نشر : نوفمبر 19 ,2019 | Time : 04:49 | ID : 201452 |

“عين معاذ” تفضح استهداف الاحتلال للصحفيين الفلسطينيين

شفقنا- اتصال هاتفي كان كفيلا بتغيير حياة ولاء حين علمت أن زوجها الصحفي معاذ عمارنة قد أصيب بجروح، بعد أن استهدفه جنود الاحتلال خلال قيامه بتصوير مواجهات اندلعت شمال مدينة الخليل قبل عدة أيام.

 

وكما جرت العادة ظنت أن زوجها أصيب بحالة اختناق أو بقنبلة صوتية، لكنها شعرت أن الأمر أكبر من ذلك، حين شرعت بالاتصال به، وكرر لها عبارة “لا تقلقي، ستكون الأمور بخير”، بينما كان داخل مركبة الإسعاف، ولم تكن تعلم حينها أن الأمر تعدى مجرد حالة اختناق إلى فقدانه عينه اليسرى، التي استقرت فيها رصاصة من النوع المتفجر المحرم دوليا.

 

 

“صدمة”

 

تقول ولاء لـ”عربي21″ إنها توجهت على الفور إلى المستشفى وهي لا تعلم بعد ما هي إصابة زوجها، لكنها شعرت أنه يخفي عنها أمرا ما، وبعد خروجه من غرفة الطوارئ أخبرها الأطباء أن الرصاصة أصابت عينه بشكل مباشر، مع احتمالية فقدانها.

 

ساعات طويلة مرت على عائلة عمارنة بين مختلف المستشفيات في بيت لحم، ووسط إجراءات الاحتلال المانعة لنقله إلى مستشفيات القدس المحتلة، حتى تمكن من دخول أحدها، وأجريت له عمليات جراحية، ليتبين أن شظية بقيت داخل تجويف العين في مكان قريب جدا من الدماغ، مع خطر استئصالها.

 

ولمعاذ وولاء ابنان هما ميس الريم (8 سنوات) وإبراهيم (4 سنوات)، اللذان شعرا بحزن شديد بعد إصابة والدهما، حيث كانا متعلقيْن به كثيرا، ولم يتمكنا من رؤيته منذ إصابته.

 

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الاحتلال قمع فعالية تضامنية مع الصحفي المصاب في مدينة بيت لحم، التي شاركت فيها عائلته، ما أدى إلى إصابة طفلته بحالة اختناق شديدة.

 

وتستذكر ولاء قيام الاحتلال باحتجاز زوجها عدة مرات أثناء قيامه بعمله الصحفي، وهو تصوير الفعاليات والأحداث المختلفة، بينما تعرض للإصابة مرات كثيرة متنوعة، ما بين الاختناق وارتطام القنابل الصوتية والغازية بأطرافه، ما يسفر عن حروق ورضوض، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يصاب فيها بالرصاص المتفجر، ما يشكل خطرا على حياته.

 

وتضيف: “أحاول تجنب التفكير في المستقبل، وكيف سيتأقلم معاذ مع إصابته، لكنني أعلم تماما أنه لا يستسلم بسرعة، ولن يجلس في المنزل مكتوف اليدين، وهو كان قال: حتى لو فقدت عيني فسأعود للعمل”.

 

وتطالب الزوجة على لسان عائلة معاذ الجهات الدولية المعنية بملاحقة الاحتلال على جريمته هذه؛ لأنه كان من الواضح أنه يرتدي الزي الصحفي، معربة عن أملها بأن تكون إصابة معاذ بداية لمحاكمة الاحتلال على جرائمه، خاصة بحق الصحفيين.

 

أما معاذ الذي ما زال يرقد على أسرة مستشفيات القدس ما بين عمليات جراحية وصور طبقية، فلم يتمكن من الحديث إلينا؛ بسبب وضعه الصحي الصعب، والألم الذي يتسبب به وجود شظية مستقرة خلف العين، فيما يمنع الاحتلال جميع عائلته من الحصول على تصاريح للتواجد معه في القدس المحتلة، التي يمنع على أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة دخولها دون تصريح خاص من سلطات الاحتلال.

 

 

 

شاهد عيان

 

من جانبه، يوضح الصحفي رائد الشريف مراسل قناة الغد اللندنية، لـ”عربي21″، بأنه ومجموعة من الصحفيين تواجدوا في منطقة “القرينات” ببلدة صوريف شمال الخليل؛ لتغطية فعالية ضد مصادرة الأراضي، مبينا أن جنود الاحتلال كانوا ينتشرون بشكل مكثف في المكان، ومن بينهم قناص.

 

يضيف الشريف أن الصحفيين اتخذوا قرارا في ظل هذا التواجد الكبير للجنود ووجود القناصة، بالابتعاد قليلا عن المكان، والتصوير من جهة أخرى، لافتا إلى أن معاذ كان بعيدا عنه بضعة أمتار فقط، ليتفاجأ بصوت الصحفيين يصرخون مرة واحدة.

 

ويتابع: “نظرت خلفي إلى معاذ، فوجدت الدماء تسيل من عينه والمشهد قاس جدا، فلم أحتمل إطالة النظر إليه، قمنا بعدها بحمله ومساعدته على السير للوصول إلى الإسعاف، وكان الجنود يلاحقوننا خلال ذلك، ويحاولون استفزازنا”.

 

ويؤكد الشريف بأن معاذ كان يرتدي الزي الصحفي والحماية الكاملة من درع وخوذة، وكلها تحمل كلمة “صحافة” باللغة الإنجليزية، ورغم ذلك تم استهدافه بشكل متعمد ومباشر.

 

ويتابع: “ليس فقط في ذلك اليوم، بل في كل يوم، هناك استهداف لنا كصحفيين، والاحتلال لا يفرق بين صحفي وغير ذلك، ويقوم بالاعتداء علينا، رغم أننا نقوم بعملنا، فالصحافة ليست جريمة، وهذا ما يجب أن يفهمه الاحتلال الذي سجل مئات المرات استهداف الصحفيين وملاحقتهم”.

 

وكانت انطلقت حملات فلسطينية وعربية ودولية للتعبير عن التضامن مع الصحفي المصاب عن طريق وضع ضمادة على العين اليسرى، في إشارة إلى إسناد معنوي، ومحاولة كشف جريمة الاحتلال باستهداف صحفي خلال عمله.

 

لكن هذا المسلسل من استهداف للصحفيين موجود منذ بداية احتلال فلسطين؛ حيث إن الاحتلال -حسب معطيات مركز الحريات الإعلامية “مدى”- ارتكب 27 انتهاكا بحق الصحفيين، نحو نصفها إصابات واعتداءات بالضرب على الصحفيين خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي فقط، وفي العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014 قتل الاحتلال 17 صحفيا وناشطا إعلاميا، كما قتل منذ العام 2000 في الضفة الغربية وقطاع غزة 34 صحفيا، آخرهم جريمة قتل الصحفيين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين العام الماضي في قطاع غزة.

 

 

 

“مسلسل مستمر”

 

ويوضح “مدى” بأنه خلال مسيرات العودة على حدود قطاع غزة، سجلت إصابة العديد من الصحفيين بجروح مختلفة أسبوعيا، وبينهم من أصيب بعينه كالصحفي عطية درويش الذي تلقى قنبلة غاز بعينه اليسرى أفقدته 50% من بصره، وأحدثت تهتكا في وجهه، إلى جانب العديد من الصحفيين الذين أصيبوا بعاهات دائمة.

 

بدورها، سجلت التقارير الحكومية في غزة إصابة أكثر من 350 صحفيا خلال تغطيتهم مسيرات العودة عام 2018، منهم 104 إصابة بالرصاص الحي والمتفجر وشظايا الرصاص. ومنذ بداية العام الجاري 2019 وفي شهر آب/ أغسطس الماضي، أصيب ما لا يقل عن 80 صحفيا أثناء تغطيتهم مسيرات العودة.

 

أما حسب نادي الأسير الفلسطيني وتقارير أخرى، فيقبع في سجون الاحتلال تسعة صحفيين ونشطاء إعلاميون فلسطينيون، أقدمهم الأسير محمود عيسى، المعتقل منذ عام 1993 ومحكوم بالسجن المؤبد.

 

بدوره، يؤكد عضو الأمانة العامة لنقابة الصحفيين، عمر نزال، بأن إصابة عمارنة ليست الحدث الأول فيما يتعلق بإصابات الصحفيين، لكنها كانت حدثا نوعيا جديدا على الأقل بالمعطيات المتوفرة.

 

ويبيّن في حديث لـ”عربي21″ بأن استهداف عين معاذ هو استهداف متعمد وجريمة تعني استهداف الصحفيين وعين الحقيقة، لافتا إلى أن الاستهداف جاء بعد فضح الصحفيين لجريمة الاحتلال بقتل شاب بدم بارد في مخيم العروب شمال الخليل.

 

ويشرح نزال خصوصية إصابة عمارنة، التي تمثلت بفقدانه لعينه اليسرى، وإصابته التي كانت قريبة من الدماغ، حيث ما زالت إحدى الشظايا مستقرة داخل العين، ويجري الأطباء مشاورات حول إمكانية إزالتها.

 

أما عن دور النقابة عقب إصابة عمارنة، فيقول نزال إنها بدأت بتنفيذ سلسلة تحركات ميدانية في خمس مدن رئيسية بالضفة، من بينها كانت الوقفة المركزية في مدينة بيت لحم، التي تم قمعها بشكل عنيف من قبل جنود الاحتلال، واعتدوا فيها على عدد من الصحفيين، واعتقلوا عددا آخر.

 

ويشير إلى أن النقابة ما زالت تواصل تحركاتها الميدانية، إلى جانب المتابعة الطبية لملفه عن طريق عدد من الأطباء، حيث تقوم عن طريق علاقاتها في الاتحاد الدولي للصحفيين بالبحث عن أنسب مستشفى لمتابعة حالته طبيا، لكن الأمر ما زال قيد البحث بناء على ما يقرره الأطباء.

 

وعلى صعيد المتابعة القانونية، يؤكد نزال بأن النقابة شكلت منذ اليوم الأول هيئة قانونية؛ لبحث وجمع كل الأدلة وشهادات الزملاء في الموقع، في إطار المتابعة للتقدم بشكوى لمحكمة العدل الدولية أو محاكم بعض الدول الأوروبية، التي تسمح بملاحقة الاحتلال قانونيا.

 

ويضيف: “ما زلنا نبذل جهودنا لضغط دولي على الاحتلال بكل علاقاتنا، بما فيها الأمم المتحدة ومؤسساتها المختلفة. ولكن من تجربتنا، فإن الاحتلال دولة مارقة، وهو كيان فوق كل القوانين الدولية، يغطي جرائمه بعين مغطاة من الدول الرأسمالية التي تتستر على ما يقوم به، وليس فقط قضية استهداف الصحفيين، بل إن الاحتلال في كل القضايا يدير ظهره لكل المنظومات والأخلاقيات والشرعيات الدولية، وهو متمرد عليها”.

 

ويعتبر نزال أنه طالما بقي الاحتلال فإن الصراع سيبقى مستمرا بين الصحفيين وسلطات الاحتلال؛ لأن الصحفي يبحث عن الحقيقة ويكشفها ويفضحها، بينما الاحتلال يسعى إلى طمسها، وهذا الصراع سيبقى مستمرا.

النهاية

www.ar.shafaqna.com/ انتها