نشر : أكتوبر 12 ,2018 | Time : 04:24 | ID : 175248 |

3 قصص من التاريخ تشرح لك كيف يقضي طيش وطغيان الملوك على عرش أجدادهم

 

شفقنا- هذه المقولة الشهيرة تعود لعائشة الحُرّة، أمّ أبي عبد الله الصغير آخر ملوك غرناطة المسلمين، بعد أن وقّع على اتفاقيّة الاستسلام مع الملوك الإسبان، مُعبّرةً عن حالة الإحباط من تفريط ابنها في مُلك أجداده في الأندلس. لكن قصّة أبي عبد الله تكرّرت كثيرًا في التاريخ، حين يستلم الابن مُلك أجداده الذين تداولوا على العرش لسنين طويلة، يورّثه كل جيل للجيل الذي يليه؛ ليأتي في النهاية ملِك تنقطع على يديه السلالة الملكيّة بسبب الانقلابات، أو السخط الشعبيّ، أو مؤامرات القصر.

إليك عزيزي القارئ، ثلاث قصص خلّدها التاريخ لملوك لم يستطيعوا الحفاظ على مُلك أجدادهم.

 

ريتشارد الثالث.. أشباح «الأميرين في القلعة»

قبل 500 سنة مضت كانت إنجلترا غارقة في حرب طاحنة بسبب لون الوردة الموجودة على رايات الأطراف المتصارعة. مئات الآلاف من القتلى راحوا ضحيّة حروبٍ أهليّة طويلة بين عائلتين عريقتين تسعيان للوصول إلى العرش الملكيّ: عائلة يورك التي تتّخذ الوردة البيضاء رمزًا لها من جهة، وعائلة لانكاستر من الطرف المقابل متّخذة الوردة الحمراء رمزًا لها، ولذلك سمّيت الحروب بينهم بـ«حروب الورد».

 

 

أولى معارك الحرب كانت معركة سانت آلبانز الأولى سنة 1455، والتي شهدت انتصارًا ساحقًا لعائلة يورك بقيادة ريتشارد على حساب عائلة لانكاستر، وقد جرى القبض على الملك هنري الخامس – من عائلة لانكاستر – الذي كان يشغل منصب ملِك إنجلترا، وتم إيداعه السجن؛ ثم التفاوض على إخراجه مقابل الاعتراف بإدوراد الرابع من يورك باعتباره حامي العرش، وبالتالي الملك الفعليّ. لتبدأ حقبة مُلك عائلة يورك على إنجلترا.

 

بعد عدّة حروب وانتقال فعلي للسلطة بين العائلتين، ثمّ حسمها لصالح عائلة يورك، بدأ الانقسام والصراع على العرش داخل عائلة يورك نفسها؛ إذ استطاع ريتشارد الثالث، أخو إدوارد الرابع، من السيطرة على الحُكم بعد أن أبعد أبناء أخيه عن السُلطة؛ وذلك بحجّة أن إدوارد كانت له زيجات سريّة، وبالتالي فإن أبناءه غير شرعيّين، ولا يجوز لهم اعتلاء العرش.

 

ومن أجل إبعاد هؤلاء الأبناء الصغار عن المشهد، وضمان عدم مطالبتهم بمُلك أبيهم، أمر الملك ريتشارد الثالث باحتجازهم داخل قلعة لندن، وهناك اختفوا للأبد، ولم يُعرف مصيرهم، إن كانوا قُتلوا أم لا. وعند احتجازهما في القلعة لم يتجاوز الصبيّان الطفولة؛ فالابن الأكبر كان في سنّ 12 من عمره، بينما كان أخوه الأصغر في سنّ التاسعة؛ ممّا صنع حالة من التعاطف مع هاتين الشخصيّتين باعتبارهما شهيديْن قُتلا على يد عمّهما، لا لشيء إلا لمنعهما من مُزاحمته على السلطة. ورُغم أن الاعتقاد السائد حينها هو مقتلهما داخل القلعة، إلا أن هناك بعض الروايات التي تفيد بهروبهما، وأُخرى تبرّئ ريتشارد الثالث من دمهما، لكن سرعان ما تحوّلا إلى رمز يثير الحيرة والتعاطف.

 

«الأميران في القلعة» أصبح عنوانًا كبيرًا يحكي سرّ اختفاء هذين الأميريْن، هذا السر الذي يكتنفه الكثير من الغموض والتكهّنات حول مصيرهما وتفاصيل يوميّاتهما داخل القلعة، مع استنكار كبير لهذه الفعلة الفظيعة التي أقدم عليها ريتشارد الثالث؛ إذ لا يزال مشتهرًا بدمويّته حتى الآن بسبب ما اقترفه في حقّ أبناء أخيه.

 

وقد حفّز هذا الغموض المحيط بمصيرهما مخيّلة السينميائيّين والكتّاب والشعراء، والذين كان أبرزهم ويليام شيكسبير الذي خلّد ذكراهما في مسرحيّته «ريتشارد الثالث» في هذا المقطع:

 

لقد تمّت الفعلة الأثيمة،

أبشع ما اقترفته هذه اليد، من مذابح مفجعة،

لقد بكى ديتون وفورست، اللذان عهدت إليهما اقتراف تلك المجزرة الفظيعة،

بكيا كالأطفال، وذابا من الرحمة والعطف، وهما يقصّان عليّ ما فعلاه.

ورغم أنهما وغدان ضاريان كالكلاب.

وقال ديتون: انظر! هكذا كان ينام هذان الطفلان الوديعان

وقال فورست: هكذا، هكذا، متعانقين.

بأذرعهما المرميّة البريئة: وكانت شفاههما كوردات أربع على أعوادها،

تقبّل كلٌّ أختها، وقد خلع الصيف عليها جماله.

 

وانتهى مُلك ريتشارد الثالث بمقتله في إحدى معارك حرب الورود؛ لينتهي على يديْه حُكم عائلة يورك إلى الأبد؛ ويكون بذلك آخر ملوك إنجلترا الذين ماتوا أثناء الحرب، ويبقى الجدل حول ما فعله بالأميريْن في القلعة باقيًا بين المؤرّخين لحدّ الساعة.

 

 

فيرديناند السابع.. الذي تحالف مع التنويريّين ثم ملأ السجون بهم

وصل فيرديناند السابع ملِك إسبانيا إلى سدّة الحكم سنة 1814 في فترة لا يُحسد عليها؛ إذ إنّ الحروب النابليونيّة كانت تحاصره من كلّ جهة، بينما تشهد مستعمرات بلاده في أمريكا اللاتينيّة ثورات وانتفاضات شعبيّة ضد الوجود الإسبانيّ بها، في الوقت الذي يعيش فيه المجتمع الداخليّ غليانًا غير مسبوق، وانقسامًا بين الليبراليين الذين يطالبون بإصلاحات دستوريّة وبين المحافظين الذين يرفضونها.

 

 

فيرديناند كان ينتمي إلى عائلة بوربون الملكيّة، وهي عائلة كانت تحكم عدّة بلدان في أوروبا، من بينها فرنسا، قبل اندلاع الثورة التي أطاحت بالملك سنة 1789؛ ولخوف الفرع الإسباني من العائلة من مصير أقاربهم في فرنسا اندلعت الحرب بين إسبانيا وفرنسا خلال ما يسمّى فترة الحروب النابليونيّة.

 

فيرديناند كان ابنَ الملك شارل السادس الذي بدأ الغضب الشعبيّ يتصاعد في عهده، ومن أجل الوصول إلى السلطة وإزاحة أبيه عن العرش تحالف فيرديناند مع الليبراليين ووعدهم بإجراء إصلاحات دستوريّة عند وصوله إلى السلطة، لكنه قُبض عليه ودخل السجن بعد اكتشاف أبيه لتآمره، وبعد انتصار نابليون في بدايات الحروب النابليونيّة وسيطرته على إسبانيا، أُجبر الملك شارل السادس على تسليم السلطة لابنه فيرديناند، لكنه لم يعمّر سوى مدّة قصيرة، ليقبض عليه الفرنسيّون ويودعوه السجن في فرنسا.

 

بعد القضاء على حملة نابليون عاد فيرديناند إلى العرش الإسبانيّ باعتباره الوريث الشرعيّ، لكن البرلمان الإسبانيّ الذي يسيطر عليه الليبراليون المتأثّرون بالثورة الفرنسيّة اشترطوا عليه عدّة شروط مقابل عودته؛ إذ فرضوا عليه دستور سنة 1812 الذي يحدّ من سلطاته بشكل كبير، وأصدروا كذلك قرارات بتأميم ممتلكات الكنائس، وتنظيم الضرائب، ومركزيّة السلطة، وغيرها من القوانين التي اعتبر فيرديناند أنّها تكبّله وتصادر سلطاته. وسرعان ما انطلق فيرديناند في حملة قمعيّة شديدة ضد الليبراليين والمثقّفين، فسجن العشرات منهم وأمر بنفي الآخرين، وقام بالتضييق على الصحافة وحظر المسرح من أجل التخلّص من أيّة أصوات معارضة له ليمسك بزمام المُلك بالحديد والنار.

 

هذه القبضة الحديديّة كانت إحدى العوامل التي أدخلت إسبانيا عدّة انتفاضات بسبب الغضب الشعبيّ، فخلال فترة حُكم فيرديناند خسرت إسبانيا كلّ مستعمراتها في أمريكا اللاتينيّة بسبب الانتفاضات والحركات الاستقلاليّة، ودخلت البلاد أيضًا في حرب أهليّة طاحنة إثر وفاته سنة 1933، بعد أن أُعلنت ابنته إيزابيلا الثانية وريثة للعرش، في عُمر لا يتجاوز الثالثة. وبسبب هذه «الحروب الكارليّة» التي اندلعت إثر وفاة فيرديناند، فقدت عائلة بوربون السُلطة بسبب الثورة التي أطاحت بحُكم إيزابيلا سنة 1868، ودخلت إسبانيا في متاهة من الثورات والانتفاضات الداخليّة.

 

 

محمد رضا بهلوي.. الذي أنهى حكم السلالة البهلويّة لإيران

محمد رضا بهلوي هو ابن الجنرال رضا بهلوي الذي وصل إلى السلطة بعد خلع الشاه أحمد ميرزا، وأعلن نفسه شاهًا لإيران سنة 1925، وبعد احتلال إيران من طرف بريطانيا والاتحاد السوفيتي أُجبر رضا بهلوي على ترك المُلك سنة 1941، وجرى نفيه خارج البلاد؛ لتنتقل السلطة إلى ابنه الأكبر محمد رضا بهلوي آخر شاه لإيران.

 

محمد رضا بهلوي، آخر شاه لإيران

 

بدأ الشاه الجديد الذي تلقّى تعليمه في سويسرا خطّة لتحديث المجتمع الإيراني من خلال مجموعة من إصلاحات التي سمّيت بـ«الثورة البيضاء» أو «ثورة الملك والشعب»، وأراد كذلك تجنّب مصير والده الذي أثار غضب القوى الكُبرى، فسعى للتقرّب من كل من بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل، واتّسمت طريقة حكمه بقمع المعارضة والتضييق على الصحافة، بالإضافة إلى القبضة الحديدية التي خنق بها جهاز «السافاك» الحياة السياسية والاجتماعيّة في إيران، وشهد عهده عدّة حوادث قتل للمتظاهرين، من بينها مقتل 22 من أتباع الخُميني على يد الشرطة الإيرانيّة أمام حوزته حين كان يستعدّ لإلقاء خطاب بمناسبة الذكرى السنوية لموت الإمام جعفر الصادق.

 

في أكتوبر (تشرين الأول) 1971 أقام الشاه احتفالًا بالذكرى 2500 لتأسيس الإمبراطوريّة الفارسيّة، شهدت مستويات تاريخّية من البذخ والتبذير؛ إذ صُرفت عليه مبالغ قدّرت بـ20 مليون دولار؛ ودُعي إليه عدة رؤساء وأمراء لحضور الحفل الذي يحوي تفاصيل مذهلة، إذ جرى نقل 50 ألف طائر للتغريد وإضفاء أجواء لطيفة على الحضور، وتم التعاقد كذلك مع طاقم إخراج من هوليوود لتصوير الحفل، ونقلت عدّة قوالب ثلجيّة عبر طائرات الهيلكوبتر إلى الصحراء من أجل استخدامها في النبيذ الأحمر، وقُدّمت أغلى المأكولات والمشروبات وأندرها؛ وقد اعتُبر حينها أغلى حفل في العالم، كما يرى بعض المحلّلين أنه كان أحد أسباب اندلاع الثورة الإيرانية بعدها بثماني سنوات، إذ إنّ الحضور من مختلف أنحاء العالم حظوا بأجواء احتفاليّة، بينما كانت تعاني الطبقات الشعبيّة الفقر والقمع والبطالة.

 

 

 

حينما وصل الرئيس الأمريكي إلى طهران وصف إيران بأنّها «جزيرة الاستقرار» في ظلّ شرق أوسط مشتعل. ومن المؤكّد أن الاستقرار الذي كان يقصده الرئيس الأمريكي، هو ذلك المتعلّق بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية في إيران، وليس على الصعيد الشعبيّ. فبينما كان الشارع الإيراني يشهد حالة من الغليان والسخط من سياسات الشاه القمعيّة، خصوصًا بعد الانقلاب على رئيس الوزراء المنتخب محمّد مصدّق من طرف الشاه بالتعاون مع الأمريكيين والبريطانيين، كانت السلطة في إيران تتمتّع بلقب «شُرطي المنطقة»؛ إذ كانت تحظى بعلاقات استثنائيّة مع إسرائيل، التي تعاونت معها في مجال الاستخبارات بين جهازيّ الموساد الاسرائيلي والسافاك الإيراني.

 

القبضة الحديديّة للأجهزة الأمنيّة الإيرانيّة وتعاونها مع «وكالة الاستخبارت الأمريكية (سي آي إيه)» والموساد الإسرائيلي من أجل قمع الحراك المُعارض، لم ينفع الشاه للحفاظ على مُلك أبيه، ففي سنة 1978 انطلقت المظاهرات والاحتجاجات العارمة في إيران المطالبة بخلعه فيما يُعرف بالثورة الإيرانية، ورغم محاولة قوّات الأمن التصدّي لها بالقوّة؛ ما نجم عن مقتل أكثر من 4 آلاف قتيل في يوم الجمعة السوداء في الثامن من سبتمبر (أيلول) 1978؛ لكن خروج عشرات الآلاف إلى الشوارع رافضين أي تسوية مع السُلطة سرعان ما عجّل بركوب الشاه الطائرة ورحيله عن إيران إلى الأبد، وانتهاء عهد الحكم الملكي للسلالة البهلويّة نهائيًّا بتأسيس الجمهورية الإيرانية الإسلاميّة.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها