نشر : أكتوبر 28 ,2018 | Time : 04:36 | ID : 176457 |

الإعلام الأميركي يعيد حساباته في اليمن

شفقنا- يبدو أن جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي ستكون نقطة التحول في كيفية تغطية المأساة اليمنية ودور المملكة العربية السعودية فيها داخل المؤسسات الإعلامية الأميركية. وظهر أول معالم هذا التحول في صحيفة “نيويورك تايمز” التي قررت نشر صور من اليمن، وصفتها بـ “الأكثر إرباكاً”.

وأوضحت “نيويورك تايمز” أسباب لجوئها إلى نشر مثل هذه الصور، فكتب الصحافيان، إريك ناغورني ومايكل سلاكمان، أن “بعض القراء سيرغبون في إشاحة نظرهم عنها، والبعض الآخر سيريد معرفة الأسباب وراء نشرنا هذه الصور أصلاً”، وأضافا “نطلب منك النظر لأن هذه وظيفتنا كصحافيين؛ إعطاء صوت إلى الذين تُركوا وحدهم، إلى الضحايا، إلى المنسيين. مراسلونا ومصورونا يبذلون جهوداً كبيرة ويعرضون حياتهم للخطر غالباً للقيام بالمهمة هذه”.

 

وحولت القراء إلى تقريرها بعنوان “مأساة حرب السعودية” الذي أعدّه الصحافي، ديكلان والش، والتقط صوره، تايلر هيكس. وأشارت إلى أن والش وهيكس كان عليهما “إيجاد طريقهما في بلد دمرته الحرب، واجتياز صدمتهما العاطفية”.

وأشار ناغورني وسلاكمان إلى أن النقاشات الصعبة في نيويورك، حيث مقر الصحيفة، تبعت إعداد التقرير، إذ إن “قرار نشر صور الموت ليس سهلاً”، لكن “مأساة اليمن ليست نابعة من كارثة طبيعية. بل هي أزمة بطيئة الحركة سببها قادة دول أخرى على استعداد لتحميل المدنيين معاناة تفوق الطبيعة لدفع أجنداتهم السياسية”.

وحاسبت الصحيفة الأميركية نفسها وزميلاتها، معترفة أن “الكارثة الضخمة فشلت بطريقة ما في جذب انتباه العالم بقدر ما فعل قتل رجل واحد هو الكاتب الصحافي في (واشنطن بوست) جمال خاشقجي، داخل القنصلية السعودية، في إسطنبول”.

وأقرت أن الصور “نعم وحشية، ويصعب النظر إليها، لكنها تكشف الرعب الذي يعيشه اليمن اليوم”، وتركت القرار النهائي للقارئ “يمكنك اختيار عدم النظر إليها، لكن قرّر أنت”. لكن هذه المأساة اليمنية سببها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان الذي واظب الإعلام الأميركي، وخاصة “نيويورك تايمز”، على مدحه، عبر مقالات نجمها، توماس فريدمان، بصفته “الإصلاحي الذي سيجلب الربيع العربي أخيراً إلى المملكة العربية السعودية”.

هذه “الصحوة” كثر الحديث عنها في الإعلامين العربي والغربي أخيراً، إذ تساءل كثيرون، وبعضهم شكّك، في الأسباب وراء التغطية الإعلامية الواسعة التي حازتها جريمة اغتيال خاشقجي. طبعاً هذه التساؤلات محقة، خاصة إذا اعتمدنا على الرياضيات في مواجهة المعضلة: إذ مقابل مقتل رجل واحد (خاشقجي) يُقتل مدني كل 3 ساعات في اليمن، وفق ما أعلنت مؤسسة “أوكسفام”، يوم أمس الجمعة.

كما أن نحو 10 آلاف شخص قتلوا في اليمن، منذ عام 2015، وفق تقديرات الأمم المتحدة، بينما تفيد الجمعيات الحقوقية بأن الرقم الحقيقي هو 5 أضعاف هذا الرقم، إضافة إلى أن 14 مليون شخص يواجهون خطر المجاعة.

النائب عن “حزب العمال” البريطاني، لويد راسل مويل، جاوب باختصار “لأن اليمنيين الذين تقتلهم السعودية لا يكتبون لصالح (واشنطن بوست)”، في مقالة كتبها لصالح “ذا غارديان” البريطانية، في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي. هذه الإجابة الفجة، وعلى قساوتها، صحيحة إلى حد ما. إذ لا يمكن فعلياً تجاهل “الامتيازات” التي تمتع بها خاشقجي أمام الرأي العام العالمي على حساب اليمنيين.

فهو في النهاية فرد في “النخبة المثقفة في واشنطن”، متعلم، سافر حول العالم، يكتب عموداً في إحدى أهم الصحف العالمية. هذه الامتيازات لا يمكن تجاهلها على قسوتها. وهنا يمكننا طرح السؤال بطريقة مغايرة “هل كان واجباً قتل خاشقجي كي يلتفت الإعلام إلى مأساة اليمنيين؟”.

لا يمكن فعلياً تجاهل الاعتبارات العاطفية والنفسية والاجتماعية أيضاً. ومن السريالية الاستشهاد بالزعيم الروسي، جوزيف ستالين، في قضية كهذه، لكن يبدو أن مقولته تصلح هنا “موت إنسان واحد هو مأساة كبرى، وموت الملايين مجرد إحصائيات”. وقد وجد علماء النفس مراراً وتكراراً أن الناس يعانون من رد فعل عاطفي أكبر إزاء موت شخص واحد مقارنة بموت الكثيرين. حتى لو كانت الظروف متطابقة.

وبشكل أكثر تعقيداً، كلما زاد عدد الضحايا، قلّ التعاطف الذي يشعر به الأشخاص إزاء مصيبة معينة. التأثير له اسم حتى: “انهيار الرحمة”. قدرتنا على التعاطف مع الحالات الفردية أكبر بكثير من قدرتنا على التعاطف مع الحالات المأساوية الجماعية. مشاعرنا للأسف لا تتعاظم مع عدد الضحايا.

بالعودة إلى نقطة التحول، أشارت الأبحاث التي أجراها عالم الاجتماع، آري أدوت، إلى أنها ديناميكية تُعرف باسم “المعرفة المشتركة”، أي تصبح المجموعة أكثر استعداداً للتصرف إزاء المخالفين عندما يعرف كل فرد أن كل عضو آخر يعرف عن هذا التجاوز. وهذا يخلق ضغطاً اجتماعياً متوقعاً للتصرف.

لا يمكن القول إن تجاوزات السعودية كانت مجهولة سابقاً. لكن لم يكن هناك تفاهم مشترك حول كيفية التعاطي معها، وهنا لا بد من التنويه إلى دور “واشنطن بوست” التي قادت الضغط الإعلامي في قضية خاشقجي، وبالتالي يمكننا القول إن موت خاشقجي فتح الباب أمام محاسبة السعودية على أخطائها السابقة واللاحقة، لأن من الواضح أن العالم يختلف إزاء موقفه من اليمن، لكن هناك شبه إجماع على إدانة قتل صحافي، وليس أي صحافي، بل صحافي في مؤسسة أميركية.

*العربي الجديد

انتهى

www.ar.shafaqna.com/ انتها