نشر : نوفمبر 11 ,2018 | Time : 03:37 | ID : 177326 |

«ستراتفور»: هكذا أصبحت حقوق الإنسان ألعوبة في يد ترامب

شفقنا- قالت ريفا جوجون – كبيرة المحللين في معهد ستراتفور – في مقال لها إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال جملة لم ينتبه الكثيرون إلى مغزاها في مؤتمر القمة الإسلامية الأمريكية التي عُقدت في الرياض في مايو (أيار) من عام 2017، عندما قال «إننا لا نبحث عن المثالية، بل عن شركاء». لكن شخصًا واحدًا كان حاضرًا في القاعة تلقف كلمات ترامب باهتمام بالغ؛ إنه الأمير الشاب محمد بن سلمان، الذي سيطر على البلاد بعدها بأسابيع.

 

وتشير جوجون إلى أن الصدمة التي أحاطت بقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، تعود كلها إلى تلك القمة «السريالية» في الرياض. فُرش البساط الملكي في فندق ريتز كارلتون الأسطوري لرئيس أمريكا، مما عزز الرابطة الشخصية القوية بين الأمير الشاب وأسرة ترامب. وبعد أقل من شهر، شنت السعودية والإمارات وبمباركة من ترامب، هجومُا دبلوماسيًا ضد قطر بسبب دعم الدوحة لجماعة الإخوان المسلمين وعلاقاتها مع إيران. أتبعها الأمير الشاب بشن حملة اعتقالات كبرى ضد أمراء ورجال أعمال متهمين بالفساد، وكان الريتز كارلتون هو مقر اعتقالهم المؤقت. ومع أوائل الشهر الجاري، توافد كبار المديرين التنفيذيين على فندق ريتز في الرياض للتعهد بتقديم مليارات الدولارات من الاستثمارات في مؤتمر «دافوس الصحراء» في المملكة.

 

انطلق قطار ولي العهد ابن سلمان بسرعة شديدة – تؤكد جوجون – وبدا عازمًا على دعس أي شيء يعترض طريقه. وقد حظي الأمير الشاب بدعم هائل من البيت الأبيض – الذي لا يركز إلا على كبح جماح إيران – وراح ابن سلمان يدور على منصات إعلامية مثل بلومبرج وفاينانشال تايمز وغيرها للترويج لنفسه بوصفه حامل شعلة الإصلاح في الشرق الأوسط، وكانت استراتيجيته واضحة؛ إزالة المنافسين من طريقه داخل المملكة، وإجبار الشركاء الإقليميين على الخضوع لسياسته الخارجية وتدمير أي حكومات أجنبية أو شركات تجرؤ على إبداء رأي حول أساليبه المريبة.

 

لكن الاستراتيجية في حد ذاتها قد لا تؤتي أكلها أحيانًا. فاحتجاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وإظهاره في صور شخصية مع ولي العهد بعد عدة أشهر لا يغير من حقيقة أن أي زعيم لبناني سيتعامل مع حزب الله لتجنب تدمير بلد شديد الانقسام مثل لبنان. وقطع العلاقات مع قطر سيعطي الدوحة فقط سببًا لتعزيز التحالفات مع قوى إقليمية مثل تركيا كي تحميها من السعودية. وملاحقة المعارضين بأي ثمن، بما في ذلك التداعيات الدبلوماسية العالمية، يمكن أن يفضي إلى إعطاء مصداقية لخصوم ولي العهد مع استمرار التساؤلات حول الخلافة في المملكة.

 

كان من المفترض أن يكون هذا هو درس الربيع العربي بالنسبة للولايات المتحدة والقوى الأخرى في العالم الغربي – تنوح جوجون – وهو الحذر من التعلق بشكل مفرط بالشخصيات القوية، والحفاظ على تعدد الخيارات والتركيز على بناء مؤسسات ذات مصداقية في البلدان ذات الاهتمام لتجنب المشكلات التي يسببها الحليف. ربما يكون قول هذا أسهل من فعله، خاصة عند التعامل مع الدول التي تبدو آمنة ظاهريًا أو عندما يكون لدى الأصوات الديمقراطية القدرة على تحقيق نتائج غير سارة.

 

الحد الباهت

إن الحديث الحتمي حول حقوق الإنسان ودوره في السياسة الخارجية للولايات المتحدة يثير الكثير من الجدل في الحقبة الحالية التي تستعر فيها المنافسة بين القوى العظمى، ويتباين تعامل الإدارات الأمريكية المختلفة حول هذا الملف. في عهد نيكسون خلال الحرب الباردة، تصادم البيت الأبيض مع الكونجرس لرغبة الأول في التغاضي عن مخاوف حقوق الإنسان لدى الحلفاء، من بينوشيه في شيلي إلى شاه إيران. وكما قال كيسنجر في عام 1973، «أعتقد أنه من الخطورة بالنسبة لنا أن نجعل السياسة الداخلية للبلدان في جميع أنحاء العالم هدفًا مباشرًا للسياسة الخارجية الأمريكية»، مصرًا على اتباع «سياسة براجماتية» تقضي بأن تحدد الولايات المتحدة ما إذا كان «انتهاك حقوق الإنسان شديد الخطورة بحيث لا يمكننا التغاضي عنه» في إدارة العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.

 

وقد دفع هذا النهج الواقعي الذي لا يرحم الكونجرس إلى اتخاذ خطوة حاسمة في عام 1976 – تكشف جوجون – إذ فرض على وزارة الخارجية إصدار تقرير سنوي بشأن حالة حقوق الإنسان في البلدان التي تتلقى مساعدات أمريكية. وقد أيد الرئيس جيمي كارتر ذلك المسار وأضفى صبغة صارمة على مراقبة حقوق الإنسان وربط المساعدات العسكرية للدول الحليفة بحالة حقوق الإنسان فيها. بينما أيدت إدارة الرئيس رونالد ريجان نهجًا استراتيجيًا أكثر، مستغلة قضايا حقوق الإنسان في حملتها الأيديولوجية ضد الشيوعية، ولكن في نفس الوقت تعاملت بشكل أكثر براجماتية مع الحلفاء البغيضين في الممارسة العملية. وقد واصل جورج بوش الأب هذا النهج، حيث حرص على تجنب تدمير العلاقات مع الصين بعد مذبحة ميدان تيانمان، لكنه أيضًا قامر بتدخلات لأسباب إنسانية في بنما والصومال.

 

ومع انحسار الحرب الباردة وانتصار العولمة في التسعينيات، اكتسبت حقوق الإنسان أهمية أكبر في مناقشات السياسة، وزادت التدخلات الأمريكية في هذا الشأن. ففي عهد الرئيس بيل كلينتون، قامت الولايات المتحدة بتدخلات إنسانية في هاييتي والبلقان، واعتقدت بشكل خاطئ أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية سيحد من الاستبداد فيها على المدى الطويل. بينما جمع الرئيس جورج دبليو بوش ومعسكره من المحافظين الجدد بين الفكرة الليبرالية لتعزيز السلام الديمقراطي والنشاط العسكري لغزو العراق في حرب عالمية غير واضحة على الإرهاب. ومارس الرئيس باراك أوباما، في محاولته سحب الولايات المتحدة من حروبها الشاملة في العالم الإسلامي والتحضير للمنافسة المتزايدة مع روسيا والصين، نهجًا أكثر تقييدًا بكثير في السياسة الخارجية بشكل عام، في الوقت الذي يلقي فيه خطبًا عصماء عن ضرورة الترويج للديمقراطية في الخارج.

 

نهج ترامب

سار ترامب على نهج بعض أسلافه، فاتبع منهجًا مزدوجًا وانتقائيًا لقضايا حقوق الإنسان، وإن كان بعبارات أكثر صرامة. تُستخدم بطاقة حقوق الإنسان لتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الحلفاء أو باعتبارها مطرقة لترهيب حكومات الأعداء. وهذا النهج واضح في التعامل مع السعودية؛ إذ ثمة شراكة استراتيجية بين البلدين تغذيها أجندة مشتركة لإضعاف إيران وتحقيق الاستقرار في أسواق الطاقة، ولهذا فمن المتوقع أن تخبو جذوة جريمة قتل خاشقجي على المدى القريب أو أي مشهد آخر لحقوق الإنسان. لقد غضت الولايات المتحدة الطرف عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في كوريا الشمالية لتجنب نزاع عسكري مدمر. لكن في حالة أخرى ضد إيران، واحتجاز تركيا للقس الأمريكي أندرو برونسون، ومعالجة الصين للأقلية الأويجورية، استخدم ترامب بطاقة انتهاكات حقوق الإنسان وهدد باتخاذ إجراءات عقابية باعتبارها أحد أساليب الضغط العديدة لمحاولة إجبار هذه الحكومات على تلبية المطالب الأمريكية.

 

وتؤكد جوجون أن ازدواجية المعايير من أي رئيس أمريكي حول قضايا حقوق الإنسان أمر متوقع. لكن نظرة الحكومات الأجنبية إلى النهج العام للبيت الأبيض تجاه الموضوع سيكون له تأثير عميق على سلوكها. وكما وصفت الصحافية تمار جاكوبي في مقال في مجلة «فورين أفيرز» عام 1986 بعنوان «تجاهل ريجان لحقوق الإنسان»، فقد زادت الانتهاكات في السلفادور وهاييتي وكوريا الجنوبية فقط في الفترة بين انتخاب ريجان وتنصيبه. وقد انتقد ريجان الرئيس كارتر لسماحه لحقوق الإنسان بالوقوف في طريق المصالح الأمريكية في نيكاراجوا وإيران، مما سمح للدول الاستبدادية في الحرب إلى ضم هاتين الدولتين إلى المعسكر الشرقي. وعلى نحو مماثل، فسر ولي العهد السعودي – إلى جانب عدد من اللاعبين الإقليميين الآخرين – رسالة ترامب في قمة مايو (أيار) 2017 باعتبارها علامة واضحة على أن البيت الأبيض لن يجعل حقوق الإنسان جزءًا من سياسة ترامب الخارجية.

 

التحدي الاستبدادي

لذلك لا عجب أن قضية خاشقجي لم يكن لها تأثير يذكر حتى الآن على نفوذ ولي العهد السعودي – تؤكد جوجون. إذ لم يحافظ ولي العهد على نفوذه الاقتصادي والأمني القوي فحسب بمباركة الملك، لكنه يتولى أيضًا إجراء التحقيقات وإعادة هيكلة الاستخبارات الداخلية التي تسببت في جريمة يعتقد على نطاق واسع أنه أمر بها. وحتى مع استمرار المملكة في مواجهة تهديد العقوبات وتقليص الاستثمارات في أعقاب الجريمة، فإن الرياض تواصل السير في هذا المجال وترهن علاقات العمل بالتدخل في الشؤون السعودية «جمدت السعودية صفقة شراء أسلحة دفاعية ألمانية لصالح الجيش المصري بملياري دولار ردًا على تجميد ألمانيا لتراخيص تصدير الأسلحة إلى الرياض».

 

 

الصين من أكثر الداعمين للأنظمة الاستبدادية

 

وهذا التحدي لا يقتصر بأي حال على السعودية. ففي عرض مذهل للتضامن الخليجي بعد أزمة خاشقجي، دعت البحرين والإمارات لمقاطعة الشركات التي تهدد بالانسحاب من المملكة العربية السعودية، بما في ذلك فيرجين وأوبر، وهما مستثمران حاسمان لاستراتيجية التوسع في صندوق الاستثمار العام في المملكة. فما الذي يجبر هذه الدول الخليجية على القفز فوق عربة ملطخة بالدماء، وتخاطر بتلطيخ سمعتها بين المستثمرين عندما كان من الممكن أن تكون عواقب خاشقجي محصورة في السعودية؟ تتساءل جوجون. وتقول إنها فرصة للتأكيد على رسالة أعمق؛ وهي أنه لا يسمح للحكومات والشركات الأجنبية أن يكون لها رأي حول كيفية إدارة شؤونها الداخلية.

 

في هذه الحقبة من تنافس القوى الكبرى، تتمتع هذه الرسالة بتأييد قوي. فالصين، عبر تصديرها لبراعتها التكنولوجية في إدارة دولة أمنية، تقدم بديلاً مقنعًا للدول المستبدة التي لم تعد مقتنعة بأن النظام الليبرالي الغربي هو المبدأ المنظم الحتمي للنظام الدولي. وسيشجع نموذج الصين الاستبدادي وتحديها المتنامي للولايات المتحدة على رفض الحكومات محاضرات حقوق الإنسان مع تنامي الثقة بأن المصالح الاستراتيجية الغربية ستتفوق على مخاوفهم الإنسانية في النهاية. فهل يمكن لألمانيا، على سبيل المثال، أن تتحمل انتهاكات تركيا أو بولندا لحقوق الإنسان عندما تخدم هاتين الدولتين باعتبارها خط مواجهة أول ومصلحة أساسية واستراتيجية في مواجهة روسيا؟ هل ستنتقد الولايات المتحدة رئيس الفلبين رودريجو دوتيرت بشأن حقوق الإنسان بينما تمزق الصين بنشاط شبكة التحالفات الأمريكية في جنوب شرق آسيا؟ تتساءل جوجون.

 

وهكذا تنشأ حلقة مفرغة – تختتم جوجون بالقول – فمع اشتداد المنافسة بين القوى العظمى، فإن الحفاظ على الروابط الاستراتيجية يفوق الاهتمامات الإنسانية في إدارة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة. سوف يكتسب الحلفاء الليبراليون ثقة أكبر في قمع المعارضين وكبح الحريات في محاولة لتعزيز سلطاتهم. وكلما ازدادت القوة في ظل شخصية واحدة في مناخ قمعي، ازداد ضعف النظام السياسي بمرور الوقت. وفي مواجهة المعارضة، ستلجأ الدول الاستبدادية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية أكثر للاحتفاظ بالسلطة. وسيتم الكشف عن المزيد من الانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان، وسوف ينكب الكونجرس والبيت الأبيض على التعامل مع المصالح الأمنية وتفسيرها. وستجد الولايات المتحدة نفسها في نهاية المطاف في معضلة مألوفة للغاية؛ وهي أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة تقع بين أيدي حلفاء مستبدين لا يمكن الاستغناء عنهم.

كاتب: Reva Goujonمصدر: When Human Rights Become a Handicap to U.S. Foreign Policy

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها