نشر : أكتوبر 25 ,2018 | Time : 03:26 | ID : 176265 |

«ترامب المتناقض».. هل يريد دولارًا قويًّا أم ضعيفًا؟

شفقنا- منذ تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في 20 يناير (كانون الثاني) 2017، لم يفصح عن سياسة واضحة للتعامل مع الدولار، لكنه دائمًا ما كان مؤثرًا مباشرًا بقراراته الاقتصادية في سعر الدولار وحركته صعودًا وهبوطًا، الأمر الذي يعد طبيعيًّا، وفي الوقت الذي تخيل الجميع أن يفجر ترامب مفاجأة من خلال اختيار قيادة جديدة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كشف في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عن اختيار جيروم باول، هذا الاختيار الذي بدا الأنسب للجميع؛ إذ كان انتقالًا سلسًا ونال إشادة الأغلبية، بعد أن كان هذا الأمر مصدر قلق كبير للأسواق، بينما ظلت سياسة ترامب مبهمة إلى حدٍّ كبير.

 

ويمكن القول بأنه حتى نهاية 2017 كان الأمر شبه مستقر، ولم تظهر ملامح سياسة ما يتبعها ترامب تجاه الدولار، بالرغم من أن العملة الأمريكية سجلت أكبر هبوط سنوي منذ 2003 خلال هذا العام، إذ أنهى الدولار العام على خسارة قدرها 9.5%، وانخفضت العملة الأمريكية أمام كلٍّ من اليورو، والين الياباني، والجنيه الإسترليني، والدولار الكندي، والكرونة السويدية، والفرنك السويسري، وتعد هذه العملات مكونات مؤشر الدولار.

 

ملامح تناقض ترامب في التعامل مع الدولار

مع بداية عام 2018 وتحديدًا يناير الماضي، قال وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن منوتشين، خلال مشاركته بـ«المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا: «إن تراجع الدولار أفاد الميزان التجاري»، وأثارت هذه الجملة الكثير من الجدل، وكانت أحد أبرز الأسباب في الزلزال الذي هز أسواق المال في أولى جلسات التداول خلال فبراير (شباط) الماضي؛ إذ عكست هذه الجملة وجهة نظر الإدارة الأمريكية الحالية، من حيث تبنيها سياسة الدولار الضعيف.

 

هذا الاتجاه سبق وأن تحدث عنه الرئيس الأمريكي في أكثر من مناسبة، سواء قبل الانتخابات، أو حتى بعد تنصيبه، لكن لم يكن بهذا الوضوح، ولم يؤثر بشكل مباشر في الأسواق، لذلك كان تصريح منوتشين صادمًا للأسواق، وبالرغم من أن الإدارة الأمريكية كانت على ما يبدو سعيدة بهذه السياسة، وترى أنها تحقق أهدافها الاقتصادية، إلا أنه -وفجأة- بدأ ترامب يقنع الأمريكيين بمزايا الدولار القوي في تراجع واضح عن سياسته الأولى وبتناقض صريح، بل إنه في 16 أغسطس (آب) الماضي تباهى بقوة الدولار؛ إذ كتب على حسابه بتويتر: ـ«المال يتدفق على دولارنا العزيز بشكل لم يسبق له مثيل»، في إشارة إلى إعجاب ترامب بقوة الدولار التي قادت الأموال نحو أمريكا.

 

هذا التباهي لم يمر عليه سوى أربعة أيام فقط، ثم خرج ترامب ليكشف عن تناقض جديد في نظرته إلى الدولار، إذ كشف الرئيس الأمريكي عن عدم سعادته برئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي، قائلًا خلال مقابلة له مع ـ«رويترز»: «لست سعيدًا للغاية برفعه أسعار الفائدة، لا لست سعيدًا»، وذلك في إشارة لجيروم باول، بمعنى أن رفع الفائدة يزيد الدولار قوة، وهو ما لا يحتاجه ترامب في حربه التجارية، موضحًا: «يجب أن أحصل على بعض المساعدة من مجلس الاحتياطي الاتحادي. الدول الأخرى يجري احتواؤها»، في إشارة إلى أنه يريد من المركزي عدم رفع الفائدة.

 

حديث ترامب هذا عاد بنا مرة أخرى للاعتقاد في أن ترامب يريد دولارًا ضعيفًا، وذلك في تناقض واضح مع حديثه أن الدولار القوي عزز المال المتدفق، فالرجل يستحضر الدولار القوي في حديثه للتباهي، ويسعى نحو الدولار الضعيف عند حديثه عن العجز التجاري وحربه التي يخوضها مع الصين، لكن على كلٍّ ما الذي يحققه الدولار الضعيف والدولار القوي للاقتصاد الأمريكي والعالمي؟

 

الدولار الضعيف.. مميزات وعيوب

سبق وأن حاولت أمريكا دفع الدولار نحو الانخفاض، وذلك أكثر من مرة منذ بداية الألفية الجديدة؛ بهدف زيادة الصادرات، وتقليل عجز الميزان التجاري؛ إذ إن تفاقم العجز التجاري هو إحدى المشكلات الاقتصادية التي تواجه أكبر اقتصاد في العالم؛ لأنه سبب أساسي في زيادة الديون التي تجاوزت كل الحدود، وعندما ننظر إلى الأرقام الأمريكية للعجز التجاري؛ نجد أن العجز قفز خلال عام 2017 بالكامل بنسبة 12.1% أي حوالي 566 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2008، ويشكل هذا الرقم حرجًا كبيرًا لإدارة ترامب.

 

بينما الأمر الذي يشكل حرجًا أكبر، هو أن الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة في عام 2017 بلغ أعلى مستوى على الإطلاق مسجلًا 275.81 مليار دولار، وهذا الرقم شديد الحساسية بالنسبة للبلاد، الأمر الذي يجعل ترامب مطالبًا بعلاج هذا الخلل سريعًا.

 

 

وبشكلٍ عام يعد تراجع الدولار جزءًا أساسيًّا من عملية تصحيح الحساب الجاري، وليس الميزان التجاري فقط؛ فضعف الدولار يندرج تحته عدة تطورات اقتصادية، أهمها: ارتفاع معدلات أسعار الفائدة، وزيادة الطلب الكلي، والتي تؤثر بدورها في الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى زيادة الاستثمارات، والتي بات المناخ مناسبًا جدًا لها بعد قانون خفض الضرائب الذي أقره ترامب.

 

لكن يبقى هدف تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية أهم أهداف الدولار الضعيف، وهو الأمر الذي يجعل من احتياج ترامب لدولار ضعيف أمرًا منطقيًّا، إلا أن هذا الاتجاه قد يحرم الدولار من جزء كبير من هيمنته العالمية التي تتوسع دائرة المتربصين بها حاليًا، فقد لاحظنا أن الدولار عندما خسر 9.5% من قيمته في 2017، تراجعت حصته في الاحتياطيات العالمية للنقد الأجنبي إلى أدنى مستوى منذ منتصف 2014، وذلك خلال الربع الثالث من 2017 في ثالث انخفاض فصلي على التوالي لحصة الدولار الأمريكي في الاحتياطات العالمية، بحسب ما أظهرت بيانات صدرت عن «صندوق النقد الدولي».

 

ويعد الدولار الضعيف فرصة لدول مثل الصين وروسيا وتركيا لجذب دول أخرى لمعسكر الانقلاب على الدولار في سبيل دعم عملاتهم المحلية، بالإضافة إلى تعزيز مكانة الذهب في خريطة احتياطيات العالم، وهو ما يعتبر العيب الأبرز الذي يجب أن يخشاه الأمريكيون في مسيرة الدولار الضعيف.

 

الدولار القوي.. مميزات وعيوب

على مدار العقود الأخيرة، جنى الاقتصاد الأمريكي ثمار الدولار القوي، فدائمًا ما يذهب المستثمرون إلى العوائد الأعلى، وفي ظل استمرار الدولار في الارتفاع، نشهد نزوح شبه جماعي للأموال نحو أمريكا للاستفادة من هذا الارتفاع، سواء بشراء السندات الأمريكية، أو الاستثمار في الأسهم والعقارات التي تتضاعف قيمتها بسبب قوة الدولار، وخلال السنوات الماضية كان تحسن الاقتصادي الأمريكي مدعومًا دعمًا مباشرًا بقوة الدولار.

 

على الجانب الآخر يحافظ الدولار القوي على استمرار هيمنة العملة الأمريكية مدة أطول، فالأموال الهاربة من الأسواق الناشئة، والتي تبحث عن فائدة أعلى، ترفع كثيرًا من أسهم الدولار، خاصة أن الاقتصاد الأمريكي في حالة جيدة، ومن المتوقع نموه بنسبة 2.3% هذا العام، علاوة على تحفيز التخفيضات الضريبية الأخيرة للطلب، ويمكن القول إن الدولار القوي هو واحد من أهم عوامل نمو الاقتصاد الأمريكي في السنوات الأخيرة.

 

 

ومن ناحية أخرى، فبالرغم من كل ما يجنيه الاقتصاد الأمريكي من مميزات قوة الدولار، فإن عيوبه كذلك كبيرة، وقد تسببت في غزو الصين الأسواق الأمريكية مستغلة ضعف عملتها ورخص سلعها، وهو ما جعل البلاد تعاني من عجز كبير في الميزان التجاري كما ذكرنا، وهو أيضًا السبب الأساسي الذي يقود لأجله ترامب حربه التجارية مع الصين وأوروبا، إذ إن الدولار القوي تسبب في ضرر مباشر للصناعة المحلية الأمريكية، وفي ظل هذا الاتجاه ربما لن يختار ترامب الدولار القوي.

 

بين الدولار القوي والضعيف.. كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي؟

نحن نتحدث هنا عن العملة التي تمثل نحو 85% من العملات المتداولة في التجارة الدولية، ووصلت الاحتياطات المالية المقومة بالدولار إلى أكثر من 60% في العالم، كما أن حركة سعر الدولار صعودًا وهبوطًا من الممكن أن تحدث هزة اقتصادية عالمية، بل إن اتجاه الأموال حول العالم حاليًا مرتبط ارتباطًا مباشرًا بقيمة الدولار، لذلك بالطبع سياسة الدولار القوي أو الضعيف من أهم المؤثرات في الاقتصاد العالمي.

 

 

على مستوى الدولار الضعيف؛ ففي حال استقر ترامب على اللجوء إلى هذه السياسة سنكون أمام إعلان أمريكي صريح بإشعال حرب عملات، باعتبارها وسيلة أساسية لحرب تجارية ستنال من الصادرات الأوروبية واليابانية والصينية؛ إذ إن الدولار هو أهم سلاح في هذه الحرب، أي أن الاقتصاد العالمي يتعرض لخسائر كبيرة في هذه الحالة، لكن كثيرًا من دول العالم ستستريح من شبح الدولار القوي الذي ينال من معظم عملات العالم، في حين أن الاستثمارات لن تتمركز في أمريكا فقط، وهو أمر إيجابي بالطبع مقارنة بالنزوح الجماعي للأموال، وقد تتراجع هيمنة الدولار عالميًّا كما حدث في 2017.

 

 

على الجانب الآخر فإن ضعف الدولار يعني قوة اليورو، أي ظروف مالية أصعب في أوروبا، وهو ما قد يضر بالاستقرار المالي والاقتصادي في أوروبا، فلا يرغب الأوروبيون في ارتفاع اليورو بشدة أمام الدولار، بعكس الأسواق الناشئة التي تتمنى هبوط الدولار، وخاصة تلك الدول التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي، فإن انخفاض سعر الدولار في صالحها تمامًا، فعندما تنخفض قيمة الدولار، فإن ذلك يتيح لها خفض معدلات الفائدة بما يدعم النمو الاقتصادي.

 

 

لكن عندما نتكلم عن الدولار القوي فإننا أمام رحلة طويلة من هيمنة العملة الأمريكية، فقوة الدولار تجعله على القمة مدة أطول حتى رغم تضرر الاقتصاد الأمريكي من هذه القوة على المستوى التجاري، لكنه يجني عدة فوائد اقتصادية مهمة من خلال الاستفادة من هذه القوة؛ أبرزها القدرة على الاقتراض بالدولار، والذي هو بالأساس عملة البلاد المحلية، بينما تظل أمريكا مركز بيع الخدمات المصرفية إلى بقية العالم، وصاحبة الرقابة التنظيمية على معظم أموال العالم تقريبًا.

 

لكن من جانبها ستجني الدول المصدرة فوائد هذه القوة من خلال تمكنها من تصدير سلعها ذات الميزة التنافسية مقابل الدولار، بينما ستعاني الأسواق الناشئة من ضعف العملة، خاصة تلك التي تربط عملتها بالدولار، فعند ارتفاع قيمة الدولار، ستُضطر تلك الدول إلى اتباع سياسة نقدية تقشفية لمواكبة هذا الارتفاع.

 

ومن خلال قراءة المعطيات السابقة، يمكن القول بأن ترامب لا يريد حاليًا الخسارة في حربه التجارية المشتعلة مع الصين، لذلك فهو في حاجة ملحة لدولار أقل قوة يمكنه من المنافسة التجارية، وخفض عجز الميزان التجاري الذي يسجل مستويات قياسية خلال الأشهر الماضية.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها