نشر : ديسمبر 3 ,2018 | Time : 04:55 | ID : 178873 |

مقابر وحافلات منفصلة للسّود.. الوجه القبيح للعنصريّة في المجتمع التونسي

شفقنا- تُعرف تونس بأنّها أوّل بلد مسلم يُلغي العبوديّة سنة 1846 خلال حُكم البايات، وكثيرًا ما تصوّر على أنّها تجربة مثاليّة للتقدّميّة والحداثة في العالم العربيّ منذ عهد بورقيبة ومشروعه التحديثي، لكن بعد أكثر من قرن ونصف من إلغاء الرقّ فيها، لا تزال آثار العنصريّة العميقة تمزّق نسيج المجتمع التونسي على أساس لون البشرة. المُفارقة التي قد تثير التعجّب هو تعرّض المواطنين ذوي البشرة السوداء للعنصريّة في بلد يقع في القارّة الأفريقيّة، وهو ما قد أضحى عنوانًا لحِراك حقوقيّ بعد الثورة التونسيّة سنة 2011 من أجل تسليط الضوء على هذه الظاهرة ومحاولة انتزاع حلول قانونيّة لمعالجتها، ونشر التوعية حول خطورتها.

 

«أنت كحلوش».. انتهت العبوديّة واستمرّت العنصريّة

في مشاهد تذكّر بأحداث التمييز العنصريّ في أمريكا قبل نصف قرن أو في نظام «الأبارتايد» بجنوب أفريقيا، تناقلت قنوات تلفزيونيّة ومصادر صحافيّة صورًا توضّح مدى فداحة ظاهرة العنصريّة في تونس، من خلال تخصيص حافلة لنقل السود وأخرى للبيض في كلّ من منطقة القصبة وسيدي مخلوف، ويتّضح من خلال الحوار مع المواطنين الذين يستقلّون الحافلتين وجود مشاحنات وخلافات بين الطرفين -السود والبيض- على أساس عنصري قِبلي، وهو ما دفعهم إلى التفرقة حتى في ركوب الحافلات من أجل تجنّب هذه المشاحنات اليوميّة.

 

مصطلحات مثل «العبد» و«الكحلوش» وغيرها من الألفاظ العنصريّة تنتشر في عدّة مناطق تونسيّة والتي تشي بتفاقم هذه الظاهرة على المستوى الاجتماعي، بالإضافة إلى الأسباب السياسيّة المتمثّلة في اعتبار الأنظمة السابقة للمناطق الجنوبيّة أنها محاضن للجماعات المُعارضة وللإسلاميين، إذ يغيب بشكل واضح أيّ وجود لشخصيّة ذات بشرة سوداء في منصب وزارة في التشكيلات الوزارية الأخيرة – ماعدا الرئيس السابق المرزوقي – رغم أنّهم يشكّلون 15% من عدد السكّان حسب بعض التقديرات.

 

وصحيح أنّ نظام العبوديّة في تونس قد انتهى من عشرات السنوات، ولكنّ آثاره ومخلّفاته في المجتمع التونسيّ لا تزال ظاهرة للعيان بشكل واضح؛ إذ ينتشر لقب «العِباد» أو العبيد على المواطنين ذوي البشرة السوداء الذين ينحدر بعضهم من طبقة العبيد التي كانت منتشرة في المجتمع التونسي قبل إلغائه رسميًّا سنة 1846، إلاّ أنّ هذا اللقب إلى جانب النظرة العنصريّة الاستعلائيّة لا يزال موجودًا.

 

وقد صرّح شباب يعملون في مهن متنوّعة بأنّ بعض المواطنين البيض يرفضون التعامل معهم دون أسباب واضحة غير لون بشرتهم، ويعانون أيضًا من رفض بعض أولياء البيض في موضوع الزواج. كما سُجّلت عدّة حالات لمواطنين سود تحدّثوا عن اضطهاد وأعمال عنف وشتائم عنصريّة ضدّهم من طرف جيرانهم البيض؛ ممّا يعكس صورة في غاية السوداويّة لعلاقات العناصر المختلفة داخل المجتمع التونسيّ الواحد.

 

صحيح أنّ الموت هي الحقيقة الوحيدة التي لا تفرّق بين البشر مهما كان لونهم؛ ولكنّك إذا كُنت تونسيًّا ذا بشرة داكنة، فإنّ العنصريّة ستُرافقك إلى القبر، إذ إنّ هناك مناطق داخليّة في تونس تشهد فصلًا عنصريًّا فادحًا حتّى في المقابر، حيث يتمّ التفريق بين قبور الموتى البيض والسود، المتواجدة في جزيرة جربة بتونس؛ إذ يدفن السود موتاهم في مقبرة منفصلة عن تلك التي يدفن فيها ذووا البشرة البيضاء.

 

 

الأجانب السود المقيمون في تونس كانوا أيضًا ضحايا لهذه الظاهرة؛ إذ اهتزّت الحكومة التونسيّة على وقع حادثة طعن فتاتيْن كونغوليّتين من طرف شاب تونسيّ لأسباب تتعلّق بالعنصريّة، وهو ما أعاد النقاش حول ضرورة التعجيل باستصدار قانون يجرّم هذه الظاهرة. وقد صرّحت إحدى الفتيات من ساحل العاج لـصحيفة «دويتشه فيله» أنّها اضطرّت لتغيير مقرّ سكنها في تونس بعد أن لجأت لهذا البلد بسبب خوفها من الاضطرابات السياسيّة في وطنها – ساحل العاج – لتُستقبل في ملجئها الجديد بتصرّفات عنصريّة: «تتبعني يوميًا ضحكات الاستهزاء حيثما أمر، وكلمات تنم عما هو أكبر من العنصرية، مثل «القردة» والكحلوشة (السوداء)، إضافة إلى كلمات نابية تعبر عن الاحتقار والاستفزاز».

 

ويُلاحظ ارتفاع محسوس في عدد الحوادث العنصريّة ضد الأجانب السود في الشارع التونسي بعد خسارة المنتخب التونسي لكرة القدم في مبارياته ضد منتخبات أفريقيّة، تقول المسؤولة عن جمعية الطلبة الأفارقة في تونس لـصحيفة «دويتشه فيله»: «الجمعية سجلت العديد من الاعتداءات الجسدية ضد طلبة من أفريقيا جنوب الصحراء بعد المباراة مباشرة، كما شهدت وسائل التواصل الاجتماعي موجة من العنصرية، ما أجبر العديد من الطلبة الأفارقة على البقاء في منازلهم في اليومين التاليين للمباراة خوفًا من التعرض للشتم أو الضرب».

 

 

جذور العنصريّة التونسيّة.. فتش عن السياسة!

لا تقتصر أسباب ظاهرة العنصريّة ضد السود في المجتمع التونسيّ على سنوات العبوديّة أو غياب الوعي على المستوى الاجتماعيّ فحسب، بل لها جذور سياسيّة منذ السنوات الأولى للاستقلال، إذ يرجع تهميش مناطق الجنوب – حيث ينتشر ذوو البشرة السمراء – بشكل عامّ إلى عهد الحركة اليوسفيّة بقيادة المناضل صالح بن يوسف التي كانت مُعارضة لحُكم الرئيس بورقيبة واتّخذت من الجنوب مركزًا لنشاطها المُعارض، وهو ما جعل الرئيس بورقيبة يحرم الجنوب من المشاريع التنموية كـ«عقاب سياسي».

 

كما تواصل هذا التهميش في عهد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي؛ الذي رأى في الجنوب معقلاً لخصومه الإسلاميين، حسب نائب رئيس بلدية الحامة الواقعة بالجنوب التونسي للجزيرة، ممّا أدّى إلى تفاوت في التنمية ونسب البطالة والفقر بشكل عميق بين المناطق الجنوبيّة الفقيرة، والشمال الذي يستفيد بشكل أكبر نسبيًا من عائدات السياحة التي تخلق مناصب الشغل في المناطق الساحليّة، وبالتالي معايير معيشيّة أعلى.

 

وإذا درستَ توزيع الأصوات في الانتخابات الرئاسيّة لسنة 2014 بين الرئيس السابق المنصف المرزوقي المنحدر من الجنوب والرئيس السبسي، ستلاحظ فورًا وجود استقطاب سياسيّ بين الشمال والجنوب التونسيّ، إذ ذهبت أصوات أغلبيّة المناطق الجنوبيّة للمرزوقي.

 

 

هذا التمييز الفادح بين التونسي الأبيض الذي يسكن في الشمال في العاصمة وضواحيها، وبين التونسي الأسود المنحدر من الجنوب الذي يُعاني التهميش وغياب التنميّة بالإضافة إلى العُنصريّة العميقة على المستوى الاجتماعي والسياسي – مما يفسّر كثرة الاحتجاجات والمظاهرات في تلك الأقاليم- ما دفع بالرئيس المرزوقي – حسب تصريحه – إلى الإصرار على التمسّك بمنصب رئيس الجمهوريّة خلال المفاوضات بين «الترويكا» التي جرت بين كلّ من حزبه وحركة النهضة وحزب التكتّل بعد الثورة التونسية 2011؛ إذ كان المرزوقي يرى ضرورة تصدّره – باعتباره شخصيّة من الجنوب التونسي- المشهد السياسي التونسي بعد كلّ من الرئيسيْن بورقيبة وبن علي المنحدرين من الشمال الغنيّ نسبيًّا.

 

 

جهود حثيثة للقضاء على العنصريّة..  فهل تنجح؟

وقد شهدت تونس في سنوات ما بعد الثورة عدّة مبادرات ومسيرات ووقفات احتجاجيّة للتوعية بظاهرة العنصريّة المنتشرة في المجتمع التونسيّ، كانت أهمّها تلك التي جرت أمام المجلس التأسيسي سنة 2014 بعد إحالة 50 تلميذًا إلى مجلس التأديب بعد كتابتهم شعارات ضدّ العنصريّة في ورقة الامتحان تضامنًا مع زميل لهم تعرّض لشتائم عنصريّة من طرف أستاذه.

 

 

وقد اتّخذت السلطة التونسيّة بعد الثورة قانونًا وُصف بالتاريخيّ؛ إذ تبنّى البرلمان قبل بضعة أسابيع قانونًا يهدف للقضاء على العنصريّة ينصّ على محاربة «كلّ تفرقة أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو الأصل القومي أو النسب أو غيره من أشكال التمييز العنصري». بالإضافة إلى القانون، فقد أُلحق بالوزارة المكلّفة بملفّ حقوق الإنسان إنشاء لجنة تسمّى: «اللجنة الوطنيّة لمناهضة التمييز العنصريّ»، لمعالجة هذه الظاهرة ومحاولة الحدّ منها في المجتمع التونسي، وتتراوح عقوبة الإدلاء بكلام عنصريّ بين شهر وسنة سجن، بالإضافة إلى غرامة ماليّة قد تصل إلى ألف دينار تونسي، وقد تصل إلى 15 ألف دينار للشخص المعنوي (حوالي5 آلاف يورو).

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها