نشر : نوفمبر 26 ,2018 | Time : 05:09 | ID : 178385 |

«إنسان العصر الحجري» لم ينقرض.. قبيلة هندية ما تزال تحيا حياة الإنسان البدائي

شفقنا- في منطقة خليج البنغال التي تمثل الجزء الشمالي الشرقي من المحيط الهندي، تقع مجموعة جزر أندمان ونيكوبار التي تتألف من مئات الجزر التابعة للهند، معظمها غير مأهول بالسكان، فيما يسكن بعضها مجموعة قبائل بدائية، تعود أصول بعضها إلى العصور الأولى التي بدأت فيها حياة الإنسان على كوكب الأرض.

صفحة الماضي التي لم تُطوَ بعد»

من بين تلك الجزر جزيرة سينتينل الشمالية، وهي قطعة صغيرة الحجم تغطيها الغابات تمامًا، باستثناء الساحل المائي الذي يفتقر إلى المرافئ الطبيعية، لا يُعرف عن الجزيرة الكثير سوى أنها موطن إحدى القبائل القديمة قدمَ الإنسان ذاته، وهي قبيلة السينتينيليس التي يصفها العلماء بأنها إحدى القبائل القليلة على الأرض التي «لا زال أفرادها يعيشون حياة العصر الحجري».

 

تمامًا كما قرأت، أفراد هذه القبيلة -الذين تختلف الآراء حول تعدادهم، فقد تعذر إجراء إحصاء سكاني حقيقي لسكان تلك الجزيرة، ولكن التقديرات تشير إلى أن عددهم يتراوح ما بين 40-500 فرد- يُعتقد أنهم من أسلاف المجموعات الأولى من البشر الذين غادروا قارة أفريقيا، واستوطنوا سنتينيل الشمالية طوال 60 ألف عام.

 

 

يعيش السينتينيليس -تمامًا كالبشر الأوائل- على الصيد وجمع الثمار من الغابة، مع صيد الأسماك من المياه الساحلية حول الجزيرة، لم يعرفوا الزراعة بعد، ويسكنون إما في أكواخ صغيرة بلا جدران جانبية يكفي الواحد منها أسرة واحدة، أو في مساكن كبيرة توفر المأوى لأكثر من عائلة.

 

ترتدي نساء القبيلة عادة سلاسل ليفية تلتف حول رؤوسهن أو رقابهن أو خصورهن، كما يرتدي الرجال قلادات حول أعناقهم، ويعصبون رؤوسهم بأحزمة أكثر سمكًا، ويعتاد الرجال منهم على حمل الأسلحة البدائية كالرماح والأقواس والسهام بشكل مستمر، بالطبع لا بنادق هنا أو أسلحة نارية.

 

وككل القبائل البدائية، تمثل الموسيقى والرقص والاحتفالات طقوسًا راسخة في ثقافة السينتينيليس، ولكن يبدو أن ثقافتهم الدينية غير متطورة بعد، إذ لم تُسجّل إشارات على معرفتهم بالأديان أو الكتب السماوية، أما بخصوص اللغة، فهم يتحدثون اللغة السينتينيليسية، التي لا يبدو أنها مرتبطة بأي لغة أخرى معروفة، وغير مرتبطة حتى بلغات القبائل المحلية الأخرى في جزر أندمان، كما لم تظهر أي إشارات أن أفراد تلك القبيلة قد عرفوا الكتابة بعد.

 

 

«عيشوا كما تريدون».. السلطات «ترفع الراية البيضاء» في وجه «البدائيين»

كيف يمكن أن تعيش مجموعة كاملة من البشر في القرن الحادي والعشرين، بالطريقة ذاتها التي عاشها أسلافهم قبل عشرات الآلاف من السنين، ومن دون أن تتسرب إليهم إطلاقًا قيم أو منتجات «الحداثة» و«الحضارة»؟ الطريقة الوحيدة هي أن تفرض تلك المجموعة على نفسها سياجًا لا يمكن اختراقه من العزلة التي تفصلها تمامًا عن العالم الخارجي، وهو بالضبط ما يفعله السينتينيليس.

 

خلال سبعينات القرن الماضي، حاولت السلطات الهندية «استئناس» السينتينيليس، فشرعت في تسيير رحلات تقترب من الجزيرة، إذ يرسو الزائرون في منطقة بعيدًا عن مرمى أسلحة أفراد القبيلة، ويتركون «هدايا» لأفراد القبيلة عبارة عن ثمار جوز الهند أو فاكهة الموز أو قطع معدنية، وقد تنوعت استجابات السينتينيليين بين إظهار إيماءات ودية أحيانًا، وبين إبداء ردود فعل عدائية تجاه الضيوف وهداياهم أحيانًا أخرى.

 

في عام 1991، أبدى سكان الجزيرة رد فعل غير اعتيادي تجاه زائريهم، حين اقتربوا لأول مرة متخلين عن أسلحتهم، بل وتوجهوا نحو القوارب طلبًا للمزيد من ثمار جوز الهند، لكن هذا الترحيب الودود لم يدم طويلاً، لتعود بعدها ردود الفعل العدائية لأفراد القبيلة تجاه الغرباء، وفي عام 1996 رفع المسؤولون الهنود الراية البيضاء، وآثروا التسليم للسينتينيليس لكي يحيوا الحياة التي تعودوها على جزيرتهم منذ آلاف السنين.

 

 

توقفت إذًا الجهود الرسمية لـ«دمج» سكان سينتينيل الشمالية في الحضارة الحديثة، وآمنت السلطات أن السبيل الوحيد للحفاظ عليهم هو تجنب التواصل المباشر معهم، وإن بقيت تراقبهم عن كثب ومن الجانب الآخر من الشاطئ، للتأكد من سلامتهم، ومن أنهم يتمتعون بالصحة والعافية اللازمين لبقائهم، من دون أن تتدخل لتبديل سير الحياة على الجزيرة.

 

استمر السينتينيليس على عدائهم للغرباء، فقد اعتبروا أنهم لا يجلبون لهم غير المرض والفناء، وفي عام 1974 وفيما كان أحد المخرجين يحاول تصوير فيلم وثائقي عن القبيلة لصالح «ناشيونال جيوجرافيك»، تعرض هو وفريقه لهجوم بالسهام من قبل السكان المحليين، كما أرسل السكان سهامهم نحو طائرات الهليكوبتر الحكومية التي قدمت للاطمئنان عليهم عقب إعصار تسونامي عام 2004، وهو ما دفع السلطات للتأكيد بأنها لن تقوم بأي محاولة أخرى للاتصال بسكان الجزيرة الذين ما فتئوا يؤكدون أنهم لا يرحبون إطلاقًا بأي غريب.

 

 

«لا أهلاً ولا سهلاً بالغرباء»

السينتينيليس إذًا لا يرحبون بالغرباء إطلاقُا، وهي القاعدة التي يبدو أن جون آلن شاو لم يُعرها الكثير من الاهتمام، ليكلفه ذلك الخطأ ثمنًا باهظًا هو حياته ذاتها. يبلغ شاو من العمر 26 عامًا، وقد جاء إلى المنطقة سائحًا -بعض الروايات تشير إلى أنه قد جاء إلى القبيلة في مهمة تبشيرية لدعوة أبناء المنطقة إلى الديانة المسيحية- وبحسب مصادر الشرطة الهندية، فإن شاو «قام باستقلال زورق أوصله إلى مكان بالقرب من الجزيرة».

 

ووفقًا لمصادر بالشرطة، فإن «الصيادين قد صرحوا أنهم رأوا السائح يتعرض لهجوم بالأسهم، بعد ذلك تم سحبه إلى الشاطئ حتى اختفى عن الأنظار. وأضافوا أنهم رأوا نصف جثة السائح مدفونة في الرمال، فيما أبحروا بعيدًا». وتحظر السلطات الإبحار بالقرب من الجزيرة، لكن تقارير صحفية أشارت إلى أن شاو قد قام برشوة بعض الصيادين لكي يقلوه إلى الجزيرة  الذي سبق له زيارتها قبل ذلك أربع أو خمس مرات قبل أن تعاجله الأقدار في المرة الأخيرة.

 

 

 

 

وإلى جانب ما أثاره مقتل المواطن الأمريكي من تساؤلات حول ما إذا كان من الأفضل إعادة الاعتبار لخطط دمج تلك القبائل البدائية في تيار «الحضارة»، فقد ثارت كذلك مخاوف بعض الدوائر العلمية من أن يكون اتصال «الغريب الأمريكي» بهم، قد عرضهم للـ«كابوس» الأكبر الذي يتخوف منه العلماء بالنسبة لهذه القبائل، والذي قد يحمل بداخله بذور فنائها.

 

ففي حين أن العزلة المطلقة لتلك القبيلة -وغيرها من قبائل الأندمان- تفصلها عن مسار الحضارة تمامًا، فإنها ربما تمثل الأمل الوحيد في بقائها، إذ أن أجسام افراد القبيلة تفتقر إلى المناعة اللازمة لمقاومة العديد من الجراثيم والأمراض، تلك المناعة التي كونتها أجساد البشر الآخرين عبر آلاف السنين، وربما من شأن أي اتصال بشري بهم أن ينقل لهم عدوى أو جراثيم ليس لدى أجسادهم أي دفاعات مناعية لمواجهتها.

 

وربما يؤكد ذلك المصير المزري الذي لاقته بعض القبائل المجاورة، والتي انفتحت على العالم الخارجي بفعل جهود الاستعمار البريطاني، حيث افتقد أفراد هذه القبائل للمناعة ضد بعض الأمراض الشائعة مثل الانفلونزا، مما أدى إلى هلاك عدد كبير من السكان، ومن ثم يمكن اعتبار العداء الذي يكنه السينتينيليس للغرباء ليس شرًا مطلقًا بل يحمل أيضًا أحد أسباب بقاء تلك المجموعة واستمراريتها.

 

ولم تكن حادثة جون آلن شاو هي الأولى من نوعها، ففي عام 2006، حاول مجموعة من الصيادين التجول في الجزيرة؛ فما كان من سكانها إلا أن قتلوهم وألقوا بهم في قبور الشواطئ الضحلة، وحين حاولت هيلكوبتر تابعة لخفر السواحل الهندي استعادة جثث الصيادين، استقبلتهم سهام رجال القبيلة، مما منع الطائرة من الهبوط.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها