نشر : سبتمبر 12 ,2018 | Time : 04:00 | ID : 173126 |

«واشنطن بوست»: أمريكا تعاقب أكبر شركات روسيا.. كيف يخلف ذلك فوضى عالمية؟

شفقنا- كانت التداعيات سريعةً وعنيفةً على رجل الأعمال الروسي أوليغ ديريباسكا، حليف بوتين، مع فرض الخزنة الأمريكية عقوباتٍ قاسية عليه وعلى شركاته في أبريل (نيسان) الماضي. توقّف الزبائن الغربيّون عن شراء الألمنيوم من شركته فتراجع سعر أسهمها وخُسفت ثروة ديريباسكا من 6.7 مليار دولار إلى 3.4، وفقًا لتقديرات قائمة مجلة «فوربس» للمليارديرات.

 

كتبَ جون هدسون وجين ويلن، صحافيّان يعملان في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، تقريرًا عن العقوبات الأمريكية على ديريباسكا ومدى نجاعتها وإن كانت ستستمرّ أم لا، مُستعينين بخبرة عملهم في روسيا والجغرافيا المُحيطة بها.

 

روسيا ليست إيران.. أثر العقوبات عالميّ

يبدأ الكاتبان بعرض العقوبات التي تجاوزت في أثرها روسيا وخلَّفت فوضى عالميّة. ارتفعت أسعار الألمنيوم العالميّة لاكمةً وجه الشركات الأوروبية والأمريكية التي تستخدم المعدن. وخفّفت الخزنة الأمريكية موقفها بعد غضب عام من المُصنّعين والحكومات الأجنبية مُفسحةً مزيدًا من الوقت للشركات لتُنهي تعاملاتها مع مُصنّع الألمنيوم، روسال، وطارحةً خيار رفع العقوبات إذا تنازل ديريباسكا عن سيطرته على الشركة.

 

هذه الحلقة من العقوبات مجرّد تحذير إذ تجهّز الولايات المتحدة المزيد منها لتفرضها على روسيا، بدأ بعضها بتاريخ 27 أغسطس (آب) 2018 وستؤثّر على صادرات أمريكا التكنولوجية. بعض عقوباتٍ -تحت مراجعة الكونجرس- قد تضرُّ بشركات النفط والغاز الأوروبية.

 

 

يقول خبراء اقتصاديّون إن لروسيا دور أكبر في التجارة العالمية، مقارنةً بالدول الأخرى التي تعرَّضت لعقوبات أمريكية مثلَ إيران، وكوبا، وميانمار، وكوريا الشمالية، مما يفسح المجال أمام العقوبات لتؤذي الأهداف المقصودة، وغير المقصودة في الولايات المتحدة وأوروبا.

 

ريتشارد ساوايا، خبيرُ العقوبات في المجلس الوطني للتجارة الخارجية، يرى أن روسيا «جزءٌ من اقتصاد العالم. هي عضوٌ في منظمة التجارة العالميّة»، ويُضيف أنَّ «بنوكها متصلةٌ ببعضها البعض عبر أوروبا والولايات المتحدة».

 

العقوبات التي صدرت نهاية هذا الأسبوع هي ردُّ الإدارة الأمريكية لما اعتبرته الولايات المتحدة وبريطانيا استخدامًا روسيًا لغاز الأعصاب لاغتيال روسيّ كان ضابط مخابرات سابق وصار مواطنًا بريطانيًا. بعد حظر مبدئي لبعض صادرات التكنولوجيا الأمريكية إلى روسيا، موجةٌ أخرى من العقوبات قد تأتي لاحقًا هذا العام، مُتضمنةً عقوبات تحظر على خطوط الطيران الروسية الهبوط في الولايات المتحدة.

 

يقول أعضاء من البرلمان الروسي إن هذه الإجراءات قد تحذو بموسكو لقطع صادراتها من محركات صواريخ RD-180 التي تشغّل بها الولايات المتحدة أقمارها الصناعية الحكومية. وأوردَ التلفزيون الروسي الرسمي أن موسكو قد تردُّ برسوم إضافية على الخطوط الجوية الأمريكية لمرورها بالمجال الجوي الروسي في طريقها نحو آسيا.

 

وفي ذات الوقت يدرسُ الكونجرس عقوبات إضافية عقابًا على «العدوان الروسي»، بما في ذلك التدخّل في الانتخابات الأمريكية. تشريعات من كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، قد تحظرُ على المستثمرين الأمريكيين شراء أسهم جديدة من دَيْنِ الحكومة الروسية. وربما تُمنع بعض البنوك الروسية من الوصول للدولار الأمريكي، خطوةٌ «ستضرُّ النظام المالي الروسي جديًا»، كما يقول فلاديمير ميلوف، المستشار الاقتصادي للمعارض السياسي ألكسي نافالني، خصم الرئيس بوتين.

 

 

جاكوب كيركجارد، باحث رئيسي في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي في واشنطن، يقولُ إن مشروع قانون عقوبات الطاقة قد يُسبّب ضررًا حقيقيًا للشركات الأوروبية، فهذه الإجراءات ستحظر على الشركات الاستثمار في البنى التحتية للنفط الخام داخلَ روسيا، وحتّى في مشاريع الطاقة الكبيرة خارج روسيا التي قد تُساهم فيها شركات تابعة للدولة الروسية. يرى كيركجارد أن العقوبات ستصعّب استثمارات شركات ألمانية واستثمار «شِل» في «نورد ستريم 2»، خط أنابيب مُخطط لنقل الغاز الروسي الطبيعي إلى ألمانيا.

 

المعسكرُ الآخر، معسكرُ ديريباسكا يلوّحُ مهددًا بنتائج أسوأ للولايات المتحدة إن لم ترفع واشنطن العقوبات عن روسال. الفشل في الوصول لاتفاق سيدفع الشركة للبحث عن «سبل جديدة لتجاوز المأزق، بما في ذلك احتمال استحواذ صينيّ، أو تأميم الشركة روسيًا» وفقًا لما أوردته وزارة العدل عن لوبي ضغط أمريكيّ يمثّل رئيس الشركة القابضة.

 

مسؤول سابق في الخزانة الأمريكية قال إن الكشف عن عقوبات شركة روسال أظهر ضحالةً في التنسيق مع حلفاء الولايات المتحدة وجهلًا بسوق المعادن العالميّ.

 

يُتابع التقرير باقتباسٍ من إليزابيث روزنبرغ، مسؤولة سياسة العقوبات في إدارة أوباما، تقول: «علينا أن نتعلم درسًا مما حصل، صحيح أنّ الطاقم في وزارة الخزانة يدركون جيدًا كيف يمكن لعقوباتهم على المنتجات المالية أن تؤتي أُكلَها، ولكنهم لا يملكون نفس الخبرات والمعرفة في قطاعات التجارة غير الماليّة». تعملُ إليزابيث الآن باحثةً رئيسية في مركز الأمن الأمريكي الجديد. أما وزارة الخزانة فتقول إنّ ضرباتها محسوبةٌ بدقّة: «نحن نعرف أن هذا كانَ فعلًا موجهًا ضدّ ديريباسكا والشركات التي يملكها وأنه ذو أهمية عالية»، هذا ما قاله سيجال مانديليكر، وكيل وزارة الخزانة للاستخبارات المالية والإرهاب، وتابع: «كنا واعين بأنها –العقوبات- ستكون شديدة التأثير ونحنُ نركّز على هذا النوع منها».

 

ديريباسكا يطلق يده في واشنطن

ليس محتملًا أن يُفلت ديريباسكا من العقوبات إذ ستظلُّ ساريةً عليه شخصيًا حتى لو رُفعت عن شركته روسال، وسيكون عليه أن يقدّم تنازلات حقيقية ليُنجد شركته للألمنيوم. تهدئةً لوزارة الخزانة وافق «مبدئيًا» على تقليص حصّته من 70% إلى أقل من 50% في «En+ Group»، المجموعة القابضة فوق روسال. وصرَّحت المجموعة أنها تعملُ «مع السيّد ديريباسكا وأسرته لتحويل أصولهم إلى منظمات وأمناء مقبولين». واستقالَ ديريباسكا وحلفاؤه من مجالس إدارة روسال ومجموعة En+. وامتنعَت الشركتان وديريباسكا عن التعليق.

 

تعتمد الشركة القابضة على شخصيات مؤسسيّة غربيّة لتدعم قضيتها في واشنطن. ويقود هذه الجهود رئيسها جريجوري باركر، وزير طاقة بريطاني سابق وعضوٌ في مجلس اللوردات البريطاني. وترتيبًا لأجندته استأجر شركة ميركوي للشؤون العامة، التي عيّنت بدورها ديفيد فيتر، السيناتور الأمريكي السابق وعضو مجموعة ضغط نافذ.

 

 

يُتابع التقرير بذكر ما جاء في وثائق شركة ميركوري للضغط في وزارة العدل الأمريكية: حذّر فيتر وميركوري من أن الإخفاق في رفع عقوبات روسال سـ«يُعرّض إدارة ترامب للنقد لإضرارها بمُصنعي الولايات المتحدة ومُستهلكيها»، وَ«تسبّبها باضطراب شديد لأسواق الألمنيوم والمعادن العالميّة».

 

شكرَ فيتر في الأوّل من مايو (أيّار) ببريد إلكتروني مسؤولين في وزارة الخارجيّة على «اجتماع مثمر» مُرفقًا تقارير عن خطط بورصة لندن لوقف تداول أسهم En+ في حال لم تُعفَ الشركة من العقوبات. أكّد التقرير وجود موعد نهائي، كما كتبَ فيتر في بريده الإلكتروني في وثائق وزارة العدل.

 

ردًا على سؤال عن هذا البريد الإلكتروني قال متحدث باسم وزارة الخارجية: «نجتمع بشكل دوري مع رجال أعمال ومُمثلين آخرين كجزء من جهودنا للتواصل» وامتنع فيتر وميركوري عن التعليق ولم يُجب باركر على طلب التعليق.

 

صعود ديريباسكا.. المال والسياسة

بدأ ديريباسكا جمعَ ثروته في التسعينات لمّا كان بوريس يلتسين رئيسًا لروسيا وانطلقت المجموعات المتنافسة لتسيطر على الشركات المملوكة للدولة سابقًا. نفى ديريباسكا في دعاوى قضائية اتهاماتٍ وُجّهت له من حلفاء سابقين ومُنافسين باستخدامه العنف والقوة ليستولي على أصول الألمنيوم.

 

رفضت الولايات المتحدة بينَ 1998-2000 تأشيرةَ ديريباسكا تحتَ قانون يعدّ الأجنبي غير مؤهّلٍ «أمنيًا، وللنشاطات المخالفة للقانون، وأسباب مشابهة». فكشفت روسال عن سجلاتها واعتبر ديريباسكا هذه المخاوف «غير مشروعة».

 

في أوائل عام 2000 كان منتوج شركته من الألمنيوم الثاني على العالم بعد العملاق الأمريكي «ألكوا». وبعد الانهيار المالي عام 2008 اضطرت روسال لأخذ دين إنقاذ قيمته 4.5 مليار دولار من بنك مملوك للدولة الروسيّة، ما جعلَ ديريباسكا أكثر اعتمادًا على بوتين، كما يرى محللون سياسيّون. أعمال الأوليغارشيّ، ديريباسكا، قاربت من نهايتها مع إعلان الخزنة عن عقوباتها في 6 أبريل (نيسان) مانعةً البنوك العالمية والشركات من التعامل معه شخصيًا أو مع الشركات التي يتحكم بها.

 

 

رجل الأعمال الروسي أوليغ ديريباسكا مع رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف.

 

أعلنت بورصة لندن للمعادن، وهي سوقٌ عالميّة للألمنيوم، أنّها لن تُدخل المزيد من سبائك روسال إلى مخازنها. انهارت أسعار أسهم روسال وEn+ في بورصتي لندن وهونج كونج، واستقال غربيّون كثر من أعضاء مجلس الإدارة. روسال موردٌ رئيسيّ للألومينا، المادة لخام لتصنيع الألمنيوم، ولذا قفزت أسعار الألومنيا أيضًا. يقول روي هارفي، الرئيس التنفيذي لشركة ألكوا، إنّ ارتفاع الأسعار «أشعلَ الصخب في الأسواق».

 

يقول دبلوماسيّون تحدثوا بشرط الحفاظ على سرّيتهم أن حلفاء الولايات المتحدة؛ ألمانيا وأيرلندا وفرنسا وبريطانيا، حذّروا الخارجيّة الأمريكية من أن الأسواق العالمية اضطربت للحركة الأخيرة، وأضرَّت بالمصانع الأوروبية التي تورّد من روسال.

 

عبَّرت أيرلندا عن قلقها من مصنع ألومينا تملكه روسال في الريف الأيرلندي ويوظّف 470 نسمة من سكان منطقةٍ «لا تتوفر فيها مصادر بديلة للتوظيف» كما يقول السفير الأيرلندي في الولايات المتحدة، دانيال مولهول، في مقابلة له.

 

لطَّفت وزارة الخزانة موقفها في استجابة واضحة لهذه المخاوف فأتاحت 17 يومًا للبنوك والشركات لتُنهي تعاملاتها مع روسال، وقالت ربما تأخذ بعين الاعتبار رفعَ العقوبات عن روسال تحت شروطٍ محدّدة. «أرسلت لنا الشركة عريضةً لإزالتها من القائمة –قائمة العقوبات-. ولن أعلّق على ما سيتطلبه ذلك، ولكن إحدى المسائل ستكون بيع أسهم الغالبية»، وأضاف وزير الخزانة، ستيفن منوشين، في مقابلةٍ له بتاريخ 30 أبريل (نيسان) على «بلومبرج» :«نخوضُ محادثات مع الشركة».

 

مدّد مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة المهلة حتى 23 أكتوبر (تشرين الأول). مما يمنح الطرفين وقتًا للتوصل إلى اتفاق. ويختتم الكاتبان تقريرهما بتصريح شركة روسال الصادر بتاريخ 6 أغسطس (آب) أن «الشركة في تواصل مستمر مع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لبحث حلٍ يهدف إلى رفع اسمها من قائمة العقوبات».

مترجم عنToo big to sanction? U.S. struggles with punishing large Russian businesses.للكاتب Jeanne Whalen and John Hudson

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها