نشر : يناير 13 ,2019 | Time : 04:36 | ID : 181878 |

«ذي إنترسبت»: هذه الحقائق لم يذكرها وزير الخارجية الأمريكي في خطابه بالقاهرة

الملك عبد العزيز آل سعود مع الرئيس الأمريكي آيزنهاور

شفقنا- ألقى وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، خطابًا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة يوم الخميس الماضي 10 يناير (كانون الثاني) 2019. زعم بومبيو في خطابه المُكوَّن من 3500 كلمةٍ أنَّ الولايات المتحدة كانت «قوةً تسعى لخير الشرق الأوسط»، وتحدَّث عن «الطبيعة الأمريكية الطيبة بالفطرة»، ولهذا انتهى «عصر الشعور الأمريكي الذاتي بالعار»، حسب تعبيره، ولم يتطرُّق إلى الحديث عن الديمقراطية، أو يأتي على ذكر المساواة وحقوق الإنسان.

 

ورغم أنَّ بومبيو قال في مُستهلِّ خطابه إنَّه سيكون «صريحًا ومُباشرًا للغاية»، وأنَّه يرغب في الحديث عن «الحقيقة التي لا يتطرق إليها أحدٌ في هذا الجزء من العالم»، يرى مهدي حسن، الصحفي البريطاني في موقع «ذي إنترسبت» الأمريكي، والذي يعمل حاليًا مذيعًا في قناة «الجزيرة» الإنجليزية وسبق له العمل مع هيئة «بي بي سي» البريطانية، أنَّ بومبيو أدلى بالكثير من الأكاذيب والأوهام والمبالغات على آذان السامعين في القاهرة.

 

ويتفق حسن مع وجهة نظر شادي حامد، الباحث الزميل بمركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكنجز، الذي قال عن الخطاب إنَّه «واحدٌ من أسوأ خطابات السياسة الخارجية الأمريكية التي شهدتها من مسؤولٍ بارزٍ بالولايات المتحدة»، واصفًا إياه بـ«الساخر والتافه والمتفكِّك والضئيل والسخيف»، ووجهة نظر بول دانهار، الرئيس السابق لمكتب الشرق الأوسط في هيئة «بي بي سي»، الذي وصف الخطاب بـ«السطحي»، مؤكِّدًا أنَّ «موضوعه الرئيسي دار حول طيبة إسرائيل وفساد إيران».

 

ولهذا، كتب حسن لموقع «ذي إنترسبت» نصًا تخيُّليًا للخطاب الذي رأى أنَّه كان من المفترض أن يُلقيه وزير الخارجية يوم الخميس الماضي، إذا كان يرغب حقًا في أن يكون «صريحًا» و«صادقًا» حيال التدخُّل الأمريكي في الشرق الأوسط منذ عام 1945.

 

وإليكم نص الخطاب حسبما كتب مهدي حسن:

 

«إنَّه لمن دواعي سروري أن أعود مرةً أخرى إلى القاهرة، بصفتي أرفع مسؤول دبلوماسي أمريكي ومديرًا سابقًا لوكالة الاستخبارات المركزية، ونائبًا في الكونجرس لأربع دوراتٍ متتالية، فضلًا عن كوني عضوًا في الإدارة الأمريكية التي اعترف رئيسها بأنَّ لدينا «الكثير من القتلة» وأدان الكثير من تدخلاتنا السابقة في الشرق الأوسط. وأعتقد أنَّني مُؤهلٌ، بناءً على ما سبق، لأُخبركم بالحقيقة الكاملة حول تاريخ وتأثير تدخُّل الولايات المتحدة في المنطقة.

 

أدرك رؤساء الولايات المتحدة تلك الحقيقة المرة لعقود، وجاهدوا لإخفائها عن أعين العامة، سواءٌ داخل الولايات المتحدة أو هنا في الشرق الأوسط. فمنذ عام 1958، تساءل الرئيس الجمهوري والجنرال العسكري العظيم دوايت أيزنهاور عن سبب وجود «حملة كراهيةٍ مُوجهةٍ ضدنا في ذلك الجزء من العالم، تُحرِّكها الشعوب وليس الحكومات». لكنَّ أسباب تلك الكراهية اتضَّحت جليةً أمامه قبل بضعة أشهرٍ على يد مجلس الأمن القومي الخاص به، إذ قال له المجلس: «تبدو الولايات المتحدة، في أعين غالبية العرب، مُعارِضةً لتحقيق أهداف القومية العربية. إذ يُؤمنون أن الولايات المتحدة تسعى لحماية مصالحها في نفط الشرق الأدنى من خلال دعم الوضع الراهن ومعارضة التقدم السياسي والاقتصادي». فضلًا عن أنَّ مصالح الولايات المتحدة في المنطقة «أدَّت إلى تقاربٍ غير طبيعيٍ في العلاقات الأمريكية مع بعض عناصر العالم العربي التي تكمُن مصلحتها في الحفاظ على علاقاتها مع الغرب والإبقاء على الوضع الراهن داخل بلادها».

 

يصعب الاختلاف مع تقييم مجلس الأمن القومي هذا إذا نظرنا إلى حالة المملكة العربية السعودية مثلًا. ففي فبراير (شباط) عام 1945، خلال آخر أيام الحرب العالمية الثانية، التقى الرئيس فرانكلين روزفلت مع الملك عبد العزيز، مُؤسِّس الدولة السعودية، على متن الطراد البحري الأمريكي «يو إس إس كوينسي» في قناة السويس. لكنَّ الحاجة إلى إرساء قواعد الديمقراطية في الخليج لم تكن ضمن أولويات روزفلت. لذا عقد صفقةً شيطانيةً، بالنيابة عن الولايات المتحدة، مع واحدةٍ من أكثر الدول قمعيةً في العالم؛ نُوفِّر بموجبها الأمن لهم في مقابل حصولنا على النفط.

 

استمرت تلك الصفقة على مدار أكثر من سبعة عقود، تحت رعاية الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين. فاستمرت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، حين تبيَّن أنَّ 15 من أصل 19 شخصًا نفذوا عملية خطف الطائرات كانوا سعوديي الجنسية، لكنَّنا قررنا غزو بغداد عام 2003، وليس الرياض. واستمرت هذه الصفقة أيضًا رغم اعتراف هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، في مُذكِّرةٍ سريةٍ بأنَّ «الجهات المانحة في المملكة العربية السعودية تُشكِّل المصدر الأبرز لتمويل الجماعات الإرهابية السنية في مختلف أنحاء العالم». واستمرت كذلك رغم شن التحالف الذي تقوده السعودية حربًا في اليمن، بدعمٍ من جيش ووكالات استخبارات الولايات المتحدة، أدَّت إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين وتسبَّبت في «أسوأ كارثةٍ إنسانيةٍ عرفها العالم»، وفقًا لتعبير الأمم المتحدة. واستمرت رغم مقتل جمال خاشقجي، الكاتب السعودي في صحيفة «واشنطن بوست»، بطريقةٍ وحشيةٍ داخل القنصلية السعودية في إسطنبول قبل 100 يوم، بأوامرَ من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بحسب ما أفاد به زملائي السابقون داخل وكالة الاستخبارات المركزية.

 

وهناك مسألة إسرائيل. فمنذ البداية، وقفنا مع الإسرائيليين ضد العرب، وتحديدًا ضد الشعب الفلسطيني المُحتلِّ ومسلوب الإرادة. وقال الرئيس هاري ترومان، أثناء إعلانه دعم الولايات المتحدة لإقامة الدولة اليهودية، إنَّه اضطر «للاستجابة لرغبة مئات الآلاف المُتلهِّفين لنجاح الصهيونية، إذ لا يتضمن أنصاري مئات الآلاف من العرب». وعلى مدار الأعوام السبعين الماضية، قدمت الولايات المتحدة الدعم والتسليح والتمويل للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، يمينيةً كانت أو يسارية، أثناء قيامها بقصف وغزو واحتلال واستعمار وتطهير الأراضي العربية عرقيًا.

 

وفي عام 2014، أعادت الإدارة الأمريكية السابقة تزويد الجيش الإسرائيلي بالذخيرة إبان قصفه لقطاع غزة، والذي قُتِل فيه أكثر من 500 طفلٍ فلسطيني في غضون سبعة أسابيع. وفي عام 2018، خالفت الإدارة المجتمع الدولي والقانون الدولي حين اعترفت بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقلت سفارتنا إليها.

 

ولم يسبق أن دعَّمنا حق الحرية والديمقراطية للفلسطينيين، وكذلك الإيرانيين. ففي عام 1953، سمحت حكومة الولايات المتحدة بانقلابٍ عسكريٍ دبرته وكالة الاستخبارات المركزية للإطاحة بمحمد مصدق، رئيس وزراء إيران المنتخب، نظرًا لإيماننا بُقربه الشديد من الحزب الشيوعي في بلاده. إذ وصل كيرميت روزفلت، حفيد الرئيس الأسبق ثيودور روزفلت، إلى طهران لتنفيذ عملية أجاكس، التي تضمَّنت إثارة أعمال الاحتجاجات ضد مصدق بهدف إعادة شاه إيران المُستبد والمُؤيِّد لأمريكا إلى السيطرة الكاملة على مقاليد الحُكم في بلاده.

 

وقبل عامٍ واحد من ذلك التاريخ، زار كيرميت روزفلت مصر لإدارة «المشروع إف إف» الذي استهدف الملك فاروق، في تدخُّلٍ آخر لوكالة الاستخبارت المركزية. ساعدت الولايات المتحدة في تلك العملية حركة الضباط الأحرار في إطاحة الملك، وقدَّمت منذ ذلك الحين دعمها الكامل للدكتاتوريين العسكريين في القاهرة، ربما باستثناء جمال عبد الناصر. وحين أُطِيحَ محمد مرسي، أول رئيسٍ مصري منتخب، من السلطة في انقلاب عام 2013؟ حينها أشاد سلفي جون كيري بالجيش المصري لـ«استعادة الديمقراطية».

 

أما بالنسبة للعراق، فكل رئيسٍ حكم البلاد منذ فترة جورج بوش الأب شن عملياتٍ عسكريةٍ هناك؛ وتحوَّل قصف بلاد ما بين النهرين إلى طقسٍ واجبٍ بالنسبة لآخر خمس رؤساء للولايات المتحدة. لكن تدخُّلنا في العراق بدأ قبل عقودٍ من عام 1990، الذي حصل فيه الرئيس صدام حسين على الضوء الأخضر لغزو الكويت من أبريل جلاسبي، السفيرة الأمريكية في بغداد.

 

ففي عام 1959، أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية فرقة اغتيالاتٍ مُؤلَّفةٍ من ستة أفراد، من بينهم شابٌ يُدعى صدام حسين، إلى العراق لمحاولة قتل الجنرال عبد الكريم قاسم، رئيس الوزراء العراقي حينها. لكنَّ الفرقة فشلت في مهمتها.

 

لكن في عام 1963، نجح انقلابٌ عسكري نفَّذه حزب البعث بدعمٍ من الولايات المتحدة في إطاحة قاسم. واعترف علي صالح السعدي، وزير النظام البعثي الذي حل محله، قائلًا: «لقد وصلنا إلى السلطة على متن قطار وكالة الاستخبارات المركزية».

 

وفي عام 1980، منحت إدارة كارتر صدام حسين «الضوء الأخضر» للهجوم على إيران، وفقًا لما أفاد به ألكسندر هيج، وزير الخارجية الأسبق. وفي أعقاب ذلك، زاد رونالد ريجان من دعمنا للعراقيين، على حساب الإيرانيين، بإرسال دونالد رامسفيلد لمُصافحة صدام حسين. ولم نكتفِ بـ«غضِّ الطرف» عن استخدام العراقيين للأسلحة الكيماوية ضد الإيرانيين والأكراد، بل ساعدناهم في ذلك أيضًا.

 

وبحلول عام 2003، جاء دور الولايات المتحدة لغزو العراق، مُخالِفةً بذلك القانون الدولي، بناءً على مزاعمَ كاذبةٍ بامتلاكها أسلحة دمارٍ شامل. «كذب» جورج بوش الابن بشأن أسلحة الدمار الشامل، وكان قراره بالهجوم على العراق «أسوأ خطأٍ في تاريخ بلادنا»، وفقًا لتصريحات ترامب، رئيس الولايات المتحدة الحالي.

 

وقُتِلَ مئات الآلاف من العراقيين نتيجة الحرب، واعترف الرئيس الأمريكي السابق بوجود صلةٍ مباشرةٍ بين غزونا للعراق ونشأة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

 

لكن ماذا عن الربيع العربي؟ كيف استجابت له الولايات المتحدة؟ في سوريا، طالبت الإدارة الأمريكية الزعيم الوحشي بشار الأسد بالتنازل عن منصبه مرارًا وتكرارًا، وأنفقت وكالة الاستخبارات المركزية مئات الملايين من الدولارات على تسليح أكثر الجماعات وحشيةً داخل المنطقة، في محاولةٍ يائسةٍ لإطاحته. وبعد مرور أكثر من سبع سنواتٍ على اندلاع الحرب الأهلية السورية ومصرع أكثر من 400 ألف سوري، قرَّرت الإدارة الآن تقُبُّل حكم الأسد لتلك البلاد، وها نحن الآن نسحب جنودنا من سوريا.

 

وفي ليبيا، دعمت الولايات المتحدة عملية حلف الناتو التي أقرَّتها الأمم المتحدة لحماية سكان بنغازي، وهي العملية التي تحوَّلت في ما بعد إلى عمليةٍ غير معتمدةٍ من قِبَل الأمم المتحدة لتغيير النظام الحاكم في طرابلس. وبعدها اغتُصِب العقيد معمر القذافي وقُتِلَ في الصحراء الليبية على يد الثُوار المدعومين من الولايات المتحدة. واستقبلت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون الأخبار بابتسامةٍ عريضةٍ قائلةً: «لقد أتينا، وشهدنا موته». وتحوَّلت ليبيا اليوم إلى أرض جحيمٍ تُشبه فيلم «ماكس المجنون Mad Max»، حيث تُقام أسواق النخاسة في الهواء الطلق، وتنتشر «الحكومات» والميليشيات المُتحاربة. وأصبحت ليبيا نقطةً رئيسية يمر عبرها عشرات الآلاف من المهاجرين المُتجِّهين إلى أوروبا.

 

وعلى النقيض، دعمت الولايات المتحدة الأسرة الملكية الحاكمة في البحرين، وليس الثورة الشعبية. ولا يُمكنني الجزم بوجود رابطٍ فعليٍ بين ذلك القرار وحقيقة تمركز الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين. وتعرَّض آلاف البحرينيين للضرب والغاز المسيل للدموع والأعيرة النارية والاعتقال والتعذيب منذ عام 2011. وفي عام 2017، قال ترامب لملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة إنَّه «لن يواجه أي توترٍ في العلاقات مع إدارته». وشجَّعت كلمات ترامب حراس السجون في البحرين على التمادي في تصرفاتهم.

 

 

هذه هي الحقيقة الكاملة التي رفضت الإدارات الأمريكية السابقة مُشاركتها معكم حتى يومنا هذا: لقد دعمنا الديكتاتوريين والطغاة في الوقت الذي كنا فيه نتغنَّى بمديح الديمقراطية، وقصفنا وغزونا واحتللنا أثناء دعوتنا للاستقرار والأمن، وتورَّطنا في التعذيب والتطهير العرقي والتجويع الجماعي واستخدام الأسلحة الكيماوية ونحن نتظاهر بأنَّنا أبطال حقوق الإنسان.

 

تاريخ دورنا في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية واضح ومخزٍ ولا يمكن إنكاره. ومن يزعم أنَّ الولايات المتحدة هي «قوةٌ تسعى لخير الشرق الأوسط» هو إما كاذبٌ أو مخدوع، فذلك القول هو أبعد ما يكون عن الحقيقة. وتدخُّل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هو أكبر إهانةٍ لملايين القتلى الذين لولا تدخلها كانوا سيعيشون الآن في المنطقة.

 

واسمحوا لي في النهاية أن أتوجَّه بالشكر لكم جميعًا على حضوركم اليوم، وأن أُهدي هذا الخطاب من العاصمة المصرية إلى السجناء السياسيين البالغ عددهم 40 ألفًا -ومن بينهم مواطنون أمريكيون- والذين يحتجزهم ويعذَّبهم عبدالفتاح السيسي، رئيسكم وحليفنا المُقرَّب، منذ عام 2014. باركهم الله جميعًا، وبارككم أجمعين.

 

وأترك الميكروفون الآن لأتوجَّه عائدًا إلى العاصمة واشنطن، حيث أتوقَّع أن أتلقى أنباء إقالتي سريعًا من رئيسنا عبر موقع تويتر».

 

Mehdi Hasan

مصدر: Mike Pompeo Lied About the U.S. and the Middle East. Here’s the Truth

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها