نشر : يناير 17 ,2019 | Time : 03:05 | ID : 182132 |

السلفية المدخلية في ليبيا.. فِرقة ناورها القذّافي وجنّدها حفتر وتوشك أن تنقلب عليه

شفقنا- بعد الإطاحة بالعقيد الليبي الراحل معمّر القذّافي سنة 2011، ودخول الساحة الليبيّة مرحلة جديدة اتّسمت بالصراع المسلّح بين عدّة أطراف، برز بشكل استثنائيّ دعمُ أتباع التيار السلفي المدخلي في ليبيا للّواء المتعاقد خليفة حفتر، وذلك من خلال المشاركة في كتائبه المسلّحة لقتال الأطراف الأخرى، وإصدار فتوى دينيّة تعتبره وليّ أمر المسلمين الذي يحرم الخروج عليه، فدفعهم نحو السيطرة على المنبر الديني، واستخدمهم من أجل صناعة شرعيّة دينيّة في صراعه المحموم على السلطة في ليبيا.

 

لكنّ موقف السلفيّة المدخليّة قد يشهد تقلّبات في موقفها تجاه حفتر؛ إذ إنّ الشيخ السعودي ربيع بن هادي المدخلي – وهو الزعيم الروحي للتيّار السلفي المدخلي – وبمباركة السعوديّة كان قد دعا الليبيين إلى قتال المعارضين لحفتر باعتبارهم «الخوارج»، ودعم تشكيلهم قوّات عسكرية للقتال في صفوف حفتر وبسط النفوذ في الشرق الليبي، إلا أنّ الأمور قد تتغير قريبًا بسبب انقلاب الكثير من المداخلة الليبيين على حفتر، وتفضيلهم «وليّ أمر» جديد في ليبيا.

 

من الولاء للقذافي إلى سلاح في يد حفتر

بعد انتهاء حرب أفغانستان عام 1988، برز المداخلة الليبيون من خلال وصول الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي إلى توافق معهم باعتبارهم يضمنون استقرار نظام حكمه؛ كونهم يحرّمون الانتخابات والديمقراطية، ويدعون إلى الطاعة المطلقة للحاكم، وبمقتضى هذا الاتفاق بقي المداخلة خلال فترة حكمه بمنأى عن الشأن السياسي، واقتصرت جهودهم على محاربة التصوّف بجميع حركاته في ليبيا.

 

بل إنّ القذافي لم يكتفِ بهذه الصفقة، بل كلّف ابنه الساعدي القذافي بمتابعة التيار السلفي ومراقبته عن كثب، وهو أمر جاء في سياق توزيع الزعيم الراحل لأذرع السلطة بين أبنائه خلال فترة حكمه، فالساعدي – الذي اشتهر بالمُجون – أظهر تديّنه في الفترة الأخيرة لحكم والده، وأطلق لحيته وقص إزاره ليظهر بشكل أشبه بطالب العلم السلفي.

 

وقد أشارت دراسة بعنوان «السلفية المدخلية في ليبيا: التوجهات والحضور وسبب الاحتواء» أن الساعدي عقد علاقات قوية مع شيوخ سعوديين، كما جاء في الدراسة التي كانت لصالح جهاز المخابرات الليبي أن «التيار المدخلي عزّز من وجوده، مستغلًا التسهيلات التي تحصل عليها من قبل نظام القذافي، وتبني ابنه الساعدي له، وهو ما مكّنه من السيطرة على الكثير من المساجد منافسًا بذلك المشايخ الذين كانت تميل صبغتهم للصوفية أو المعتدلين، والذين كانت ترعاهم جمعية الدعوة الإسلامية والأوقاف بشكل مباشر، وفيما أصبح للتيار المدخلي العديد من المنتسبين تتمتع أيضًا بحضور واسع في المجتمع الليبي».

 

وفعليًا جنى القذافي ثمار هذا الولاء بشكل واضح حين اندلعت الثورة الليبية عام 2011، فسرعان ما أصدر المداخلة فتاوى تحرم الخروج على القذافي باعتباره وليّ الأمر الشرعي، بل اعتبر المداخلة الثورة فتنة «القاعد فيها خير من القائم»، وحثوا الناس على التزام البيوت وطاعة ولي الأمر.

 

لكن بعد سقوط القذافي، نشط المداخلة بعد الثورة في المجالين السياسي والعسكري، فشكّلوا «كتيبة التوحيد» التي انضمّت إلى قوات حفتر حين أعلن عن «عمليّة الكرامة» عام 2014، كما أنهم تمكّنوا من السيطرة على الكثير من المنابر الدينية والمساجد، وتوسّع نفوذهم العسكري داخل صفوف قوّات اللواء المتقاعد حفتر.

 

وقد عمل المداخلة للسيطرة على الخطاب الديني الرسمي بمباركة من حفتر الذي مكن هذا التيار من السيطرة على المنابر والمساجد، وكوّن لهم هيئة للفتوى، وأخذ نفوذ المداخلة الليبيين يظهر في مدن الشرق الليبي، فانتشرت مكتبات تقدّم كتب المنهج المدخلي بطباعة فاخرة وأسعار رخيصة، وانتشرت المدارس السلفية حتى أحصي منها 17 مدرسة سلفية في الأراضي الليبية الكثير منها يعمل دون ترخيص.

 

ولتأثير مداخلة السعودية، لم يسلم الإخوان المسلمون من التيار المدخلي في ليبيا؛ فكثيرًا ما تمّ نقد الجماعة في الرسائل الفقهية والخطب الخاصة بالمداخلة، واستخدم هؤلاء المنابر للتحريض على المثقفين والفنانين، ومارسوا الرقابة وحرقوا الكتب تحت ذريعة أنها تُحرّض على «الزندقة والضلال والبدع»، كما كانوا وراء حظر سفر النساء دون محرم، فقد أصدر الحاكم العسكري في شرق ليبيا، عبد الرزاق الناظوري، في فبراير (شباط) 2017 قرارَا بحظر سفر النساء دون محرم، إلا أنه تم التراجع عن القرار تحت وطأة الغضب الشعبي.

 

ووضع المداخلة الخط الديني المالكي الصوفي الذي يسيطر على أغلبية المجتمع الليبي نُصب أعينهم، فأقدموا على هدم أضرحة الصوفيين والتضييق على الأنشطة الصوفية في شرق ليبيا معقل الصوفية التاريخي في برقة، وقاموا بنبش الأضرحة والقبور لمشايخ الصوفية واعتدوا على الزوايا الصوفية، وأبرز اعتداءاتهم هي قيام أشخاص ينتمون لهم بنبش ضريح الإمام المهدي السنوسي، زعيم الحركة السنوسية في ليبيا، بمساندة قوة عسكرية مسلحة من كتيبة «سبل السلام» التابعة لحفتر.

 

هذا النفوذ القويّ الذي حاز عليه التيار المدخلي في الساحة الليبية أدّى به إلى ارتكاب جرائم بحق المعارضين، ففي مصراته أبرز وأقوى المدن المُعارضة لحفتر أقدمت مجموعات مسلّحة تابعة للمداخلة على تنفيذ عمليات قبض وخطف في صفوف مقاتلي وقادة سرايا الدفاع عن بنغازي المقيمين في مصراته، وعلى سبيل المثال تورّطوا في تصفية قيادي السرايا المعتقل محمد باكير، بعد اختطافه، وبرزت أسماء قيادين من تيار المداخلة مقربين من حفتر تورطوا في عمليات القتل والتصفيات والاختطافات، كقجه الفاخري الذي كان على رأس قواته التي نفذت مجزرة الأبيار، وهناك أيضًا القيادي في القوات الخاصة محمود الورفلي الذي يعد من أبرز قادة تيار المداخلة في صفوف قوات حفتر، وهو مطلوب من قبل محكمة الجنايات الدولية بعد تورطه في جرائم حرب وقتل وتصفيات تفاخر بارتكابها في مقاطع فيديو نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي.

 

 

 

ربيع المدخلي.. فتاوى الشيخ السعودي برُتبة أوامر عسكريّة!

ورث اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر ورقة المداخلة السلفيين من العقيد القذافي، واستخدمها للحفاظ على سلطته في معقله بالشرق الليبي، وقد واصل المداخلة مهمّتهم في دعم سُلطة من يعتبره مشايخُهم وليًّا شرعيًّا، بمساندتهم الرجل في عملية الكرامة التي شنها عام 2014 لهزيمة المسلحين في بنغازي.

 

لقد استجابوا لفتوى الشيخ السعودي ربيع المدخلي التي تجيز دعم حفتر في مواجهة جماعة الإخوان المسلمين، ولذلك قال الداعية الليبي رياض صاكي: إن «من أوجد حفتر وحرضه وفعلًا شجعه على الخروج هم المداخلة فهم كانوا سبب خروجه، وليس فقط أنهم خرجوا معه»، فيما قال الباحث أحمد صلاح علي: إنّ «المدخلية يهدفون من خلال تحالفهم مع حفتر إلى تحقيق مزيد من السيطرة على المجال العام في ليبيا… وفي المقابل يهدف حفتر إلى السيطرة واستخدامهم في قتال منافسيه، خاصة أنّه يعاني من نقص عددي كبير في أعداد القوات التي تحارب تحت إمرته، ويريد زيادتها من أجل استمرار حروبه».

 

وفي أول خطوات هذا التحالف المقدّس، انطلق حفتر نحو دمج اللواء العسكري للمداخلة في قواته وهو «لواء التوحيد»، وفي برقة دُمجت قوات المداخلة بالكامل فيما يعرف بـ«الجيش الوطني الليبي» التابع لحفتر؛ الأمر الذي سمح لهم بتحقيق انتشار أكبر، حيث سيطروا على مواقع عسكرية في بنغازي وأجدابيا والجبل الأخضر، وعلى فرق عسكرية مهمة مثل الكتيبة 210 مشاة والكتيبة 302 صاعقة.

 

لكن لم يبقَ الأمر على ما هو عليه؛ إذ أخذ المداخلة مؤخرًا يمارسون ضغوطًا على حفتر بعد أن ازدادت سلطتهم في الشرق الليبي، ودليل على ذلك قضية القائد في الجيش الوطني الليبي محمود الورفلي، فحين اتهمت المحكمة الجنائية الدولية الورفلي بالمشاركة في عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء لم يستطيع حفتر القبض على الورفلي كما أعلن بسبب تهديد المداخلة سحب دعمهم له إذا أُلقي القبض عليه، ويتعرّض معسكر حفتر لتهديد شديد قد يصل لحد التمرد عليه من طرف الفرقة التي دعمته في حروبه، وذلك بعد اندلاع خلاف بين قادة المداخلة حول هوية «ولي الأمر الشرعي»، حفتر أم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الذي بدأ بالاختلاف مع حفتر بعد مطالبته إجراء انتخابات، فمنذ أكثر من ستة أشهر تشهد شبكات التواصل مواجهات كلامية بين شيوخ المداخلة الليبيين، حول هويّة «ولي الأمر»، هل هو شاغل المنصب السياسي، وتحديدًا مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح، أم «المتغلب بقوة السلاح» وهو حفتر؟

 

وقد بدأ صالح باستغلال الولاء السلفي له للضغط على حفتر؛ وذلك عبر دعمه تأسيس فصائل عسكرية من المداخلة ستعمل تحت مسمى سرايا الدعوة والإرشاد لمكافحة الفساد، ورغم وجود قادة من التيار المدخلي لا يزالون مع حفتر، إلا أن حفتر حسب المراقبين مهدّد بالفعل بانقلاب المداخلة ومسلحيهم عليه، «فلم يتبق له سوى عدد منهم أُجبروا على مواصلة ولائهم له بسبب تورطهم في دماء ومجازر ارتكبوها، لكن الأخيرين بقاؤهم إلى جانبه أخطر بشكل أكبر من معارضتهم له، فهم يملكون مصير حفتر ويمكنهم إعدامه سياسيًا إذا اعترفوا بأن تلك المجازر ارتكبت بأوامر مباشرة منه»، حسب ما قال برلماني ليبي لـ«العربي الجديد».

 

 

 

ابحث عن السعوديّة!

في الحادي عشر من شهر ديسمبر الماضي، بدأ المداخلة الليبيون بجمع تبرعات لإنشاء مسجد كبير في منطقة الهواري، الواقعة جنوب غرب مدينة بنغازي (شرق ليبيا)، وأعلن هؤلاء عن فتح حساب خاص لتلقي التبرعات لبناء المسجد الذي اختير له اسم الشيخ السعودي ربيع بن هادي المدخلي.

 

 

لم يكن هذا الحدث وحده هو ما أثار التساؤلات حول النفوذ السياسي والأمني والديني للتيار المدعوم سعوديًا في الشرق الليبي، إذ يأتي بناء المسجد للتغطية على تحركات المداخلة التي تمولها السعودية، في إطار خطّة السعودية لدعم سيطرة هذا التيار على المنبر والعسكر في ليبيا.

 

وقد بدأ نفوذ هذا التيار المدخلي السلفي المدعوم من حلفائه في المملكة السعودية حين أفتى الشيخ ربيع المدخلي – الذي حرّم الثورات العربية بجميع أشكالها سابقًا – بضرورة القتال في صفوف قوات حفتر باعتباره قائد قوات مجلس النواب الشرعي، كما أن زعيم المداخلة السعودي يرى أن «حفتر حاكم متغلب وولي أمر شرعي لا يجوز الخروج عليه».

 

ويلاحظ المتابعون تركيز الشيخ السعودي في الشأن الليبي وإعلان مواقف الداعمة لمعسكر الرياض، بالأخص ضدّ تيّار الإخوان المسلمين الذي تشنّ عليه السعوديّة وحلفاؤها معركة محتدمة في السنوات الأخيرة، ففي إحدى رسائله يقول مهاجمًا ومحرضًا ضد الإخوان في ليبيا: «الإخوان المسلمون أخطر الفِرق على الإسلام منذ قامت دعوة الإخوان المسلمين، وهم من أكذب الفرق بعد الروافض؛ عندهم وحدة أديان، ووحدة الوجود، وعندهم علمانية».

 

وتابع في مهاجمته المفتي الليبي الصادق الغرياني: «هذا المعتز بسيد قطب والموجه للشباب إلى قراءة كتبه المليئة بالضلالات الكبرى، ومنها: طعنه في رسول الله وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الصحابة الكرام، والقول بوحدة الوجود، وتعطيل الصفات»، كما قال: «هذا الغرياني يهدد بنغازي بالحرب، وهو لا يحاربها إلا من أجل محاربة السلفيين، فعلى السلفيين أن يلتفوا لصدِّ عدوان الإخوان المفلسين، ولا يُمكِّنوا الإخوان من بنغازي».

 

وتعمل السعودية على استخدام المداخلة في تحقيق دور فاعل لها في ليبيا أسوة باستراتيجيتها في بسط نفوذها عبر تجذر التيار السلفي الوهابي في مناطق شمال أفريقيا وغرب آسيا، وقد انتقل التمويل والتوجيه للشباب الليبي عن طريق فتاوى ربيع المدخلي.

 

ومن الملفت للنظر أيضًا أنّه في حين أن السعودية تشنّ حملة على شيوخ التيار الديني في السعوديّة من أجل تحييدهم عن المشهد السياسي والثقافي في الداخل السعودي، فإنها تواصل استغلال نفوذ هذا التيار في الخارج من أجل استخدامه كورقة للتأثير في محيطها العربي والإسلامي.

النهایة

www.ar.shafaqna.com/ انتها