نشر : يناير 12 ,2019 | Time : 03:50 | ID : 181761 |

الديناصورات كانت تجوب القارة القطبية الجنوبية وهي غابات خضراء

شفقنا- تعرف القارة القطبية الجنوبية “أنتارتيكا” عادة بأنها قارة متجمدة وخالية ومنعزلة، رغم أنها لم تكن دائما كذلك.

 

كانت كتلة القارة الجنوبية العظمى، في حقبة جيولوجية غابرة، تغطيها الغابات وتتجول على أرضها الديناصورات، فكيف كانت تنعم هذه القارة المتجمدة يوما ما بالدفء إلى الحد الذي جعل أكبر الكائنات حجما على وجه الأرض تعيش على خيراتها؟

 

لكي نعرف سبب ذلك يتعين علينا أن نرجع بالزمن إلى الوراء، وتحديدا في العصر الطباشيري، الذي بدأ قبل 145 مليون عام وانتهى قبل 66 مليون عام.

كانت القارة القطبية الجنوبية آنذاك خالية من الجليد، واشتهر هذا العصر بأنه آخر العصور التي عاشت فيها الديناصورات قبل أن يرتطم نيزك بالأرض ويتسبب في فنائها جميعا على ظهر الأرض.

 

وكانت الغابات في هذا العصر تنمو في القطبين الشمالي والجنوبي، إذ عثر العلماء على حفريات لأشجار وزواحف من ذوات الدم البارد أتاحت لهم رسم صورة شاملة توضح ملامح الطقس في هذه الحقبة.

ومن المعروف أن الزواحف ذوات الدم البارد تحتاج إلى دفء الشمس لتبقى على قيد الحياة، وقد نراها اليوم تستلقي في الشمس تستمتع بدفء أشعتها خلال ساعات النهار.

 

وكان الطقس في القطبين في فصل الشتاء، حين تختفي الشمس، دافئا بدون شك بما يكفي لإبقائها على قيد الحياة خلال الأشهر المظلمة.

كانت القارة القطبية الجنوبية خالية من الجليد في العصر الطباشيري، وكان القطبان الشمالي والجنوبي آنذاك عامرين بالأشجار

كما استعان العلماء بحفريات لكائنات كانت تعيش في المحيط داخل أصداف مثقبة وتسمى المثقبات “فورمانيفيرا”، بغية معرفة طبيعة الطقس في الماضي.

 

واستطاع العلماء، من خلال تحليل التركيب الكيميائي للأصداف والتعرف على الأحقاب الزمنية التي عاشت فيها الأنواع المختلفة من الحيوانات، تقدير درجة حرارة مياه المحيط في هذا العصر.

 

ويجري دكتور بريان هوبر من متحف سميثسونيان للتاريخ الطبيعي، أبحاثا علمية لسبر أغوار العصر الطباشيري، مع التركيز على قاع المحيط المتجمد الجنوبي.

 

ويقول هوبر: “تعد المثقبات واحدة من أفضل السجلات الطبيعية لنشأة وتطور الحياة، فلدينا المثقبات القاعية التي تعيش وسط الرسوبيات البحرية وتسجل درجات الحرارة في قاع المحيط”.

 

وأضاف: “لدينا أيضا المثقبات الهائمة التي تسبح على عمق 50 مترا من سطح المحيط، وتسجل درجات حرارة الجو. وإذا جمعنا هذه السجلات الطبيعية وحللنا الأصداف التي استخرجناها من مختلف أجزاء المحيطات حول العالم، سنكوّن صورة واضحة المعالم عن تطور الطقس”.

 

بيد أن البحث في المحيط المتجمد الجنوبي حول القارة القطبية الجنوبية قاد العلماء إلى اكتشاف أذهلهم جميعا في البداية، على حد قول هوبر، إذ لاحظوا أن المحيط الجنوبي في الماضي كان أكثر دفئا مما توقعوا.

 

ويضيف: “اكتشفنا أن درجات الحرارة كانت تصل إلى 30 درجة مئوية عند 58 درجة جنوبا” بالقرب من الدائرة القطبية الجنوبية.

 

وقد سجلت درجات الحرارة هذا الارتفاع في منتصف العصر الطباشيري، فيما أطلق عليه العلماء ظاهرة “الاحتباس الحراري في العصر الطباشيري”، الذي حدث بسبب ارتفاع تركيزات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، مثل ثاني أكسيد الكربون.

 

لكن ما الذي حدث في العصر الطباشيري جعل القارة القطبية الجنوبية، التي تبدو اليوم ساحة متجمدة جرداء، غابة خضراء عامرة بالأشجار تتجول فيها الديناصورات؟

بالنظر إلى معدل تدفق الجليد، ليس من المرجح أن نشهد ذوبان الغطاء الجليدي كليا في القارة القطبية الجنوبية في غضون عقود

يقول هوبر مفسرا: “كل ما نعرفه عن منتصف العصر الطباشيري هو أن هذه الحقبة شهدت سرعة تمدد قاع المحيط ومع زيادة كبيرة في الأنشطة البركانية التي أطلقت كميات هائلة من غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي”.

 

ولا يزال هوبر وزملاؤه يبحثون في أسباب الاحتباس الحراري في العصر الطباشيري، وما إذا كان ناتجا عن ثورات بركانية هائلة أدت إلى انبعاث كميات ضخمة من غاز ثاني أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري وبالتالي ارتفاع درجة حرارة الأرض.

 

لقد أصبح التغير المناخي أمرا واقعا لا ريب فيه، إذ تغير المناخ في الماضي، وها هو يتغير الآن، وسيتغير في المستقبل.

 

لكن ما الفارق بين تغير المناخ الآن مقارنة بالعصر الطباشيري؟ وهل من الممكن أن تعود القارة القطبية الجنوبية بلا جليد مرة أخرى قريبا؟

 

يقول هوبر: “إن التغير المناخي في الوقت الراهن أوسع نطاقا وأسرع وتيرة مقارنة بجميع التغيرات المناخية المعروفة التي أدت إلى وقوع أحداث كبرى في العصور الجيولوجية السابقة”.

 

ويضيف: “في غضون عشرات السنوات فقط تنبعث مئات المليارات من الأطنان من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وهذه الكميات لا يمكن أن تطلقها الانفجارات البركانية مهما بلغت ضخامتها في هذه المدة القصيرة”.

 

أما عن المستقبل، يقول هوبر: “أتوقع في العقود أو ربما القرون المقبلة، تزايد معدلات تدفق الأنهار الجليدية، وقد يبدأ الغطاء الجليدي في غرب القارة القطبية الجنوبية في الانحسار. لكن بالنظر إلى معدل التدفقات الجليدية الحالية، فلا أتوقع أن يذوب الغطاء الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كليا في غضون عقود”.

 

ويتوقع علماء الجليد أن تتفاقم الآثار السلبية للتغير المناخي بمجرد ارتفاع مناسيب البحار، لندخل بعدها إلى حلقة مفرغة، إذ كلما زادت سرعة ارتفاع مستويات مياه البحار، زادت سرعة تدفق الجليد الذي يصب بدوره في البحار لترتفع مستوياتها وهكذا. إذن، فنحن نرى مؤشرات على ذوبان الغطاء الجليدي في القارة القطبية الجنوبية بالفعل”.

 

ولا نستبعد أن تصبح القارة القطبية خالية من الجليد مستقبلا، وإن كنا لا نظن أن تعود إليها الديناصورات مرة أخرى. غير أننا لا يمكن أن نتكهن بتأثير هذه التحولات على البشر لأننا لم نعش على سطح الأرض حين كان القطبان خاليين من الجليد.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها