خاص شفقنا العراق- التجربة الأفريقية ناجحة الى حد بعيد في تطوير صناعة السلاح الأوربية خاصة، وليس في شؤون صناعة الأسلحة الفتاكة، بل وتعدت ذلك الى تجارب الأمراض الخبيثة واللطيفة التي تستدعي بحوثا ودراسات معمقة.
فأغلب الأسلحة الأوربية كانت تتجه الى أفريقيا سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وحتى خلال التسعينيات وماتزال بمستوى أقل هذه الأيام، بينما كانت أغلب الأمراض المرعبة تظهر في القارة الأفريقية، كـ (الإيدز والجمرة الخبيثة وإبولا) وسواها من مصائب تضرب الجنس البشري الأقل أهمية لدى الغرب، فالأوربيون والأمريكيون وأبناء أجناس أخرى يرون في الجنس الأسود سبة وعارا على البشرية، وماتزال القيادات العسكرية الأمريكية في الجيش والشرطة في مختلف الولايات لا تعبأ بالأمريكي الأسود، ولا يمر عام إلا وقد قتل بعض الشباب السود نتيجة الأفكار العنصرية الفتاكة سواء لدى بعض المنظمات المتطرفة والعنصرية، أو لدى رجال الشرطة وضباطها الذين يتصرفون بعنجهية بالغة مع الشبان السود، وربما تكون حادثة بالتيمور في ولاية ميرلاند شاهدا على تلك البشاعة، وقبلها البشاعات التي دفعت وزير العدل الذي نسيت أسمه الى تقديم استقالته الى الرئيس أوباما.
تعلمت عديد شعوب أفريقيا من تجارب الموت، وشبعت من الفقر والحرمان والمرض، وأصيبت بالتخمة من كثرة الطغاة والمجانين والمصابين بداء العظمة ومصاصي الدماء، وقدمت نماذج مروعة من القتلة، وصدرت بلاءها الى مختلف العالم عبر قوارب الموت التي تعبر المتوسط الى أوربا، فمن الناس من يغرق، ومنهم من يرميه تجار الموت في عرض البحر، ومنهم من يصل، أو تنقذه سفن الدوريات التي تجوب المتوسط، أو يصل سالما، وصارت بعض النسوة الحوامل يلدن في تلك الزوارق فيصل (الطفل) وقد كتب في حقل محل ولادته (البحر).
ما تزال أفريقيا تنئ بالحروب والفقر والمشاكل، لكنها تغيرت حتما، وبدأت نماذج جديدة مبهرة تظهر للعالم كجنوب أفريقيا وأنغولا الدولة النفطية، وبلدان أخرى في جهات القارة المختلفة، وصار المستثمرون الصينيون والأوربيون والروس يتسابقون لترسيخ وجودهم هناك في مجالات مختلفة، وتضرب الصين مثلا في الرغبة التي تغالبها فيها دول أخرى للوجود حيث المستقبل.
في المقابل يعاني الشرق العربي المتخوم بالنفط والدين والقبلية والجنون والعداوات القومية والطائفية من مشاكل لاتعد ولا تحصى، وأحقاد وضغائن لا يصيبها البلى، ولا تتقادم فتنتهي بل تتجدد، وما اجتمع الدين والبداوة في أمة إلا وقد دمرت وخربت وصارت هباء، فالشعوب العربية تنقل التجربة الأفريقية المتهالكة الى أراضيها، وتشتري السلاح من الغرب المصنع له، وتقتل وتدمر به بلاد عربية أخرى بلا رحمة ولا ضمير، فسوريا شاهد على قتل الأخوة لبعضهم، وتجربة السعودية في اليمن، وقبلها تجربة العراق والكويت والتي سبقتها تجربة صدام مع إيران، وها هي ليبيا تكاد تشتعل بطريقة مثيرة للاستغراب، ومثلها أجزاء من تونس ومصر حيث السلاح الفرنسي والأمريكي، ثم ها هي فرنسا لوحدها تبيع عشرات الطائرات الرافال لمصر والسعودية وقطر والإمارات ومعها فرقاطات ومعدات ثقيلة ومثلها صفقة للجيش اللبناني، عدا عن السلاح الذي يصل الى متقاتلين من شتى الوجهات.
وها هي الأمراض والمجاعة والخراب يعم الشرق العربي ويدمره، ومعه عرب أفريقيا الذين كانوا يسخرون من الأفارقة غير العرب.. أفريكانو بامتياز.
بقلم: هادي جلو مرعي

