نشر : نوفمبر 4 ,2018 | Time : 04:05 | ID : 176865 |

صُحف بريطانية اختارت تشويه سُمعة المسلمين بلا رحمة.. لكن هذا «الرجل المُهذب» يقف لهم بالمرصاد

شفقنا- نادراً ما تأتي الأخبار عن المسلمين في الصحف البريطانية إيجابيةً، لكنَّها وافرةٌ طوال الوقت. انظر مثلاً إلى هذه العناوين الإخبارية المنشورة على مدار شهرٍ عادي قرب نهاية عام 2016. ففي صحيفة The Times يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، نُشرت مقالة بعنوان: «مدرسة إسلامية تفصل بين الفتيان والفتيات». وورد في موقع Daily Express بعد 9 أيام: «تصاعد الغضب إثر انضمام أقل من ثُلث الدول الإسلامية إلى التحالف ضد داعش». أما الموقع الإلكتروني لصحيفة The Sun، فذكر يوم 1 ديسمبر/كانون الأول: «السر في أمان: نصف المسلمين البريطانيين لن يذهبوا إلى الشرطة إذا علموا بصلة شخصٍ ما بداعش». وكتب موقع Daily Express في اليوم التالي: «العملة الجديدة من فئة 5 جنيهات إسترلينية يُمكن حظرها بواسطة المجموعات الدينية إثر عدم قدرة البنك على تأكيد كونها حلالاً». وذكرت ITV News في نفس اليوم: «نصف مسلمي المملكة المتحدة لن يبلغوا عن المتشددين». وبعد يومين، ورد في صحيفة Sunday Times: «معاقل الإسلام ترى المملكة المتحدة عبارة عن دولةٍ مسلمة بنسبة 75%». وذكر موقع The Mail on Sunday في اليوم نفسه: «تقرير صادم يكشف أنَّ المسلمين البريطانيين المنعزلين أصبحوا منفصلين عن بقية المجتمع لدرجة أنَّهم يرون المملكة المتحدة كدولةٍ مسلمة بنسبة 75%». وفي روايةٍ أخرى على موقع صحيفة The Sun: «تقرير يكشف أنَّ المسلمين البريطانيين منعزلون عن المجتمع لدرجة أنَّهم يعتقدون أنَّ 75% من المملكة المتحدة مسلمون».

الجالية الإسلامية.. تلفيقات مستمرة دون دليل

لا تتعرض جاليةٌ أخرى داخل بريطانيا لمثل هذه السيول من النقد المستمر في الصحف. لكنَّ هذا ليس الشيء الأفظع بشأن هذه المقالات. ففي الحقيقة، كل واحدةٍ منها مُضللةٌ للغاية. وهي ليست فقط مليئة بالقليل من المُغالطات. لكنَّ الفرضية الرئيسية لكلٍ منها، التي تُذكَر في العنوان الرئيسي، عادةً ما تكون خاطئةً تماماً، حسب صحيفة The Guardian البريطانية. وفي كل حالةٍ منها، اضطرت الصحف لتصحيح مقالاتها أو سحبها أو إعادة كتابتها. فلم يكن هنالك دليلٌ يفترض أنَّ المجموعات المسلمة هي الوحيدة القلقة بشأن العملات النقدية الجديدة كما أشارت كلمة «حلال». أما الروايات عن «المسلمين المنعزلين» الذين «انفصلوا عن المجتمع»، فكانت تفتقر إلى الدقة في مجملها. وفي الواقع، وجد تقريرٌ حكومي مدرسةً ثانويةً واحدةً يعتقد طلابها الذين تعود أصول معظمهم إلى جنوب آسيا عند استطلاع آرائهم أنَّ نسبة الآسيويين في بريطانيا تتراوح بين 50% و90%، إذ «كانت هذه هي معرفتهم الحياتية في ما يتعلق بهذا الصدد». وبعكس ما ورد في العناوين، لم يجد التقرير «معاقل» إسلاميةً؛ بل لم يأت التقرير على أي إشارةٍ للدين على الإطلاق.

الرجل الذي يحارب الإسلاموفوبيا

يُمكن العثور على كل هذه التلفيقات مُدرجةً في جدول بياناتٍ على برنامج Excel تحت رعاية مقداد فيرسي، وهو رجلٌ ودود أشعث المظهر مفعم بالحيوية، جعل مهمته الشخصية الاضطلاع بمواجهة الإسلاموفوبيا في الصحف البريطانية بكل صبرٍ وأدب. قدَّم فيرسي اعتراضاتٍ رسميةٍ على الأخطاء الواردة في كلٍّ من هذه المقالات إلى «منظمة معايير الصحافة المستقلة»، وهي الجهة التنظيمية التي وافق معظم الناشرين البريطانيين على الالتزام بمعاييرها. وأجبرت المنظمة الصحف على تصحيح جميع الأخطاء. قائمة جدول بيانات العار هذه التي أعدها فيرسي طويلة، وتحوي كمّاً كبيراً من الشكاوى لدرجة أنَّه أصبح من الصعب تصديق حقيقة أنَّ هذه الأخطاء كلها مصادفة. وحين تتصفحها، ترى الوثيقة روايةً صريحةً عن الطريقة الصارخة التي تحصل بها الصحف البريطانية على أخبارها المغلوطة عن المسلمين، وتوضِّح إلى أي مدى تُعيد تلك الصحف استخدام نفس القوالب النمطية. كلنا سمعنا عن تلك القوالب النمطية، مثل: المسلمون لا يدينون بالولاء لهذا البلد؛ المسلم مُحافظٌ بشدةٍ لدرجةٍ تجعله عتيقاً عملياً؛ المسلم يفرض طريقة حياته على الآخرين. لا يتمركز أولئك المسلمون الوارد ذكرهم في منطقة بريك لين بلندن أو سمول هيث في برمنغهام، بل يتواجدون فقط على صفحات الصحف البريطانية.

مقداد فيرسي يقف بالمرصاد للإعلام البريطاني

يعمل فيرسي مساعداً للأمين العام للمجلس الإسلامي البريطاني، وهي المنظمة الأم التي تضم تحت لوائها مئات المساجد والجمعيات الخيرية وغيرها من الهيئات الدينية. ويعمل أيضاً بدوامٍ كاملٍ في إدارة وكالة سفر قرب هيندون بارك في شمال غرب لندن. وفي وقت فراغه، يشن حملةً مثالية للشكاوى، جاهزةً دائماً للإبلاغ عن التقصير أو التحيز أو الإثارة المتعمدة في نقل الأخبار عن المسلمين في الصحافة البريطانية. وفي جدول بياناته، تحصل الأخبار المغلوطة التي جرى تصحيحها أو تعديلها، مثل خبر العملات النقدية الحلال، على وسمٍ مُظللٍ باللون الأخضر المُبهج. لكن ما زالت غالبية الإدخالات، التي تخطى عددها الـ100 خبر، باللون الأبيض؛ إما لأنَّها لم تُصحَّح بعد أو لأنَّ شكوى فيرسي قوبلت بالرفض. وفي بعض الحالات، كتب فيرسي في عمود «الملاحظات»: «قرارٌ مروعٌ من المنظمة، من وجهة نظري»، ثم ظلَّل الخبر باللون الأصفر الغاضب.

 

حساب يومي لكل مقال عن المسلمين

يحتفظ فيرسي بجدول بياناتٍ آخر أكثر تفصيلاً: حسابٌ يوميٌ تقريبي لكل مقالٍ ورد فيه ذكر المسلمين بجميع الصحف البريطانية، بدايةً من شهر أغسطس/آب لعام 2016. ويحمل كل خبر من الأخبار، البالغ عددها 24750 تقريباً، واحداً من الأوصاف التالية: «إيجابي» أو «سلبي» أو «لا هذا ولا ذاك»، بحسب الانطباع الذي اعتقد أنَّها تنقله عن الإسلام. وفي النسخة التي أرسلها لي، بتحديثاتها حتى شهر مايو/أيار، احتوت القائمة على 14129 خبراً عنونها بأنَّها سلبية. (ووجدت دراساتٌ أكاديميةٌ أخرى أنَّ نسبة المقالات السلبية أعلى بكثير. إذ وجدت دراسةٌ أُجريت عام 2007 أنَّ 91% من المقالات المنشورة عن المسلمين والإسلام في أسبوع واحدٍ كانت سلبية. بينما وصلت النسبة إلى 70% في دراسةٍ أجرتها جامعة ليدز عام 2011، عندما عاينت 4 صحفٍ على مدار 3 أشهر). ولا يسع فيرسي أحياناً سوى أن يشعر بالغيظ بشأن معظم تلك المقالات. إذ لا يُمكنه تقديم تظلمٍ بسبب الملاحظات الساخرة مثلاً؛ لأنَّ المشرعين الصحافيين لا يتناولون سوى القضايا المتعلقة بالحقائق الدقيقة وذات الصلة. ورغم ذلك، يكشف عمله الدقيق الصبور عن مشكلةٍ أكبر: وهي أنَّ الصحف اختارت تشويه سمعة المسلمين بلا هوادةٍ على مدار سنوات، بتصويرهم في صورة العدو العنيد لكل ما هو ليبرالي وبريطاني ومتحضر.

الإساءات في انتظاره

وعندما يشكو فيرسي على أسس دقة المعلومات المنشورة بكل بساطة، يجد نفسه في مواجهة تصنيفاتٍ متنوعةٍ من الإساءات. تشمل تلك الإساءات توصيفاتٍ إجراميةٍ بحق المسلمين دون مسوغ، مثل وصفهم بمحتالي الرعاية الاجتماعية أو المعتدين الجنسيين، حتى عندما لا يكون الدين مُرتبطاً بجريمتهم. ويشمل الأمر اقتباساتٍ مغلوطةٍ على لسان الشخصيات المسلمة النافذة، وتحريف الحقائق لتُوصم الجالية المسلمة بالجمود العقائدي والمجهولية. ويُعتبر الكسل الصحافي أحد الأسباب، كما حدث عند تصنيف نجم نادي مانشستر يونايتد روميلو لوكاكو تلقائياً على أنَّه مسلم لأنَّه لا يشرب الخمر، وهو مسيحيٌ في واقع الأمر. ناهيك عن ذكر مقالات الرأي الكارهة للأجانب. وهناك أيضاً أخبار الخيال المحض. فمثلاً كتب فيرسي بحزنٍ في أحد أعمدة جدول بياناته بجوار العديد من عناوين الأخبار عن مُسلحٍ يصرخ «الله أكبر» داخل أحد المتاجر الإسبانية: «خبرٌ غير صحيحٍ على الإطلاق». وفي أوساط الصحافيين، وجد فيرسي إقراراً قليلاً نسبياً بأن الصحافة تُغذي الإسلاموفوبيا دون انقطاع. ويُدرك الأكاديميون وجهات الرقابة على الصحافة واللجان الحكومية وجهة نظر فيرسي، لكن لا يوجد توافق على طريقة معالجة الأمر. هناك الكثير على المحك هنا. يجب أن تتمتع الصحافة بحريتها، ويجب التفريق بين الإساءة وخطاب الكراهية؛ علاوةً على أنَّ وسائل الإعلام تتشكل عن طريق المجتمع الذي تعمل داخله. وتقف هذه القضايا الكبرى كعقبةٍ تسد أي طريقٍ للتحرك. لقد نجح فيرسي في التعرف على المشكلة وإحصائها، ليخبرونه في النهاية بأنَّها أكبر من أن تُحل.

 

نهج الشكاوى المهذبة

يُمكن أن يُشعرك نهج فيرسي المعتمد على الشكاوى المهذبة المبنية على الحقائق حول كل مقالٍ على حدة بالوداعة أو اللاشرعية بالكامل، كما لو كان يُحاول مضايقة بوارجَ حربية. إذ إنَّ بعض القوى التي تُغذي العداء تجاه المسلمين تُعتبر بمثابة سفينة تيتانيك ضخمة، لدرجة أنَّه بإمكانها إعادة تشكيل كل بوصةٍ مكعبةٍ من عالمنا: الإرهاب على سبيل المثال، أو الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. تنفجر القصص على تويتر وتنتشر في كل مكانٍ في غضون دقائق. وحتى عند انتزاع اعتذارٍ أو تعديلٍ من إحدى الصحف، فهو يأتي بعد أسابيعَ من نشر المقال الأصلي، ويُنشر داخل صندوقٍ صغير على إحدى الصفحات الداخلية مُتوارياً بعيداً عن الأنظار. وتضحي بذلك مُحاولة دحر الضرر الناجم عن الافتراءات سريعة الانتشار أشبه بمجهودٍ يذهب أدراج الرياح. وبعد أخذ كل ما سبق بعين الاعتبار؛ كيف يستطيع فيرسي مُسلحاً بجداول بياناته فقط أن يأمل في إحداث الفارق؟ لم يعد تشويه صورة الأقليات حكراً على الصحافة الصفراء وحسب. إذ إنَّ الطريقة التي تُشوَّه بها القصص للتناسب مع صيغةٍ بعينها حول المسلمين، والصعوبات التي تواجه محاولة اقتلاع تلك الخيالات بمجرد نشرها في النسخ المطبوعة، يُمكن مُلاحظتها في مختلف وسائل الإعلام. وفي واقع الأمر، ظهر المثال الفادح الأحدث على ذلك في الصفحات الأولى لواحدةٍ من الصحف المطبوعة المحترمة في بريطانيا. ففي صيف عام 2017، نشرت صحيفة Times سلسلةً من ثلاث قصص، كتبها أندرو نورفولك، كبير مراسلي التحقيقات بالصحيفة. أعلن العنوان الرئيسي الأول: «إجبار طفلةٍ مسيحيةٍ على الخضوع لرعايةٍ إسلاميةٍ بالتبني»، وأتي هذا العنوان أعلى خبرٍ عن أسرتين حاضنتين مسلمتين من حي تاور هاملتس وفشلهما المزعوم في توفير الرعاية الملائمة لـ»طفلةٍ مسيحيةٍ بيضاء». وزعم المقال أنَّ أفراد الأسرتين لا يتحدثون اللغة الإنكليزية، وحاولوا تعليم الطفلة اللغة العربية وانتزاع الصليب الذي ارتدته حول عنقها. وكتب نورفولك: «من الجليِّ أنَّ الطفلة البالغة من العمر 5 أعوامٍ تحدثت عن أول أسرةٍ استضافتها قائلةً أنَّهم رفضوا السماح لها بتناول وجبة كاربونارا لأنَّها تحتوي على لحم الخنزير المقدد». وزُعِمَ أنَّ التباين الثقافي أزعج الطفلة. وأضحت تلك المقالات وقوداً جاهزاً للشخصيات السياسية التي تُغَذِّي خطابها بنشر مثل هذه القوالب النمطية فقط. إذ أصدر الحزب اليميني المتشدد «بريطانيا أولاً» مقطعاً مُصَوَّراً يُحذِّر مُتابعيه أنَّ هذه القضية ترسم «الصورة التي سيكون عليها «مستقبل هذا البلد»، وأعاد الناشط اليميني البريطاني تومي روبنسون نشر تلك الكلمات في تغريداتٍ عبر تويتر. وعندما أمر قاضٍ بوضع الطفلة تحت رعاية جدتها، هنأت الصحيفة نفسها. وأعلنت في أحد العناوين الرئيسية: «صحيفة Times تتلقى المديح على فضحها لفشل المجلس».

استمرار الأخطاء الفادحة بالصحف البريطانية

لكنَّ العديد من الأخطاء الفادحة ظهرت على السطح منذ ذلك الحين، أولاً عندما تظلم مجلس حي تاور هاملتس لدى «منظمة معايير الصحافة المستقلة»، وثانياً في أوائل سبتمبر/أيلول إثر صدور قرار القاضي بشأن رعاية الطفلة. ولا تُعد والدة الطفلة، أحد المصادر الرئيسية لمزاعم إساءة المعاملة، شاهداً موثوقاً به؛ إذ أُبعدت طفلتها عن رعايتها بعد القبض عليها لـ»سُكرها أثناء رعايتها لطفلٍ داخل حانةٍ بأحد الفنادق». تتحدث كلا الأسرتين الحاضنتين اللغة الإنكليزية، وهي الشرط القانوني المُلزم لمثل تلك الأسر. ولم يجد وصيّ الطفلة الذي عينته المحكمة أي دليلٍ على تعرضها للأذى في أيٍّ من المنزلين، أو إجبارها على تَعَلُّم العربية، أو فرض حميةٍ غذائيةٍ خاليةٍ من لحم الخنزير عليها. وخلُص تحقيقٌ أجراه المجلس إلى أنَّ واحدةً من الأسر الحاضنة أزالت الصليب الذهبي الخاص بالطفلة من أجل الحفاظ عليه؛ لأنَّه كان كبيراً وثميناً ويُمكن أن تُضيعه الفتاة الصغيرة. ويُمكن أن تُعزى تلك الأخطاء إلى التقارير الضعيفة أو الساذجة، لكنَّ الخبر الحقيقي يكمن في رسالة المقالات المحورية، التي تنصّ على أنَّ وضع «طفلةٍ مسيحيةٍ بيضاء» تحت الرعاية المؤقتة للأسر المسلمة هو أمرٌ غير لائق. وفي الواقع، كانت الطفلة قد قضت أوقاتاً طويلةً في ما مضى مع أجدادها من ناحية الأم، الذين اختارتهم المحكمة ليكونوا أوصياءَ عليها، في بلدهم الأم ذي الأغلبية المسلمة، قبل إقامتها القصيرة لدى الأسر الحاضنة في الصيف الماضي. ويفترض حُكم «منظمة معايير الصحافة المستقلة» أنَّ صحيفة Times كانت على علمٍ بذلك، إذ صرح نورفولك أمام المحكمة بأنه قُبيل نشر القطع الصحافية «رفضت صحيفة Times نشر أي تفاصيلٍ عن التراث الديني والعرقي للجدة». وزعمت الصحيفة أنَّ هذا الامتناع جاء رغبةً في الحفاظ على هوية الطفلة. لكن في حال تم الكشف عن تلك الهوية، ستُهدَم أساسات الفرضية الرئيسية لذلك الخبر. وحقيقة أنَّ صحيفة Times اختارت إخفاء تلك الحقائق لا تعني حدوث زلةٍ في العملية الصحافية، لكنها تُعد تملُّصاً منها ككل.

 

يتابع فيرسي كل ما ينشر عن المسلمين بالصحف البريطانية / istock

وقبل ظهور تلك الأخطاء الفادحة بوقتٍ طويلٍ، أُعيد نشر الخبر بكل حماسٍ في العديد من الصحف الأخرى بالطبع، وأضاف بعضها لمسةً تطريزيةً ومبالغاتٍ شخصية. إذ استخدمت صحيفتا The Daily Mail وMail Online صورةً أرشيفيةً لأسرةٍ مسلمةٍ من أجل التوضيح، لكنَّهم عدَّلوا الصورة رقمياً وأضافوا حجاباً لوجه المرأة. وطبعت صحيفة The Sun نُسخةً من الخبر أيضاً. لم يُطلب من منظمة معايير الصحافة المستقلة الحُكم إلَّا على المقال الثالث في السلسلة، وأصدرت قرارها في أبريل/نيسان، وفرضت على صحيفة The Times نشر نص القرار في أيٍّ من الصفحات الأولى حتى السادسة. نشرت الصحيفة القرار في الصفحة الأولى، لكنَّها لم تعتذر، وصرَّح نورفولك لهيئة الإذاعة البريطانية BBC في سبتمبر/أيلول الماضي: «أعتقد أنَّنا أدينا دورنا كصحيفة». ورفض نورفولك التعليق على هذا المقال، لكنَّ مُتحدثاً باسم صحيفة The Times قال لصحيفة The Guardian: «استهدفت قصتنا الأصلية بشأن هذه القضية المعقدة نقل مخاوفَ عبر عنها متخصص اجتماعي، وسلطت الضوء على ما وصفه القاضي بأنَّه قضايا تخص (المصلحة العامة الشرعية). كان هدفنا دائماً هو حماية هوية الطفلة… وأقررنا خلال جلسة استماع اللجنة المختارة من وزارة الداخلية بشأن خطاب الكراهية والإسلاموفوبيا والصحافة أنَّ الخبر تسبب في غضبٍ كبيرٍ، لكنَّ اقتراح فكرة تخطيطنا لذلك هو أمرٌ سخيف بكل صراحة». لكنَّ الخبر سيعيش في الذاكرة طويلة المدى للإنترنت. وعلى موقع صحيفة Times، ما زال بإمكانك قراءة الجملة التالية في الفقرة الأولى من أول خبر: «طفلةٌ مسيحيةٌ بيضاء أُخذت من عائلتها وأُجبرت على العيش مع حاضنةٍ ترتدي النقاب داخل منزلٍ يُزعم أنَّه شجعها على تَعَلُّم اللغة العربية»، تماماً كما كانت في أغسطس/آب الماضي. ولا توجد أي إشارة إلى حكم «منظمة معايير الصحافة المستقلة» في أي مكان بالقصة.

دافع هذا الرجل.. فقط شعوره بالألم مما يحدث

لا يوجد في حياة فيرسي أي مُنحنى سردي مُرتَّب أوصله ليؤدي دور صاحب الشكاوى المثابر، إذ لم يتعرض لتَنَمُّرٍ عنصريٍ في ساحة المدرسة أو تمييزٍ في محل العمل أو تَغَيُّرٍ في الإيمان، ولا يمتلك أي جراحٍ أو غضبٍ كامن. فدافعه أبسط من ذلك كله: مجرد شعوره بالألم من الطريقة التي تُصَوِّر بها وسائل الإعلام جاليته كان كافياً، وقد وجد طريقةً لتغيير ذلك. نشأ فيرسي، البالغ من العمر 32 عاماً، في بلدة هارو. وكان أسلافه من الغجراتيين الذين هاجروا إلى شرق إفريقيا قبل قرنٍ ونصف، وانتقل والده إلى المملكة المتحدة في أوائل السبعينيات ليعيش مع بعض أفراد أسرته الممتدة ويذهب إلى المدرسة الثانوية. وأصبح والده مهندساً، أما والدته -التي يرجع أصلها أيضاً إلى أسرةٍ هنديةٍ عاشت في شرق إفريقيا- فكانت مُعلمةً في الحضانة. ومنهم تعلم فيرسي ألَّا يكون دفاعياً في موقفه تجاه مكانته في المجتمع البريطاني. «كان موقفهم: لقد أتينا إلى هنا، ونمتلك وظائف، ونحن متساوون مثل أي شخصٍ آخر». وألحقوا فيرسي وشقيقه بأفضل المدارس الخاصة التي تمكنوا من العثور عليها، إذ كان التعليم أولوياتهم القصوى. يقول فيرسي: «في وقتٍ من الأوقات، أصبح والدي عاطلاً عن العمل. فاقترض مالاً من جدي قبل أن يعمل في وظيفتين ليضمن استمرارنا في الذهاب إلى تلك المدارس». وفي جامعة أوكسفورد، درس فيرسي الرياضيات، لكنه اكتشف أيضاً شغفه بالفقه الإسلامي؛ فقضى عاماً في العاصمة السورية دمشق يصقل لغته العربية ويدرس أصول مبادئ الشريعة الإسلامية. ثم عاد إلى إنكلترا، وعمل في البداية لدى شركة Oliver Wyman Financial Services، قبل أن ينضم إلى مصرف رويال بنك أوف سكوتلاند. وتقع وكالة السفر، التي يعمل بها الآن مديراً مالياً، أمام مركز Brent Cross للتسوق. ومتى شعرت برغبةٍ في رؤيته، نتوجه إلى مركز التسوق لنجلس في أحد المقاهي ونتبادل الحديث. وخلال أحد لقاءاتنا في أواخر شهر مايو/أيار، في منتصف شهر رمضان، تحدث معي لساعاتٍ دون توقفٍ مع أنه كان صائماً. ويتميز حديثه بجودته السريعة المحنكة، وعندما يُصيبه الانفعال، لا يسعه إنهاء جملةٍ دون البدء في الجملة التالية: «ماذا بحق الجحيم … أعني، لو كان الآباء بالتبني … هذه الصورة كانت خاطئةً تماماً». كان فيرسي مُعتاداً القلق بشأن الإسلاموفوبيا بين المسلمين قبل انضمامه إلى المجلس الإسلامي البريطاني عام 2014 بوقتٍ طويل. ففي أحد الخطابات في عام 2011 مثلاً، انتقد ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، التعددية الثقافية داخل بريطانيا، قائلاً إن التسامح مع «الجاليات المنعزلة» من المسلمين يعني سماح البلاد للمتشددين بالازدهار. فقرأ فيرسي ذلك واهتز كيانه من هول الصدمة. إذ لاحظ استعداداً متزايداً في الخطاب الحكومي لفصل المسلمين عن بقية المجتمع. وقال: «عندما يظهر ضغط القيادة السياسية في اتجاهاتٍ معينة، فإن الصحافة تُصوِّر الأمر بنفس الطريقة».

المجلس الإسلامي البريطاني كلفه بالمهمة

وعلى نحوٍ متزايد، بدأ يلتقي بمسلمين قلقين بشأن الطريقة التي يُعاملون بها في حياتهم اليومية، وكيف يُنظر إليهم على أنَّهم مُشكلة. وفي منصبه بالمجلس الإسلامي البريطاني، كانت التصدي للإسلاموفوبيا أحد المهام التي كُلِّف بها. إذ قال: «أدركت أنه لا يُمكنني الخروج وإيقاف الناس الذين يعتدون على المسلمين. لكن لديّ هذا المنصب، ويُمكنني الاستفادة منه في إنجاز شيءٍ ما. لذا بدأت أتساءل: ما الذي يُمكنني فعله؟». يقود المجلس الإسلامي البريطاني حملات ممتدة لتغيير مفاهيم بريطانيا عن مسلميها، وأضحى هذا جزءاً من مسؤوليات فيرسي داخل المنظمة. لكنَّ تتبع دقة الصحافة في قصصها عن المسلمين، هو مشروعه الشخصي الخاص. أول مرةٍ اشتكى فيها فيرسي من مقالةٍ كانت في صيف عام 2015، عندما قرأ عنواناً في صحيفة Mail on Sunday عن عصابةٍ مسلمةٍ هجمت على مركبةٍ حكوميةٍ بشرق لندن. ولم يفهم كيف كانت جملة «عصابة مسلمة» مُتصلةً بالخبر أو ما إذا كان ذلك الوصف صحيحاً؛ لذا كتب إلى الصحيفة. وأضاف: «بطريقةٍ أو بأخرى، انتهى بي الأمر وأنا أتلقى دعوةً من مدير التحرير، الذي استضافني وتبادل معي الحديث لساعتين. سارت الأمور بشكلٍ أكثر من رائع». أصدرت إثر ذلك صحيفة Mail on Sunday اعتذاراً وغيَّرت عنوان الخبر على الموقع. وظنَّ فيرسي أن هذه نتيجةٌ رائعة: أن تتمكن من إحداث فارقٍ برسالة بريدٍ إلكتروني واحدة. وأجرى فيرسي بعض التدخلات الناعمة بهذه الطريقة، لكن مع حلول وقت التصويت على حملة Brexit -التي طالبت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي- في الصيف التالي، عندما شعر بأن اتجاه التغطية التي يحصل عليها المسلمون آخذٌ في الانحدار، بدأ في تنظيم عمله. وعرض عليه أحد الأصدقاء، الذي يمتلك شركة تعهيدٍ (للاستعانة بالمصادر الخارجية) في بولندا، أن يُجري مسحاً للمواقع الإلكترونية الخاصة بالصحف البريطانية بحثاً عن عشرات الكلمات المفتاحية التي حددها فيرسي، مثل: «(مسلم)، (إسلام)، وغيرها». وعلى مدار 5 أيامٍ أسبوعياً، بدأ فيرسي يستقبل جدول بياناتٍ من امرأةٍ بولنديةٍ تُدعى ساندرا صنَّفت تلك المقالات وفقاً للانطباع الذي تنقله عن المسلمين. (ويقول فيرسي إن هذا العمل يجري تنفيذه على نحوٍ أكثر صرامةً الآن، عن طريق فريقٍ صغيرٍ جمعه لهذا الغرض). واعتاد الجلوس حتى وقت متأخرٍ من الليل ليقرأ المقالات المرتبة، ويقيمها بحسب التحيز أو عدم الدقة. واستطاع فعل الكثير من ذلك عن طريق بحثٍ مبسطٍ عبر الإنترنت، رغم اضطراره أحياناً إلى التصرف كصحافيٍ وإجراء مكالماتٍ بنفسه للتيقن من الحقائق. وعندما عثر على صحيفةٍ تستشهد بمدونةٍ إسبانيةٍ يمينية، طلب من صديقٍ في إسبانيا أن يتيقن من المصدر. وتذكر ذلك قائلاً: «اتصل بي صديقي وقال: (لقد كُشِف زيف ذلك الأمر هنا وهنا وهنا). كان الأمر بهذه السهولة فعلاً».

فيرسي يركز على الإصلاح وليس الشجب

وعوضاً عن شجب التحيز الإعلامي، يركز فيرسي على إصلاح نقاط الدقة بطريقةٍ أكثر براغماتية. من الصعب إثبات تمييز الصحافة (وهو الأمر الذي يُعد انتهاكاً لقانون المحررين الذي وضعته منظمة معايير الصحافة المستقلة) أو أنَّها تبث خطاب كراهيةٍ غير قانوني. لكنَّ الخطأ في الحقائق هو أمرٌ لا يقبل الجدل؛ ما يُجبر الصحف على تعديله أو الاعتذار عنه. وفيرسي دائماً مُتَحَضِّرٌ في أسلوبه، وحريصٌ على متابعة العملية المنصوص عليها للوصول إلى غرضه. وأوضح بيتر أوبورن، كاتب عمودٍ في صحيفة The Daily Mail يُعد من أبرز منتقدي الصحافة المعادية للإسلام أن فيرسي يتحدى المؤسسة الصحافية في ملعبها. وقال لي: «هو يفهم اللعبة جيداً، ويعرف قواعد الحديث. ويدرك أن القواعد في هذا البلد عادلةٌ في أساسها، أو ربما ليست كذلك، لكن هنالك آلياتٌ لمواجهة الظلم». وفي حال كان فيرسي على علاقة بمحرري إحدى الصحف، يُرسل إليهم بريداً إلكترونياً في محاولةٍ لتصحيح الأخطاء ثنائياً. وفي ما عدا ذلك، يُقدم اعتراضاً رسمياً لـ»منظمة معايير الصحافة المستقلة»، التي تُمثِّل هيئة تشريع صحافية أُنشئت قبل 4 سنوات. ومن داخل جناح مكتب المنظمة الواقع قرب كاتدرائية القديس بولس، يعالج موظفوها -البالغ عددهم 22 شخصاً- آلاف الشكاوى التي تردهم كل عام، والتي وصل عددها في عام 2016 إلى أكثر من 14 ألف شكوى. ويُذكر أنَّ 5 من الـ12 عضواً في مجلس إدارة المنظمة، سبق لهم العمل في الصحافة المطبوعة، وتحصل المنظمة على التمويل اللازم من الناشرين الأعضاء فيها، ولهذا تعرضت المنظمة للنقد لأنها ليست بعيدةً بما فيه الكفاية عن الصحف التي تُشرف عليها. (ومثلما فعلت صحيفتا The Financial Times وThe Independent، اختارت صحيفة The Guardian عدم الانضمام إلى «منظمة معايير الصحافة المستقلة»؛ وعوضاً عن ذلك، تُعالَج الشكاوى والتعديلات بواسطة محرر قراءٍ مستقل، وتُحال الطعون إلى لجنة مراجعةٍ مستقلة).

منظمة معايير الصحافة المستقلة

تأسست «منظمة معايير الصحافة المستقلة» على خلفية تحقيق ليفيسون بشأن ممارسات وسائل الإعلام في أعقاب فضيحة تجسس صحيفة News of the World على الهواتف، عندما تَبَيَّن أن أخلاقيات وسائل الإعلام شهدت انحداراً كبيراً. لكنَّ السير ألان موسيس، القاضي المتقاعد وعضو مجلس إدارة المنظمة، يعتقد أن الأمور كانت كذلك دائماً، إذ قال: «لا أستطيع أن أتذكر مالك الصحيفة الذي أجاب عند سؤاله عن سبب نجاحه قائلاً: «أنني أقدم للناس شخصاً جديداً ليكرهوه كل يوم». لكنَّ هذا كان في مطلع القرن العشرين بالتأكيد». (ويُنسب هذا التصريح عادةً لألفريد هارمسورث، الذي أسس صحيفة The Daily Mail في عام 1896). ومنذ ذلك التاريخ، عانت جماعات مختلفة نتيجةً لتلك الوصفة، مثل اليهود والسود والأيرلنديين. وبدأ المسلمون يتعرضون لمثل هذه المعاملة عام 1989، في أعقاب الفتوى الإيرانية بشأن الروائي سلمان رشدي، التي أجبرته على الاختباء. ووصفت إليزابيث بول، الأديبة التي كتبت كتاباً يحمل عنوان Reporting Islam، كيف أقنعت قضية رشدي الكثير من الناس أن «المسلمين خارج بريطانيا يفرضون أجندتهم على المسلمين داخلها»، وهي الاستعارةٌ المجازيةٌ المألوفة الآن عن أنَّهم أقل ولاءً لبلدهم من ولائهم لدينهم. وبالنسبة للصحافة، كما أوضحت إليزابيث، فإن تهديد حياة رشدي ربط بين الإسلام والعنف على الدوام، وبدت مطالب المسلمين بحظر رواية رشدي The Satanic Verses تصرفاً غير ليبرالي وغير بريطاني. وتقول روكسان فارمانفارمايان، المُحَاضِرة في جامعة كامبريدج التي أشرفت على مشروع بحثٍ في تغطية وسائل الإعلام السائدة للمسلمين البريطانيين: «هذا مثالٌ على كيفية تطوير وسائل الإعلام لقواعدٍ كاملةٍ لم يسبق لها وجود، وتوافق هذا تماماً مع الاتجاه السائد في ذلك الوقت».

أحداث سبتمبر كانت لحظة فارقة

قبل ثمانينيات القرن العشرين، لم تكن الصحف البريطانية لديها أي ضرورة سياسيةٍ مُلِحة حقيقية  للكتابة عن المسلمين، إذ لم يفعلوا أشياء كثيرة جديرة بالذكر في الأخبار، ولم يكن عددهم يتخطى المليون مواطنٍ داخل البلاد، مقارنةً بـ4 ملايينٍ تقريباً اليوم. وفي أعقاب قضية رشدي، وبُعيد أحداث الـ11 من سبتمبر/أيلول وتفجيرات لندن في الـ7 من يوليو/تموز تحديداً، تغيَّر كل شيء. وأصبحت أخبار المسلمين أخباراً عن الإرهاب والقيم الحضارية المتضاربة. وكلما زاد دعم الصحف لهذه الرواية، زاد انتظار القراء لها، وزادت الصحف من حديثها عنها. وازداد حجم تغطية الصحف للمسلمين البريطانيين عام 2002 ليصل إلى خمسة أضعاف نسبتها عام 2000، بحسب التحليل الذي أجراه ثلاثة أكاديميين من كلية الصحافة والإعلام والدراسات الثقافية بجامعة كارديف، وبحلول عام 2006 وصلت تلك النسبة إلى 12 ضعفاً لما كانت عليها عام 2000.

مسلمة تسير بأحد شوارع بريطانيا

كان الإرهاب والتشدد الديني اثنين من المواضيع الثلاثة الأكثر شيوعاً في تلك المقالات، أمَّا الموضوع الثالث المتعلق بالجوانب الثقافية للحياة الإسلامية، فقد كان بالطبع مهووساً بالحجاب وقوانين الشريعة والزواج القسري. وكانت الأسماء الخمسة الأكثر استخداماً مقترنةً بالمسلمين البريطانيين هي «إرهابي» و»متشدد» و»عالم دين» و»إسلامي» و»انتحاري». أما الأوصاف الأكثر شيوعاً، فهي «متطرف» و»متعصب» و»أصولي» و»متشدد» و»مسلح». وبدا وكأنَّ الصحف استغلت أحداث ذلك الوقت -مثل مشاركة بريطانيا في الحروب على العراق وأفغانستان، وظهور الإرهابيين الذين ادَّعوا التصرُّف باسم الإسلام- لتصوير المسلمين البريطانيين بالإشارة فقط إلى دينهم. وأُعجبت الصحافة إلى حدٍّ كبيرٍ بإعلان برنارد لويس الصادم في كتابه Islam and the West، الذي ذكر فيه أنَّ الإسلام بالنسبة للمؤمنين به «ليس مجرد نظام للاعتقاد والعبادة فقط، أو جزءٌ مستقلٌ من الحياة، إذا جاز التعبير… لكنَّه الحياة بأكملها».

 

ويُقَدِّم هذا النهج المُختَزِل المسلمين جميعاً في صورة شخصياتٍ نمطية، مما يزيد احتمالية كتابة الصحافيين افتراضاتٍ خاطئة أو تعديل الروايات أو التكاسل أثناء الكتابة. فإذا وقع حادثٌ لقطارٍ يقوده سائقٌ مسلمٌ مثلاً، فلابد أنَّ السبب هو صيامه خلال شهر رمضان. وليس بوسع هذه العادة سوى أن تغرس جذورها أكثر داخل متابعي وسائل الإعلام. إذ يُفَسَّر كل تصرفٍ علمانيٍّ أو شخصي أو مدني يفعله شخصٌ مسلمٌ بطريقةٍ وقحةٍ ضيقة الأفق. وعند النظر إليك بهذه الطريقة طوال الوقت من منظورٍ واحدٍ فقط، سيتقلص شعورك بمواطنتك وإنسانيتك.

 

لماذا تُصدر الصُحف عادةً أخباراً خاطئةً عن المسلمين؟

إحدى الإجابات المحتملة هي أنَّ ضغوط الوقت داخل دوائرنا الإخبارية المُشتعلة تُسهم في إبراز تحيُّزات المحررين والكتاب غير الخاضعة لرقابة، ونادراً ما يكون بينهم أي مسلمين. أمَّا التفسير الآخر، الأقل لطفاً، فهو أن الناشرين يميلون في تغطيتهم الإخبارية نحو الإثارة التي تتوافق مع تحيزات قرائهم؛ لأنهم يعتقدون أن هذه الاستراتيجية ستكون أكثر ربحاً. ومن بين قرابة العشرين صحافيٍّ ومحررٍ وغيرهم من أعضاء الصحافة الذين تحدثت إليهم، يرى الجميع أن الأقسام الخبرية البريطانية (وليس بالضرورة كُتَّاب عواميد الرأي) تتأرجح بين النقطتين الأولى والثانية على هذا الطيف. ولا يمكن القول إنَّ هناك صحفاً تجاوزت الخطوط الحمراء لتصل إلى حد التشهير المتعمد بالأقليات كما تفعل مواقع يمينية متشددة مثل Breitbart. إذ يقول موسيس: «في الواقع، كنت سأهجر الصحافة البريطانية إذا وصل أحدهم إلى تلك المنطقة المتشددة الأخرى». وفي غرف الأخبار اليوم، تُنشر الأخبار عادةً على عُجالة. ويصف صحافيٌ سبق له العمل في صحيفة The Sun البريطانية، الطبيعة الروتينية المتعجلة للعمل المكتبي. فعندما يتصل شخصٌ ليدلي بمعلومةٍ سريةٍ أو يصل خبرٌ من إحدى الوكالات أو مقالة من صحيفة أخرى، يجب كتابتها وصياغتها في أسرع وقتٍ ممكن. وعادةً ما تُملى وجهة نظر الخبر عن طريق أحد المحررين. وفي أفضل الحالات، يضيف العامل بغرفة الأخبار رأياً لخبيرٍ مزعوم، وأبسط طريقةٍ لفعل ذلك في القصص المتعلقة بالإسلام هو الاتصال بأحد المراكز البحثية، الذي ربما يكون Henry Jackson Society المنتمي إلى تيار المحافظين الجدد، وعادةً ما يُحذِّر من الإرهابيين المسلمين في الداخل. وسرعة هذه الدورة تجعل من الأخطاء أمراً لا مفر منه؛ وفور نشر الخبر على الإنترنت، تتضاعف تلك الأخطاء على الشبكات الاجتماعية. ويُضيف صحافي The Sun السابق: «ليس الأمر وكأننا نجلس في غرفة اجتماعاتٍ ليقف المحرر ويقول: (حسناً، سنهاجم المسلمين اليوم). فهناك العديد من الأشخاص الليبراليين الأذكياء الذين يعملون هناك، حتى داخل المناصب الإدارية العليا. ولكن في الوقت نفسه، هناك وعيٌّ ضمنيٌ بالتوجه السياسي للصحيفة وأجندتها». والعمل وفقاً لذلك التوجه يعني تكرار نفس الأخطاء الصحافية مرةً تلو الأخرى، لدرجة أنَّ شخصاً مثل فيرسي سيتساءل إذا كان بإمكانه اعتبار كل ذلك مجرد مصادفة.

لكن ليس ضغط العمل وحده هو السبب

لكن نوعاً آخر من تشويه الحقائق يظهر عادةً عند تغطية أخبار المسلمين. وهو أمرٌ لا يتعلق كثيراً بالرداءة الناجمة عن العمل تحت ضغط الوقت، بل أشبه بالاختلاق. إذ وجد تحقيق ليفيسون عدة حالاتٍ أُجبر فيها صحافيون على إعادة كتابة أخبارهم بنبرةٍ مُناهضة للإسلام. وصرَّح مُراسلٌ مجهولٌ في شهادته: «لم يتوقف الأمر، رغم ألمي لأنني كنت أكره ما أنا مُجبرٌ على فعله بشغف». وصرحَّ الصحافي ريتشارد بيبيات، الذي استقال من صحيفة Daily Star عام 2011 بسبب «اتجارها بالكراهية» ضد المسلمين، للقاضي ليفيسون بأنَّ الصحيفة نشرت أخباراً واقتباساتاً مُختلقةً وهي على علمٍ بذلك. (وردَّت صحيفة The Daily Star بأنَّ بيبيات «لم يُشارك في هذا النوع من المقالات إلَّا لفترةٍ قصيرة، ولم يسبق أن أظهر انزعاجاً رسمياً أو شخصياً من لهجة التغطية. وللعلم، فإن السياسة التحريرية لصحيفة The Daily Star لا تحمل أي سلبيةٍ تجاه الإسلام»). وفي وقتٍ سابقٍ من العام الجاري 2018، دفعت صحيفة The Sunday Telegraph تعويضاً لمحمد كوزبار، الأمين العام لمسجد فينسبري بارك، عن الأضرار الناجمة عن مقالةٍ نشرتها عام 2016 زعمت أنَّه دافع عن التشدد الإسلامي العنيف. وكتب الصحافي أندرو جيليغان في نص المقالة آنذاك أنَّ كوزبار رفض التعليق؛ بينما صرَّح كوزبار بأنَّه لم يتلقَّ اتصالاً من أحد. (وقال جيليغان لاحقاً لـ»منظمة معايير الصحافة المستقلة» إنَّ رسالته بالبريد الإلكتروني إلى كوزبار لم تصل، ولم يكتشف ذلك سوى لاحقاً داخل مجلد النفايات الخاص به. وفي رسالته لي، أضاف أن صحيفة The Sunday Telegraph أخطأت بقبول التسوية، وأنه ما زال مصراً على روايته).

المسلمون قلة داخل غرف الأخبار

من الممكن تجنب بعض أخطاء وسائل الإعلام لو كان هنالك المزيد من المسلمين في غرف الأخبار البريطانية. إذ يُشَكِّل المسلمون 5% من إجمالي عدد سكان بريطانيا، و0.4% فقط من تعداد صحافييها. وروى لي صحافيان مسلمان كيف عيِّنتهما بعض الصحف، قبل أن يُطلب منهما تغطية أخبار الجالية المسلمة. وذكر الاثنين أنهما ما كانا ليمانعا تأدية بالمهمة، لو لم يُبدِ المحررون رغبتهم في تغطية نوعٍ محددٍ من الأخبار بكل وضوح، مثل المراهق الذي يترك منزله ليحارب في سوريا، أو الأئمة المارقين، وكلها أخبارٌ تضع المسلمين في صور شخصياتٍ نمطية من جديد. ويسترجع أحدهما تجربةً صدمته داخل غرفة الأخبار. ففي أعقاب سلسلة الهجمات الإرهابية المنظمة التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015، أعادت صحيفة The Sun نشر عنوانٍ قديمٍ في الصفحة الأولى يقول: «1 من بين كل 5 مسلمين بريطانيين يتعاطف مع الجهاديين»، وهو العنوان الذي جاء أعلى خبرٍ يزعم نشر تفاصيل دراسةٍ استطلاعية. وقوبل تفسير صحيفة The Sun لذلك الاستطلاع بانتقاداتٍ شديدة، حتى من جانب وكالة Survation التي جمعت تلك المعلومات. إذ لم يُحدد السؤال الرئيسي في الاستطلاع  -الذي يقول: «ما شعورك إزاء الشباب المسلم الذي يُغادر المملكة المتحدة للانضمام إلى لمقاتلين في سوريا؟»- إذا كان يقصد مثلاً القتال في صف الأكراد ضد تنظيم الدولة الإسلامية داعش، أم القتال مع الجماعات الأخرى المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد، لكنَّ صحيفة The Sun اختزلت الإجابة لتكون مقتصرةً على داعش تحديداً. وتلقَّت «منظمة معايير الصحافة المستقلة» أكثر من 3000 شكوى، وهو رقمٌ غير مسبوقٍ بالنسبة لمقالةٍ إخباريةٍ واحدة.

 

المركز الإسلامي في لندن

وكُلِّف الصحافي المسلم الآخر، الذي كان يعمل في غرفة أخبار أخرى، بمتابعة الخبر المنشور على صحيفة The Sun. (وطلب عدم ذكر إسمه أو الجهة التي يعمل بها، فهناك القليل من المراسلين المسلمين لدرجة أنَّ ذكر أي تفاصيلٍ سيكشف عن هويته بسهولة). وقال الصحافي: «كان ردي: «علينا أن نبتعد عن ذلك الخبر. يجب أن نترك صحيفة The Sun تتخبط في بؤسها»». وكتب مقالاً أصغر يرتبط ارتباطاً طفيفاً بالموضوع تحت عنوان «بضع مئاتٍ من الكلمات، دون إثارة الجدل»، ثم قدَّمه عوضاً عن ذلك. وأثناء مشاهدة مقاله المنشور في اليوم التالي، اكتشف أنه قد أُعيدت كتابته دون علمه. «لقد أعادوا نشر خبر صحيفة The Sun -الذي يحمل عنوان 1 من أصل كل 5 مسلمين- ونشروا ذلك باسمي». وبعد صدور قرار «منظمة معايير الصحافة المستقلة»، اعترفت صحيفة The Sun بأنَّ قصتها بشأن المسلمين البريطانيين وتعاطفهم مع الإرهابيين كانت «مضللةً إلى حدٍ بعيد». أما بالنسبة للصحافي المسلم في الصحيفة الأخرى، الذي خُطَّ اسمه فوق مقالٍ أُعيدت صياغته بطريقةٍ لم يُوافق عليها، فكان الضرر قد وقع بالفعل. وقال بنصف ابتسامة: «فجأة تجد نفسك صحافياً يكتب أشياءً سيئةً عن المسلمين، ويدلِّس الحقائق عنهم. إنه أمرٌ أحمقٌ نوعاً ما، أليس كذلك فعلاً؟»

المحررون: لا أجندة ضد الإسلام

في الـ24 من أبريل/نيسان من العام الجاري، اجتمعت لجنة وزارة الداخلية المنعقدة لبحث جرائم الكراهية مع 9 محررين -من صحف The Sun وDaily Express وThe Times وMetro وغيرها- استجابةً للانتقادات بشأن تغطية الصحافة للإسلام. ونفى المحررون بالإجماع تقريباً وجود أجندةٍ مُعاديةٍ للإسلام داخل غرف الأخبار. واعترف عددٌ منهم بأنَّ بريطانيا تُعاني موجة إسلاموفوبيا، لكنَّ اثنين منهم فقط شرحا دور الصحافة في الأمر. وأثناء سؤالهم عن كل خبرٍ على حدة، اتخذ المحررون موقفاً دفاعياً نتج عنه فواصل من المزاح اللفظي. ودافع بيتر رايت، مُمثِّل صحيفة The Daily Mail، عن قرار الصحيفة بتعديل صورةٍ أرشيفيةٍ وإضافة حجابٍ إلى وجه إحدى النساء، بهدف أن تتوافق الصورة مع مقال الأسر الحاضنة في تاور هاملتس. وأضاف: «تُشير الحقائق في ذلك الخبر إلى أنها كانت ترتدي حجاباً كاملاً». وأشار مجلس تاور هاملتس إلى الأخطاء التي ظهرت في تغطية وسائل الإعلام عبر بيانين منفصلين. لكنَّ رايت زعم قائلاً: «لا توجد شكاوى بشأن الدقة أو الخبر من تاور هاملتس». وقال في حديثه إلى تيم لوتون، عضو البرلمان المُحافِظ، إنَّ الخبر كان يستند إلى الحقائق الأساسية فقط، وجاء في ذلك الحوار آنذاك:

لوتون: «وعندما ظهرت الحقائق الإضافية لاحقاً». رايت: «نشرناها». لوتون: «لم تقدموا اعتذاراً». رايت: «حسناً، الخبر الأصلي كان صحيحاً في ضوء الحقائق المعروفة آنذاك». لوتون: «لكنه لم يكن صحيحاً، أليس كذلك؟ في ضوء الحقائق المعروفة آنذاك، قبل أن يكتشف صحافيوكم ماهية الحقائق فعلياً».

ويُقدِّم المحررون والمراسلون عادةً، كدليلٍ على حسن نيتهم، الحجة القائلة بأنه لا توجد غرفة أخبارٍ تعمل وفق أجندةٍ خفيةٍ تهدف إلى تشويه سمعة المسلمين. ولا يجب تفسير الأخطاء كدليلٍ على سوء النية. وقال لي أندرو جيليغان: «عندما تُخطئ الصحف في خبرٍ عن نيكولا ستارجن مثلاً، لا يُوصف الأمر مُباشرةً على أنه ميلٌ لمناهضة أسكتلندا». وأضاف أن الأجندات تخص الأشخاص أمثال فيرسي، الذين يستخدمون الإسلاموفوبيا «تعبيراً مجازياً مُوحَّداً … لتعزيز رواية (هم ونحن). لست واثقاً ممَّا إذا كان النسبة الإيجابية/السلبية في تغطية الأخبار عن المسلمين أفضل أم أسوأ من النسبة الإيجابية/السلبية في تغطية الأخبار عن أي أحدٍ آخر».

شخص واحد اعترف

ومن بين المحررين الذين ظهروا أمام لجنة وزارة الداخلية، لم يُقر أحدٌ سوى غاري جونز، الذي عُيِّن حديثاً في منصب رئيس التحرير بصحيفتي Daily Express وSunday Express، بأنَّ الصحف أدَّت دوراً في زيادة الشكوك حول المسلمين. وأضاف جونز: «تراكمياً، خلقت بعض العناوين الرئيسية التي ظهرت في الماضي حالةً من الإسلاموفوبيا. لقد ألقيت نظرةً على كثيرٍ من الصفحات الأولى لأعداد Express السابقة، وشعرت بعدم إرتياحٍ أثناء تصفحي تلك الصفحات. وبالنظر إلى كل صفحةٍ على حدة، ربما لا يُشكِّل الأمر مُشكلةً محددة. هناك بعض المشكلات المتعلقة بالدقة في بعضها، والبعض الآخر عدوانيٌ بشكلٍ صريح، ولا أرغب في أن أكون جزءاً من أي صحيفةٍ تنشر مثل ذلك المحتوى». وعندما سأل عضو البرلمان جونز عن رأيه في ما إذا كانت القوانين الحالية كافيةً للسيطرة على الدقة والانتشار في عصر الإنترنت، أجاب: «كلا، لا أعتقد ذلك». ويقول كريس فروست، رئيس مجلس الأخلاقيات في الاتحاد الوطني للصحافيين، أن اللجنة لم تنشر تقريرها بعد، لكنَّ المُرجَّح أن التقرير سينتقد الدور الذي أدَّته الصحافة في إثارة الآراء المناهضة للإسلام. وأضاف فروست: «لا يوجد دليلٌ على أنَّ الصحف تراجعت عن ذلك بالفعل. وليس الأمر وكأنَّ هذه الإثارة تُساعد على زيادة تداول الصحف. فنسب التداول تشهد انخفاضاً على جميع المستويات». وفي الوقت الراهن، تُطالب منظمات المجتمع المدني أن تُدَقِّق الصحف في الطريقة التي تُقدم بها المسلمين على صفحاتها، كما يفعل فيرسي. وقال فروست: «ليس بوسعهم تجاهل الأمر. فالأوضاع مُشتعلةٌ في ما يتعلق بهذه القضية». ويعتقد بيتر أوبورن أنَّ فيرسي عثر على الوتر الصحيح ليضربه. وأضاف: «إنه يُحدِث تغييراً كبيراً، لأنَّه من المؤلم على الصحف الإعتراف بأنها ارتكبت أخطاءً. وفي حال كتبت خبراً من هذا النوع الآن، ستتلقى رسالةً من مقداد، وسيكون رد فعل محررك هو: (اللعنة!). قبل أن تُضطر إلى بدء مراجعة قصتك بأكملها وتتكبَّد إذلال الإعتذار». وتحدث أوبورن بشأن فيرسي مع آخرين في هذ المجال، ويقول أنه رأى محاولاتهم ليكونوا أكثر حذراً لمجرد أنهم «منزعجون للغاية» منه. «وهذا أمرٌ جيد! فهذا هو سبب وجوده».

مركز السلام

في أمسيةٍ ما، دعاني فيرسي إلى مسجده لتناول الإفطار في شهر رمضان. وكان يتحدث بشغفٍ عن المسجد ودوره في حياته: الانفتاح والنسيج متعدد الجنسيات والخدمات التي يقدمها باللغة الإنكليزية، علاوةً على قابليته لأن يُقاد بواسطة شبابه وولائه لمجتمعه ككل. وعندما وصلت إلى العنوان، لم أجد المسجد هناك، أو بالأحرى لم أجد الصورة التقليدية للمساجد. إذ هُدِمَ المبنى القديم لإفساح المجال أمام مجمعٍ سيُبنى على مساحة فدانٍ كاملٍ (4046 متراً مربعاً) ويحمل اسم مركز السلام، وستبلغ تكلفته 20 مليون جنيه إسترليني (26 مليون دولار). ويبدو المركز بتصميمه المعماري وشكله منحني الأضلاع وجسمه المعدني الفسيفسائي، كما لو كان سفينة فضاءٍ ضخمةٍ ضَلَّت طريقها إلى شمال هارو بدلاً من الوصول إلى نجم بروكسيما سنتوري. وفي الوقت الراهن، تُقام خدمات المسجد داخل مبنى نقَّال. وعند إتمام بنائه، سيضم المبنى الجديد قاعةً ضخمةً للصلاة، علاوةً على قاعة صلاةٍ للأديان الأخرى، وملعباً رياضياً، ومسرحاً للمحاضرات، ومنطقةً لألعاب الأطفال. ويقول فيرسي أنه لن يكون مجرد مركزٍ للمسلمين. «إذ يهدف إلى جعل أي شخصٍ من الحي يرغب في زيارة المكان، وهذا أمرٌ لطيف». لكن لماذا كل ذلك؟ هل شعر المسلمون بالضغط من أجل عرض حياتهم ودور عبادتهم أمام غيرهم من البريطانيين حتى يُشعروهم بالارتياح تُجاه الإسلام؟ أجاب فيرسي: «ربما. لا ريب أن الضغوط الخارجية أدَّت دوراً». وفكَّر قليلاً قبل أن يُضيف: «لكنَّ هذا المسجد لطالما كان كذلك. مسجدٌ صغيرٌ رشيق يسمح لنا بفعل كل تلك الأمور الرائعة. والآن يُمكننا التواصل مع أصدقائنا في هذه المنطقة، ونحن متحمسون لنظهر لهم من نحن». وداخل المبنى النقال، جلس 60 صبياً ورجلاً يستمعون إلى المتحدث في تلك الليلة: هينا خالد من مبادرة Open Society Justice. وألقت هينا، التي كانت تقف فعلياً داخل قسمٍ آخر من المبنى النقال مع النساء وتُنقَل صورتها على شاشتين داخل حجرة الرجال، مُحاضرةً بعنوان: «عندما يفشل كل شيءٍ آخر». وناقشت هينا قضايا البريكست والإسلاموفوبيا. وأضافت أننا نعيش أوقاتً عصيبةً بالنسبة للمسلمين، وربما تُحبطهم الأشياء التي يُشاهدونها على التلفزيون أو في الشبكات الاجتماعية. وتابعت: «إذا كان الفيسبوك وتويتر يُصيبونك بالإحباط، فخذ استراحة. أغلق الشبكات الاجتماعية. ولا تخشى الحديث مع أحد»، فتململ الصبية وحدَّق الرجال في الأرض، وامتلأت الغرفة بالكآبة. من وقتٍ لآخر، كان على فيرسي أن يُقنع نفسه بأن أساليبه معقولةٌ مُجزية. إذ قال: «لا أرغب في أن أكون الشخص الذي يتذمر دائماً، لكنَّ الأمر يستحق العناء طالما يُمكِّنني من الجلوس على طاولةٍ واحدةٍ مع أحد المحررين». وهو يُدرك كذلك حدود ما بوسعه تحقيقه، وأحياناً يُصيبه ذلك بالإحباط. ففي عصر الشبكات الاجتماعية، ما الفائدة من اعتذارٍ صغيرٍ في الصفحة الـ30 عن مقالٍ عُمره شهر؟ وكيف له أن يُجاري السرعة التي تنتشر بها الأكاذيب المثيرة لتحرق دماء الرأي العام؟ وكيف يُمكن لتلك الإصلاحات التدريجية أن تأمل في تغيير ثقافة وسائل الإعلام ككل؟ في العصور السابقة، حين تخلَّفت الصحف عن معايير الخطاب المدني، نجحت حتماً -رغم بُطئها- في اللحاق بها. فالكلمات والأفكار التي استخدمت لوصف المثليين قبل أربع عقود مثلاً، مُحيت اليوم من أدوات غرف الأخبار. (إذ لا توجد اليوم صحيفةٌ تُشير إلى الإيدز بأنَّه «طاعون المثليين»). ويُمكن أن تكون هذه الملاحظة، التي استخدمها عددٌ من المحررين أمام لجنة وزارة الداخلية، ذريعةً للصحافة في التهرب من مسؤوليتها عن وضع معايير الخطاب. لكنَّ فيرسي، الرجل الذي لا يتزعزع تفاؤله، يعتقد أنَّه يرى تغيراً في الأجواء. ويقول: «في وقتٍ من الأوقات، اعتاد الجميع استخدام عبارة (إرهابي مسلم)، والآن يستخدمون (إرهابي متأسلم)، وهو ليس أمراً عظيماً للغاية، لكنَّه أفضل من وصف (إسلامي). كيف حدث هذا؟ عندما تطور الإدراك بأنه من الخطأ استخدام ذلك المصطلح. لذا أعتقد أن التغيير قادم. والتاريخ يُخبرنا أننا قادرون على صناعة الفارق».

المصدر:عربي بوست

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها