.

 

 

 

الدعم السعودي للأكراد.. نكاية في تركيا

تحاول السعودية التأكيد على أن خطواتها في سوريا مدفوعة بالهاجس الأساسي المتمثل في التصدي للوجود والتوسع الإيراني عبر سوريا والعراق إلى لبنان، لكن المراقبين يؤكدون أن السبب الأبرز هو الموقف السعودي المناهض لتركيا التي دعمت قطر في الأزمة الخليجية الأخيرة، ورفضت عزلها وحصارها من قبل السعودية والإمارات.

 

وفي سبيل ذلك، تقربت الرياض خلال الفترة الأخيرة أكثر من المسؤولين الأكراد المناوئين لتركيا، وأبرزهم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي صالح مسلم، الذي تعتبر أنقرة حزبه «إرهابيًا»، ففي مقابلة لمسلم أجرتها صحيفة «الرياض» السعودية،  وسأل فيها عما سمّته الصحيفة «التحالف الإيراني، القطري، التركي»، قال مسلم: «هذا التحالف قائم ونحن عانينا ولا زلنا نعاني منه الأمرّيْن، ونقاومه، ونتصدى له إلى الآن، فهذا التحالف غزانا في عقر دارنا، وتسبب في استشهاد الآلاف من فلذات أكبادنا منذ 2012 وإلى الآن بأدوات تختلف أسماؤها وتلتقي أفعالها، فنحن أكثر من عانى من سياسات الإبادة وإنكار الوجود على أيدي هؤلاء».

 

أما عن الدور التركي والقطري في المنطقة فأجاب مسلم: «أولهما منفذ، وثانيهما مموّل، يقومان بتسخير أدوات خارجة عن العصر لا تعرف القيم الإنسانية ولا معاييرها، تأتي على الأخضر واليابس وتحاول فرض الظلمات والظلام والظلم على كل بقعة تطالها أيديها، هذا التحالف بأدواته خطر على كل شعوب الشرق الأوسط، بل البشرية جمعاء».

 

وتدرك تركيا أن وجود قوات عربية في شمالي سوريا هو محاولة خطرة للمس بأمنها القومي، وأن أي دعم من محور واشنطن – أبوظبي – الرياض للمليشيات الكردية يهدف إلى سد الأبواب أمام أي عمل عسكري تريد تركيا من خلاله التصدي للأكراد الانفصاليين، على اعتبار أن إطالة الصراع بين تركيا والمليشيات الكردية يخدم مصالح دول مثل الولايات المتحدة، وفرنسا، والسعودية، والإمارات، ويقيد نفوذ السياسة التركية وقوتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

 

يقول الكاتب التركي إبراهيم قراغول: إن «دعم المليشيات الكردية في مناطق شمالي سوريا هو مخطط غربي لدعم التنظيمات الإرهابية، ولا علاقة له بمواجهة نفوذ إيران، وقد يؤدي لحرب عربية – تركية»، ويضيف في صحيفة «بني شفق» التي يرأس تحريرها أنهم: «جهزوا أنفسهم لتنفيذ مخطط عملية مخيفة جديدة خشية أن تتجه تركيا نحو شرق الفرات بعد عملية غصن الزيتون في عفرين».

 

 

 

هل تحقق السعودية أهدافها جراء دعم الأكراد السوريين؟

يعتقد المراقبون أن أهداف السعودية من دعم الأكراد السوريين في مناطق نفوذهم التي تعدّ بمثابة الخزان النفطي والغذائي لسوريا لن تؤتي ثمارها، ولن تحقق أهدافها المرجوة من قبل الحكومة السعودية.

 

يقول الكاتب الكردي السوري، هوشنك أوسي: إن «تحجّج السعودية بإعادة إعمار الرقة وبعدها مناطق أخرى في سوريا لا يخفي وجود حربٍ باردة بينها وبين تركيا، فأيّ تقارب سعودي مع المقاتلين الأكراد ستفهمه أنقرة على أنه فعل عدواني ويهدّد أمنها»، ويضيف أوسي في تصريحات لـ«DW»عربية أن «لن تنجح الخطوة السعودية في دفع تركيا للتراجع عن موقفها الداعم للإخوان ولقطر، فالنظام التركي ينتمي إلى الإخوان ولن يتخلّى عنهم، وفي هذه الحالة، فأقلّ ما ستكسبه السعودية من إعمار سوريا هو تدفق استثماراتها وأموالها، بالإضافة إلى فتح باب جديد لإعادة ترتيب علاقاتها مع النظام السوري إن بقي ولم تتغير الرؤية الأمريكية الحالية».

 

أما فيما يتعلق بموقف الرياض الداعم لتشكيل قوات عربية في الشمال السوري، فيراه المراقبون أمرًا غير منطقي لكون السعودية وحلفائها الإماراتيين والمصريين يمرّون بأزمات داخلية وخارجية، ولكون الانخراط في أزمة جديدة قد يتسبب لهم بعواقب جديدة أسوة بأزمة التدخل السعودي في اليمن، كما أن الأكراد لا يثقون كثيرًا في الجانب السعودي بناء على تجربة الخذلان التي لمسوها من الرياض في كركوك، ولم تواجه الدور الإيراني في كركوك، ولم تتخذ أيّ موقف لصالح القضية الكردية، ويعي الأكراد أن الموقف السعودي من قضيتهم يشبه الموقف الأمريكي، فهو موقف تكتيكي قصير الأمد، وليس استراتيجيًا، بدليل أن واشنطن غضّت الطرف عمّا وقع في كركوك رغم دعمها المقاتلين الأكراد في سوريا.

 

قوّات كرديّة في الحسكة السوريّة

 

كما أن انسحاب الولايات المتحدة من مساعدة مناطق شمال شرق سوريا، جاء بعد أن تأكدت واشنطن أن العديد من المانحين غير راغبين في الدخول في عملية إعمار هذه المناطق لكون ذلك لن يتم دون الحصول على إذن صريح من النظام السوري، وبذلك تعدّ مساهمة السعودية توطئة لإعادة تأهيل نظام الأسد سياسيًا، بعد فشل واشنطن في تحقيق شرط المشاركة في إعادة إعمار سوريا مقابل وجود هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، ومقابل استبعاد الأسد من أية عملية سياسية، كما أن «قسد» التي تشكل قوامها الوحدات الكردية هدفها في المحصلة هو الحفاظ على نفوذها ومناطق سيطرتها، سواء بالتوافق مع الأسد أو غيره؛ إذ خاضت «قسد» عبر مجلس سوريا الديموقراطية مفاوضات مع الأسد، وسربت العديد من المعلومات التي تؤكد على سعى الطرفين نحو التنسيق المشترك والتفاهم على حقول النفط والمناطق الحدودية مع تركيا، الواقعة تحت سيطرة المقاتلين الأكراد.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها