نشر : نوفمبر 23 ,2018 | Time : 04:54 | ID : 178118 |

«ناشيونال إنترست»: أردوغان داهية.. ولهذه الأسباب لا يجب على أمريكا أن تسلمه فتح الله كولن

شفقنا- نشرت مجلة  «ناشيونال إنترست» الأمريكية مقالًا لدوج باندو، المساعد الخاص الأسبق لرئيس أمريكا الأربعين رونالد ريجان، تناول فيه محاولات حكومة أردوغان استعادة رجل الدين المعارض، فتح الله كولن، وتداعيات ذلك لو تم، على الإدارة الأمريكية.

 

يذكر باندو في مقاله أن الولايات المتحدة لم تنحدر إلى الدكتاتورية، خلافًا لبعض الخطابات التي صاحبت انتخاب دونالد ترمب للرئاسة منذ عامين. ثمة الكثير مما يمكن انتقاده في إدارته، لكن حتى الآن، فالجمهورية الأمريكية ما تزال على قيد الحياة.

 

ومع ذلك ثمة تقارير – نفاها ترمب – تفيد بأنه كان يفكر في استهداف حكم القانون لتعزيز المصالح الخارجية. وبحسب ما أورده الكاتب في مقاله فإنَّ الإدارة هددت بتخريب عملية تسليم المجرمين لاسترضاء الزعيم التركي السلطوي، رجب طيب أردوغان ولحماية ولي العهد السعودي الدكتاتور، محمد بن سلمان،  من دوره في إصدار الأمر بقتل الصحافي جمال خاشقجي. في هاتين الحالتين فإنَّ هذين الخطأين سوف يكونان بمثابة فظاعة.

حركة حزمت

كان كولن، المقيم في بنسلفانيا والحاصل على تصريح إقامة في الولايات المتحدة قد ذهب إلى المنفى منذ عقدين تقريبًا. وكان كولن قد روج علنًا لرسالة إسلامية معتدلة وصنع شبكة واسعة من الشركات والمدارس والمؤسسات الأخرى حول العالم. لكنَّ منتقديه يلصقون بأنشطته دوافع خفية أكثر بشاعة.

 

يذكر باندو في مقاله أنَّ من الصعب على شخص غريب أن يحكم على مثل هذه المزاعم. فالكثير من الأفراد والمنظمات داخل ما يسمى بحركة «حزمت» يقومون بأعمال غير سياسية جيدة. ومع ذلك، فقد كان كولن متحالفًا مع أردوغان عندما حاز الأخير على السيطرة وعزز من سلطته في تركيا. لاحقًا وقع بين الاثنين خلاف مرير عندما قاد رجال شرطة ومدعون عموميون، بعضهم من أتباع كولن، تحقيقات بدت وجيهة واستهدفت أردوغان وشركائه. فرد النظام بتطهير الأجهزة الأمنية من أعضاء حزمت.

 

ثم وقعت محاولة انقلاب عام 2016. ألقى أردوغان باللائمة على حليفه الإسلامي السابق حتى قبل انهيار المؤامرة، وقبل وقت كبير من معرفة أي شيء عن بدايتها. ومع أنَّ بعض أتباع كولن كانوا متورطين، فقد بدا أنَّ دورهم ثانوي فحسب. في الواقع إنَّ الجماعة لم يكن لها قط نفوذ كبير داخل الجيش.

 

استخدم أردوغان الانقلاب الفاشل مثلما استخدم أدولف هتلر «حريق الرايخستاج»، أي باعتباره فرصة سانحة لسحق المنتقدين فضلًا عن الأعداء، بل إنَّ ثمة اقتراحات بأنَّ حكومة أردوغان كانت على علم بالمؤامرة، لكنها اختارت السماح للمتآمرين بالمضي قدمًا على أمل حصد مكاسب سياسية جراء ذلك، لكنَّ حقيقة هذا الأمر قد لا تعرف أبدًا.

 

استغلال الانقلاب الفاشل

ويضيف الكاتب بحسب وصفه أن الزعم بأنَّ كولن – المسن ذا الحالة الصحية الهشة، المقيم في بلد متحالف مع تركيا والذي يخضع بالفعل لفحص دولي استثنائي – قد نظم انقلابًا عسكريًا يبدو أمرًا عصيًا على التصديق. شككت أجهزة الاستخبارات الأوروبية في هذه الاحتمالية. ومن الواضح أنَّ المسؤولين الأمريكيين الذين رفضوا طلب التسليم الذي تقدمت به أنقرة لم يقنعهم دليل تركيا.

 

فعلى سبيل المثال – بحسب باندو – لا يمكن الوثوق بالاعترافات المزعومة التي جمعت خلال حملة قمع وحشية. إذ شن النظام حملة اعتقالات عشوائية، فألقى القبض على أي شخص له أدنى علاقة بحزمت، وعذب المشتبه فيهم، واقتص من القضاة المستقلين، وقمعت المعارضة، حتى معارضة أطفال المدارس. سجن حوالي 50 ألف تركي، وأقيل 150 ألفًا آخرين، من القطاعين العام والخاص على حد سواء. وعومل الصحافيون والأكاديميون والسياسيون وآخرون غيرهم ممن انتقدوا أردوغان بقسوة شديدة، وعادة ما كان يجري اتهامهم بالإرهاب. في الواقع،وبحسب ما ذكره الكاتب في مقاله  يدعو النظام الآن حركة حزمت التنظيم الفتحوي الإرهابي، دون أي دليل على أنَّ كولن أو أتباعه ارتكبوا أي أفعال إرهابية.

 

وقد انتقدت أنقرة الولايات المتحدة بحدة لإيوائها عدو أردوغان. في الحقيقة، فإنَّ الرئيس التركي أكد عن غير قصد منه المزاعم بأنه كان يلقي القبض على الأجانب ليستخدمهم ورقة للمساومة عندما عرض علنًا مبادلة الكاهن الإنجيلي الأمريكي أندرو برونسون مقابل كولن. لم يكن برونسون الأمريكي الوحيد المعتقل في ظروف مريبة. ويضيف الكاتب في مقاله يقبع أكثر من 10 آخرين في السجن، لكنهم لا يحظون بنفس شهرة برونسون. فهناك على سبيل المثال التركي الأمريكي سيركان جولجي، العالم بالإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، الذي ألقي القبض عليه أثناء قضائه عطلة في تركيا. كما منعت أنقرة زوجته وولديه، وجميعهم مواطنون أمريكيون، من المغادرة. و«الدليل» التركي بحسب ما أورده الكاتب في مقاله أنَّ جولجي إرهابي ولديه حساب في مصرف يملكه أحد أتباع كولن وكان بحوزته ورقة مالية من فئة دولار واحد، يفترض أنها رمز للمؤامرة. ومن بين المعتقلين الآخرين أساتذة جامعيون ووكيل عقاري.

 

ويرى باندو أنه على الرغم من مطالبات أردوغان الصاخبة بتسليم كولن، فربما يفضل أن يكون كولن حرًا؛ ما يسمح له بإلقاء اللوم على واشنطن لمشاكله. ذلك أنَّ كولن متواضع وناعم الكلام ويصعب شيطنته، وبالتالي فلن يصلح لأن يكون شريرًا في محاكمة هزلية. ومن ثم فهو أكثر فائدة لأردوغان، من الناحية السياسية، حال كونه في أمريكا لا تركيا.

 

وحتى بدون كولن، فإنَّ أنقرة تتعقب أتباعه حول العالم. ليس ثمة حاجة لدليل على المشاركة في الانقلاب، فالكثير من الضحايا ليست لديهم سوى صلة غامضة وبعيدة، وحتى متخيلة، بشخص ما أو شيء ما ذي علاقة بحزمت. تقدمت أنقرة بطلبات لـ83 بلدًا لتسليم مئات الأشخاص. في بعض الحالات، ضغط نظام أردوغان على الحكومات الصديقة لمنحه المطلوبين. كما أرسلت تركيا فيضانًا من مذكرات الاستدعاء المريبة إلى الإنتربول. وقيل إنَّ مايكل فلين، قبل تعيينه مستشارًا أول للأمن القومي في إدارة ترمب، والذي كان يضغط لتحقيق المصالح التركية، كان متورطًا في هذه المؤامرة المتعلقة بكولن.

 

 

وهم العلاقات الثنائية

ويرى الكاتب أن  تركيا، على الصعيد الدولي، تتحرك بعيدًا عن أمريكا؛ إذ أوضح أردوغان مواقفه العدائية من خلال تسهيل عمليات «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في السنوات الأولى للحرب الأهلية السورية، ويُعتقد أنَّ ابنه هو من تعامل مع النفط السوري الذي استولت عليه داعش. ومؤخرًا، هدد النظام بالهجوم على القوات الأمريكية في شمال سوريا التي تعمل مع الميليشيات الكردية. وعلى الرغم من أنَّ أنقرة عضو في «حلف شمال الأطلسي (الناتو)»، فقد طورت روابط سياسية وعسكرية متنامية مع روسيا.

تحافظ الإدارة على وهم العلاقات الثنائية، ولا تستجيب كثيرًا للنزعات الدكتاتورية المتزايدة لأردوغان وسياساته الخارجية العدائية. ومع ذلك، فحتى الآن بدا الرئيس ترمب مستعدًا للسماح بالعملية القانونية الخاصة بكولن أن تمضي قدمًا بلا عوائق. وهو ما يعني أنَّ الإدارة لم تقم بأي جهد واضح لإحباط القانون وتسليم أحد المقيمين بشكل قانوني في الولايات المتحدة إلى نظام دكتاتوري ليست المحاكمة العادلة فيه أمرًا مستبعدًا فحسب، وإنما أمر لا يمكن تصوره.

 

ويضيف الكاتب في مقاله أن إدارة ترمب قد وثقت علاقتها مع السعودية الدولة الأكثر عدوانية وتهورًا، كجزء من تركيزها على إيران. فالسعودية، الدولة الشمولية المتعصبة داخليًا منذ أمد طويل، قد مولت الراديكالية الإسلامية في الخارج، بما في ذلك في أمريكا، ووفرت أموالًا وقوة بشرية للإرهابيين، بما في ذلك القاعدة. أما السياسة الخارجية لولي العهد فقد كانت شائنة وخطيرة بشكل خاص، إذ بدء حرب عدوان وحشية ضد اليمن، واختطاف رئيس الوزراء اللبناني، وشن هجومًا سياسيًا – مدعومًا بتهديدات عسكرية – ضد قطر. بدأ ولي العهد بعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه في الوقت نفسه كثف من القمع السياسي.

ويكمل باندو في مقاله أن الأمر الأكثر دراماتيكية، كان اغتيال الصحافي السعودي المقيم في أمريكا، جمال خاشقجي من قبل حكومة ابن سلمان، في قنصلية السعودية في إسطنبول. وقد اعترفت الرياض أخيرًا، وسط شلال من الأكاذيب، بأنّ مسؤوليها مسؤولون عن هذه الجريمة البشعة. والسؤال الوحيد يتعلق بمستوى اتخاذ القرار بتنفيذها. ذلك أنَّ استهداف سعودي مقيم في أمريكا وصحافي بارز، من قبل فرقة اغتيال من 15 شخصًا، باستخدام القنصلية والمسكن القنصلي في بلد مسلم بارز وحليف للولايات المتحدة، يتطلب بالتأكيد موافقة محمد بن سلمان. وعلاوة على ذلك، فقد قيل إنَّ وكالة الاستخبارات المركزية قد اكتشفت دليلًا يشير إلى موافقة ولي العهد. كانت جريمة القتل هذه صادمة، لكنها غير مفاجئة، ذلك أنَّ هذا النظام قد اختطف وسجن وأعدم الكثير من المنتقدين على مر السنين.

 

كانت جريمة القتل هذه صادمة، لكنها غير مفاجئة، ذلك أنَّ هذا النظام قد اختطف وسجن وأعدم الكثير من المنتقدين على مر السنين.

 

استخدمت تركيا، المنخرطة في معركة للهيمنة السياسية في الشرق الأوسط، جريمة قتل خاشقجي لإحراج وإضعاف محمد بن سلمان. وقد أجبر ثقل الدليل إدارة ترمب نفسها على انتقاد السعوديين، لكنَّ المسؤولين فعلوا كل ما يمكن لتبرئة ولي العهد. وقد كانوا مستميتين في حماية قاتل ذي منصب رفيع إلى درجة أنه قيل إنهم قد أمروا وزارة العدل ببدء مراجعة جديدة لطلب تسليم كولن الذي تقدمت به حكومة أردوغان.

 

 

مسألة قانونية لا سياسية

وصرح مسؤول في الإدارة لصحيفة حريت دايلي نيوز التركية أنَّ مسؤولي الولايات المتحدة قد أمضوا بالفعل في هذه القضية وقتًا أطول مما أنفق في غيرها من القضايا. واشتكى المصدر من صعوبة تلبية «معيار الإثبات العالي للغاية». كان الوقت ضروريًا لضمان أنه عندما يقدم الطلب بشكل رسمي «فهو مفصل بما يكفي لتكون لديه فرصة للنجاح». وبشكل عام، ينبغي أن يكون ثمة «سبب مرجح» لكون الفعل المزعوم مشمولاً في معاهدة تسليم المجرمين وأنَّ الشخص المعني قد ارتكب الجريمة. وعادة ما يجري استبعاد بعض الأنشطة من التسليم، بما في ذلك الجرائم السياسية. وكذا فمهما تكن نوايا الإدارة، فإنَّ التسليم ما يزال قضية قانونية لا سياسية. حتى وزير الخارجية، مايك بومبيو، قد أقر بأنَّ «المسألة في مجملها تابعة لوزارة العدل».

وبطبيعة الحال، فلم يمنع هذا الأمر مسؤولي الإدارة من تسييس القضية. فبحسب المصادر، فإنَّ «الولايات المتحدة وتركيا قد ناقشتا شبكة كولن لسنوات عديدة. ومن الأمور الإيجابية أننا كثفنا تعاوننا في الشهور الأخيرة». لكن إيجابية لمن؟

 

يذكر باندو في مقاله أن هذا «التعاون» المحسن قد يكون بمثابة المبادلة للإفراج عن برونسون. بل إنَّ آخر أمر رسمي مزعوم أكثر وضوحًا حتى من ذلك: إيجاد أسباب للتضحية بكولن. (قالت الإدارة إنَّ القصة التي أذاعتها شبكة «إن.بي.ٍسي» خاطئة، لكنَّ القناة التليفزيونية زعمت وجود عدة مصادر). وبحسب «إن.بي.ٍسي» فإنَّ «هذه الجهود المتجددة تأتي في وقت يسعى فيه مسؤولو إدارة ترمب لاسترضاء أردوغان بسبب مقتل خاشقجي». فلو أرسلت الإدارة منتقد السلطان العصري لأنقرة، يمكن للأخيرة أن تتساهل مع ولي العهد الذي يريد أن يصبح ملكًا.

 

وبحسب شبكة «إن.بي.ٍسي»، فإنَّ الخبر السار الوحيد أنَّ مسؤولي وزارة العدل قد قاوموا ذلك؛ إذ يفهم أولئك المسؤولون أنَّ هذا الأمر خط أحمر أساسي فيما يخص التزام أمريكا بحكم القانون. سوف تفقد الإدارة أي سلطة أخلاقية باقية لها لو ضحت بحرية رجل، أو حتى حياته، لمساعدة حاكم متعسف في حملته المضطربة ضد المنتقدين من أجل حماية دكتاتور أسوأ حالًا من تعرضه للمحاسبة على جريمة قتل.

 

سوف تفقد الإدارة أي سلطة أخلاقية باقية لها لو ضحت بحرية رجل، أو حتى حياته، لمساعدة حاكم متعسف في حملته المضطربة ضد المنتقدين من أجل حماية دكتاتور أسوأ حالًا من تعرضه للمحاسبة على جريمة قتل

 

وختم باندو بالقول إنًّ إدارة ترمب لم تبال كثيرًا بالمخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان. فعندما ينتهك الخصوم شعوبهم، فإنَّ الرئيس ومساعديه يتظاهرون بالورع، فيدينون الانتهاكات في إيران وكوبا مثلًا. ومع ذلك فعندما ترتكب السعودية وتركيا والدكتاتوريات الحليفة الأخرى عمليات الاعتقال والقتل، يصمت مسؤولو الإدارة بشكل غريب.

 

لقد كانت جريمة قتل جمال خاشقجي صارخة إلى حد لم يمكن معه للإدارة أن تتجاهلها بسهولة، لكن من الواضح أنَّ واشنطن تأمل في التخفيف من تبعات الجريمة على الرياض من خلال استرضاء أنقرة. لن يكون فعل ذلك بمثابة سياسة خارجية سيئة فحسب، وإنما سوف يضحي بحكم القانون في أمريكا. وهذا ثمن باهظ للغاية بصرف النظر عن ماهية هدف السياسة الخارجية.

 

من الواضح أنَّ واشنطن تأمل في التخفيف من تبعات الجريمة على الرياض من خلال استرضاء أنقرة. لن يكون فعل ذلك بمثابة سياسة خارجية سيئة فحسب، وإنما سوف يضحي بحكم القانون في أمريكا. وهذا ثمن باهظ للغاية بصرف النظر عن ماهية هدف السياسة الخارجية.

 

كاتب: Doug Bandow

مصدر: America Shouldn’t Give up Fethullah Gülen to Turkey

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها