نشر : سبتمبر 26 ,2018 | Time : 04:41 | ID : 174135 |

نحتفي به أم نهدم تماثيله؟ هذا ما تبقي من «أسطورة» كريستوفر كولومبوس

شفقنا- في أكتوبر (تشرين الأول) القادم يكون قد مر 526 عامًا على وصول كريستوفر كولومبوس إلى العالم الجديد، وفيما كانت وجهته الهند التي أراد أن يصل إليها من طريق مختلف بالاتجاه غربًا، رست الزوارق الثلاثة التي حملته مع بحّارته على أرض أمريكا اللاتينية.

 

كان اكتشاف العالم الجديد إحدى أكبر المحطات في التاريخ البشري، وكانت إيذانًا بظهور أوروبا الحديثة وقيام إمبراطورياتها الاستعمارية التي استمرت لقرون.

 

يعتبر البعض أن وصول كولومبوس إلى أمريكا اللاتينية فتح طريق التجارة بين أمريكا وأوروبا، وأثرى الأرض الجديدة بأجناس بشرية مختلفة أغنت التنوع الثقافي فيها، ولسنوات ظل العيد الوطني لإسبانيا والولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية يُقام في أكتوبر (تشرين الأول) احتفاء بوصول كولومبوس إلى العالم الجديد، والذي زينت تماثيله الميادين العامة في أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة.

 

 

لكن سيرة البحار وصورته لم تكن ثابتة في أذهان الشعوب التي غيّرها اكتشافه، وعاد بعد نحو 500 عام من وفاته ليثير الجدل، فعلى الجانب الآخر كان هناك من يرى أن وصوله أدى لاستعباد أعداد هائلة من «الهنود» والأفارقة أيضًا، وتسخيرهم في العمالة القسرية والتنصير بالقوة.

 

انطلاق البحار لفت أطماع أوروبا للعالم الجديد

سبقت رحلة كولومبوس عدة محاولات منه في البلاط القشتالي والبرتغالي لتمويل رحلاته، قبل أن يوافق الملكان الكاثوليكيان فرناندو وإيزابيلا بعد تفاوض طويل على تمويل الرحلة على أن يحكم «الأميرال» كما أطلقا عليه، الأراضي التي يكتشفها ويحصل على ربع الثروة التي يعثر عليها، وهكذا أبحر كولومبوس ورفاقه.

 

حين وطأت أقدام كولومبوس أرض جزر الباهاما ظنّها جزءًا من اليابان وكان يحمل معه نسخة من كتاب ماركو بولو، وكما يقول هو في مذكراته فقد قرأ أنهم: «يمتلكون ذهبًا بكميات هائلة والمناجم هناك لا تنضب أبدًا، كما يوجد في الجزيرة لآلئ شرقية ذات بريق ساطع بكميات كبيرة».

وحين وصل جزر سان سلفادور المرجانية أذهلته شفافية الكاريبي وجمال الطبيعة وروعة ألوان الطيور، لكنه يواصل فيقول «حاولت معرفة ما إذا كان ثمة أثر للذهب»، لقد أثارت هذه الثروات الهائلة طمع القادة والبحّارة الأوروبيين وفتحت الباب لقرون من استعباد وقتل السكان الأصليين، وهكذا فتح كولومبوس باكتشافه لأرض أمريكا أرضًا واسعة أمام إسبانيا صارت منجمًا للمعادن الثمينة، وللأيدي العاملة مما أثراها بشكل كبير.

 

لم تُعرف حتى اليوم أصول البحّار لكن الاحتمال الأكبر أنه وُلد في البرتغال أو إسبانيا أو إيطاليا، وجاءت وفاته في بيادوليد أو بلد الوليد، بالسكتة القلبية، فقيرًا لم يكمل مشروعه بعد، وحتى وفاته كان يظن أنه اكتشف أرض الهند من طريق جديد، وقد ظلت جوانب كثير من حياة البحار الشهير مجهولة.

 

 

شعوب ترفض الاحتفاء به وتحطم تماثيله

يقول ألبرتو إسكوفار مدير التراث في وزارة الثقافة في كولومبيا: «في السنوات الأولى بعد الاستقلال أخبرونا عن قصص الرجال العظماء الذين جاءوا من إسبانيا، لكن في الستينيات والسبعينيات ظهرت نظرة مختلفة أكثر تركيزًا تتهمهم بالإبادة الجماعية والقتل».

 

وقبل ذلك في عام 2004، أُسقط تمثال كولومبوس من أحد ميادين العاصمة الفنزويلية كاراكاس بعد إصدار حكم رمزي بذلك. وفي عام 2013، أُزيل تمثال كولومبوس من بوينس آيرس ليحل محله تمثال خوانا أثورديفي وهي واحدة من زعماء السكان الأصليين.

 

في صباح يوم 30 أغسطس (آب) عام 2017، عُثر على تمثال كريستوفر كولومبس البرونزي مقطوع الرأس في منتزه يونكرز شمال نيويورك، ولم تكن الحادثة الأولى التي يتعرض فيها تماثيل لكولومبوس لهذا النوع من الممارسات التي تُظهر الاعتراض على الاحتفاء بكولومبوس.

 

 

 

وفي إسبانيا عام 2015، وعلى مواقع التواصل كان وسم eldiadetodos# (يوم الجميع) ينافس وسم nadaquecelebrar# (لا شيء للاحتفال)، في ذكرى اكتشاف كولومبوس العالم الجديد، وقالت رئيسة بلدية برشلونة آدا كولاو في تغريدة على موقع «تويتر»: «عار على الوطن ذلك الذي يحتفل بإبادة جماعية، وفوق ذلك باستعراض عسكري يكلف 800 ألف يورو»، وقال حينها خوسيه ماريا جونثاليس أستاذ التاريخ ورئيس بلدية قادس: «لم نكتشف أمريكا، ارتكبنا المذابح واحتللنا أرضًا وثقافة باسم الرب، ليس هنالك ما يُحتفل به».

 

وتصاعدت في الولايات المتحدة المطالبات بإزالة التماثيل التي تمجّد كولومبوس وإجراء محاكمة تاريخية بسبب عمليات الإبادة التي تسبب في ارتكابها ضد السكان المحليين لأمريكا، ونقل السكان الأفارقة من المستعمرات الأفريقية وبيعهم كعبيد، وهي الحملة التي أثارت غضب الجالية الإيطالية فهي تدافع عن الإرث الإيطالي في التاريخ الأمريكي وتؤكد أنه لا يمكن محاكمة كولمبوس الذي عاش قبل القرن الخامس عشر بمعايير القرن الواحد والعشرين.

 

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أكّد في بيان أصدره البيت الأبيض استمرار الولايات المتحدة في الاحتفال بكولومبوس واعتباره رمزًا وطنيًا أمريكيًا. ويُقام الاحتفال منذ أعلنه الرئيس روزفلت في ثلاثينيات القرن الماضي في الثاني من أكتوبر (تشرين) كل عام، عيدًا أميركيًا رسميًا تُعطّل خلاله كل المؤسسات الفدرالية الأمريكية، ويترأّسه رجل يلبس الملابس الخاصة بالبحار كولومبوس وتصحبه الموسيقى والخيول والأعلام.

 

وقد شهدت السنوات الأخيرة تحطيم عدة تماثل لكولومبوس في أنحاء الولايات المتحدة وعدة دول أخرى وتلطيخها باللون الأحمر، و في حديقة كولومبوس التذكارية في يونكرز في نيويورك جرى قطع رأسه بآلة حادة غير معروفة، وعلى أثر هذه الأعمال عام 2017 أعلن عمدة نيويورك عن بدء مراجعة للرموز المثيرة للجدل والتي تزين تماثيلها الأماكن العامة في المدينة.

 

واليوم في فنزويلا جرى تغيير اسم العطلة منذ عام 2002، ليصبح «يوم صمود السكان الأصليين» وفي الأرجنتين أُطلق عليه «يوم احترام التنوع الثقافي» وفي بوليفيا أصبح «يوم إنهاء الاستعمار» وفي الإكوادور «يوم تنوع الثقافات» وفي تشيلي «يوم اللقاء بين عالمين»، وقررت لوس أنجلوس تغيير اسم عطلة 12 أكتوبر (تشرين الأول) من «يوم كولومبوس» إلى «يوم الشعوب الأصلية» لتكون أول وأكبر مدينة تُجري هذا التغيير في الولايات المتحدة، ويبدو أن دولًا أخرى ستنضم للقائمة.

 

 

هل كان كولومبوس بطلًا حقًا ؟

كانت وثيقة غير منشورة عُثر عليها في الأرشيف العام لسيمانكاس في بلد الوليد -وكانت تعتبر مقر الحكم في إسبانيا في تلك الفترة- قد أشارت إلى إقامة محاكمة لكولومبوس عام 1500 وتجريده من ألقابه البحرية بسبب ما ارتكبه في الأرض المكتشفة، وتُظهر أنه عرّض رجاله لجوع حقيقي ولم يعدل في توزيعه للغذاء والمؤن بينهم، واعتُبرت الوثيقة «النص الأكثر أهمية في السنوات المئة الأخيرة الذي يشهد على ما حدث في المستعمرة»، وتتضمن الوثيقة شهادات بعض السكان الأصليين والمرافقين للبحّار وبينهم أخويه دييغو وبارتوميلو.

 

وأوضح المؤرخ كونسويلو فاريلا والباحث في المجلس الأعلى للأبحاث العلمية الذي تولى دراسة الوثيقة أن بها ما يهدم الأسطورة، ويؤكد: «كنا نعلم أن الأمور لم تعد في يده لكننا لم نكن نعرف الأسباب الحقيقية». كما يكشف عن حقائق حول حياة المستعمرة والإسبان الذين رافقوا كولمبوس وخلافاتهم هناك.

 

 

 

لكن لويسإانريكي نييتو، الباحث في جامعة ديل روساريو في كولومبيا، يقول إن اكتشاف الأمريكتين أيضًا لم يكن ليحدث لولا إصرار كولومبوس على تنفيذ مشروعه وسعيه في بلاط الحكام في أوروبا للحصول على تمويل له: «كان لديه الدأب لتجاوز حدود ما كان معروفًا حينها، والرغبة في تقديم مساهمة كبيرة ليشرح العالم. ونقل حدود المعرفة بهذه الطريقة – في أي مجال – هو ما يقود الإنسانية للتقدم».

 

فُقدت كثير من أوراق كولومبوس وبقي بعضها احتفظ بها ابنه هيرناندو، وهو في مذكراته يتحدث عن جمال الهنود ووداعتهم وأرضهم السخية وكيف أنهم يعيشون فيها عراة وأنهم ليسوا مسيحيين، وهو ربما أراد بهذا تحديدًا أن يغازل الملكين الكاثوليكيين ليقنعهم بالدور المهم الذي سيلعبانه، خاصة وأنهما كانا يربطان هذا الاكتشاف بدورهما في الحرب المقدسة التي تكللت في العام نفسه (1492) بالاستيلاء على مملكة غرناطة وتوسيع «مملكة الرب على الأرض».

 

رغم هذا يقول أغلب الخبراء إن المعايير الأخلاقية اليوم، لا يجب أن تحكم نظرتنا على التاريخ، فضلًا عن أنه سيكون من الظلم إلقاء اللوم على كولومبوس وحده فيما جرى لقرون في أمريكا، فيما لا ينكرون أهمية ما يحدث من اعتراضات ومناقشات حول التماثيل التي تحمل أسماء «الغزاة» في أن تعرف الشعوب حقيقة تاريخها ووقائعه.

ایثار جمال

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها