نشر : أكتوبر 31 ,2019 | Time : 01:23 | ID : 200302 |

الهجوم على مسجد بايون.. هل ضاقت فرنسا العلمانية بمسلميها؟

شفقنا- عمره 84 عاما، وبدل أن يتمتع بشيخوخته وتقاعده، اختار أن يتصدر الصفحات الأولى لكبريات الجرائد الفرنسية والعالمية، بشنه هجوما مسلحا على مسجد في مدينة بايون (جنوب غربي فرنسا)، وهو الهجوم الذي لوحظ أن تلك الجرائد لم تصفه بالإرهابي كما جرت العادة مع حوادث مماثلة.

 

كلود سينكي عسكري سابق، ومرشح سابق باسم الحزب اليميني المتطرف الجبهة الوطنية (غير اسمه لاحقا للتجمع الوطني)، قرر عصر الاثنين القيام بهجومه ضد مسجد المدينة.

 

فقد تقدم إلى المسجد عصرا، وبيده عبوة بنزين كان يود إحراق المسجد بها، لكنه فوجئ بشخصين يعدان القاعة للصلاة.

 

عندئذ بادر كلود بإطلاق النار عليهما، فأصاب أحدهما مباشرة في عنقه، في حين أصيب الرجل الثاني بالرصاص في ذراعه. ويبلغ عمر أحد الضحيتين 78 عاما، والثاني عمره 74 عاما. ثم ما لبث سينكي أن توجه إلى سيارة قرب المسجد، فأضرم النار فيها.

 

وعند اقتحام الشرطة منزله بضواحي بايون، وجدت بحوزته أسلحة قالت وسائل إعلام فرنسية إنها مرخصة.

 

تلك الصحف نقلت عن عدد من جيرانه قولهم إنهم كانوا يتفادون إلقاء التحية عليه لأنه سليط اللسان، كما أكد آخرون أنه كان معروفا بعنصريته، وعدائه للمهاجرين.

 

وصرح منفذ الهجوم للسلطات بأنه أقدم على فعلته انتقاما لحريق كنيسة نوتردام التي يرى أن بعض المسلمين هم من تسببوا في إحراقها!

 

 

وأكدت لوموند الفرنسية اليوم الأربعاء أن سينكي لم يكن يخفي إعجابه بالكاتب اليميني المتطرف إيريك زيمور، ويجتمع معه على كره المسلمين.

 

الأجهزة الفرنسية المختصة سارعت إلى طلب تقرير طبي يكشف مدى أهلية الجاني للمحاكمة، وإثبات إن كان يتمتع بالقدرة على التمييز أثناء تنفيذه الهجوم.

 

وكان مثيرا أن يعلن وكيل الجمهورية بمدينة بايون أن النتائج الأولوية للفحص الطبي أثبتت معاناة العجوز الجاني من “تأخر جزئي” في قدرته على التمييز، مما يؤثر في قدرته على السيطرة على تصرفاته.

 

وفي حين عبّر بعض النشطاء على مواقع التواصل عن تخوفهم من أن يكون التقرير خطوة لإعفاء منفذ الهجوم من المتابعة الجنائية، ويرى آخرون أن اعتراف المتهم بما نسب إليه، وخطورة الأفعال التي قام بها، يجعلان من الصعب عدم متابعته قضائيا، خاصة مع إصابته شخصين بجروح خطرة بسلاحه الناري.

 

توتر كبير

الواقعة أتت في ظل توتر سياسي وإعلامي كبير تشهده فرنسا ضد المواطنين الفرنسيين الذين يدينون بالإسلام، بعد اندلاع قضية الأم المحجبة التي صاحبت ابنها منتصف الشهر الجاري في خرجة مدرسية إلى مجلس جهوي بإحدى مناطق فرنسا، مما أثار غضب منتخب فرنسي من اليمين المتطرف، سارع للمطالبة بنزع حجابها أو بإخراجها من المقر لمخالفتها القانون، مما جعل ابنها يرتمي في أحضانها باكيا.

 

في حين صرحت هي بعد ذلك بأن الواقعة حطمت حياتها، وجعلتها تشعر بالخوف، وتفهم لماذا لا تشارك الفرنسيات المسلمات في الأنشطة المدرسية، وكشفت عن أنها عند خروجها من مقر المجلس الجهوي لقيتها منتخبة سابقة في حزب الجبهة الوطنية المتطرف (التجمع الوطني لاحقا) وعنفتها، وقالت لها “نحن سعداء أن الروس قادمون”. وهو التصريح الذي تبرأ منه لاحقا النائب اليميني، الذي طالب بطرد المرأة المحجبة من المجلس.

 

 

وعقب الحادثة، تجدد النقاش الذي لا يكاد ينتهي حتى يبدأ حول الحجاب والإسلام وفرنسا والإرهاب في وسائل الإعلام الفرنسية مكتوبة وإلكترونية ومرئية ومسموعة، حيث انتقدت شخصيات فكرية وسياسية إقصاء المحجبات من النقاش العمومي، والتركيز -في أغلب الحالات- على استضافة شخصيات تخلط المفاهيم وتحرص على التأكيد على أن الحجاب خطر على قيم الدولة الفرنسية العلمانية.

 

وقانونيا، تحرك مجلس الشيوخ الثلاثاء بمبادرة من اليمين المتطرف صاحب الأغلبية داخله، وتبنى مشروع قانون بأغلبية 163 صوتا مقابل 114، ينص على منع الرموز الدينية خلال الخرجات المدرسية.

 

وسارع وزير التربية والتعليم جان ميشال بلانكر لمعارضة مشروع القانون، الذي تؤكد تقارير إعلامية فرنسية أنه لن يصادق عليه داخل الجمعية الوطنية.

 

لكن الضجة التي أثارها مشروع القانون حتى في حال عدم المصادقة عليه، ومعه حالات التضييق والإساءة المستمرة للمحجبات في فرنسا، جعلت كثيرا من المواطنين ممن يدينون بالإسلام يعبرون عن خوفهم من تداعيات التطورات الحاصلة في بلاد الأنوار على أوضاعهم، وأنظارهم متجهة نحو بايون، وهل ستتم متابعة الجاني ذي 84 عاما، أم سيعفى بحجج طبية؟

 

إذ رغم تطمينات الرئيس إيمانويل ماكرون لمواطنيه من المسلمين، وتعهده بحمايته لهم، مؤكدا أن “الجمهورية الفرنسية لن تتسامح مع الكراهية؛ وستتخذ جميع الإجراءات لمعاقبة الجناة وحماية مواطنينا المسلمين، وأنا ملتزم بذلك”، فإن توالي حوادث الإسلاموفوبيا، والتركيز الإعلامي على قضايا الحجاب والمسلمين، وسعي اليمين المتطرف لكسب مزيد من المساحة السياسية داخل المؤسسات الفرنسية على حساب المحجبات والمسلمين بدل تقديم برامج للعمل الاقتصادي والاجتماعي، فإن كثيرين يرون أن تلك المخاوف مبررة، ولن تزول ما دامت مسبباتها قائمة.

النهاية

www.ar.shafaqna.com/ انتها