شفقنا-ان دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، الذي عاد مؤخرا من لقاء الأسبوع الماضي مع فلاديمير بوتين في ألاسكا، يبدو أنه تراجع عن موقف الضغط المباشر على موسكو لوقف الحرب، في حين أنه قبل أيام قليلة كان قد هدد بأن “عواقب شديدة” ستنتظر روسيا إذا رفض الكرملين قبول وقف إطلاق النار.
إلا أن مساء الأحد، عاد ترامب إلى روايته المعتادة، موجها أصابع الاتهام نحو أوكرانيا ورئيسها، وكتب في منشور على حسابه الشخصي: “يمكن للرئيس زيلينسكي أن يوقف الحرب مع روسيا فورا إذا أراد، أو يمكنه أن يواصل الحرب”.
ورغم دلائل واضحة على ميل إدارة ترامب للتساهل مع موسكو، تظل أوروبا تملك أدوات قوية للضغط على روسيا. حضور بارز للقادة الأوروبيين في اجتماع الاثنين في البيت الأبيض، إلى جانب زيلينسكي، أبرز أن أوكرانيا ليست وحيدة. بجانبه حضر الأمين العام لحلف الناتو، ورئيس مجلس أوروبا، ورئيس فنلندا المعروف بـ “الهامس في أذن ترامب”، إضافة إلى أربعة قادة أوروبيين بارزين آخرين، وهو مزيج حاول بوضوح خلق توازن أمام تقلبات البيت الأبيض.
ويعتقد المحللون أن هذا التحالف يمكن أن يمنح أوكرانيا وداعميها القدرة على إدخال نوع من الاستقرار والحزم في موقف الولايات المتحدة، حتى لو لم تكن واشنطن نفسها تميل إلى موقف صارم.
وأكد تام كيتينغ، مدير قسم المالية والأمن في معهد الخدمات الملكية المتحدة في بريطانيا، في مقابلة له: “الولايات المتحدة وأوروبا تملكان جميع الأوراق. المشكلة هي غياب الإرادة لاستخدامها.
هذا النفور واضح خصوصا في مجال الحرب الاقتصادية. منذ البداية، تبنى حلفاء مجموعة السبع نبرة صارمة، لكنهم لم يدخلوا ميدان العقوبات بالكامل. نحن قصّرنا في كل مرحلة ولم نصل إلى مستوى يمكن أن نلحق الألم الاقتصادي الكافي بروسيا لإجبار بوتين على إعادة النظر”.
فرض عقوبات اقتصادية
وفي الوقت الذي أظهرت فيه إدارة ترامب علامات على التراجع عن فرض عقوبات اقتصادية جديدة على روسيا وقلة الرغبة في استخدام هذه الأداة للضغط على الكرملين، تتجه الأنظار الآن نحو أوروبا، التي قد تضطر إلى التحرك بمفردها، كما لوحظ سابقاً في تقارير عن تعزيز أمن أوكرانيا دون الاعتماد على مساعدات عسكرية جديدة من واشنطن.
وأكد تام كيتينغ أن “الأوروبيين لديهم الوقت الكافي لإيجاد مسارات للتحرك المستقل. إذا قرروا توجيه الضربة الأساسية، فلديهم ليس فقط القدرة، بل يمكنهم أيضاً تغيير قواعد اللعبة بشكل جدي عبر تحرك منسق”.
أول مسار يمكن لأوروبا اتخاذه للضغط على موسكو يتمثل في تقييد قدرة روسيا على تهريب النفط الخام إلى الأسواق العالمية عبر ما يُعرف بـ “أسطول الظل”، المكون من ناقلات قديمة، بلا علم، أو بعلم دول غير معروفة تستخدم لتجاوز العقوبات.
وقد نجحت الإجراءات المشتركة للاتحاد الأوروبي وبريطانيا، إلى جانب سياسات إدارة بايدن في السنوات الماضية، في تعطيل جزء كبير من هذا الأسطول، وإجبار نحو نصف صادرات النفط الروسية على المرور عبر مسارات قانونية.
ومع ذلك، يرى الخبراء أن هناك مجالا أكبر للضغط، إذ يمكن أن يساهم استخدام أوسع لأدوات المراقبة وفرض غرامات أشد على شركات التأمين ومصادرة الناقلات المخالفة في تضييق سبل التهرب من العقوبات.
ويؤكد الخبراء أن تعاون وزارة الخزانة الأمريكية يمكن أن يجعل هذه الإجراءات أكثر فعالية، إلا أن تغير توجه البيت الأبيض حاليا أدى إلى توقف توسيع العقوبات التي كانت مطبقة في عهد بايدن على ناقلات النفط الروسية.
تجاوز العقوبات
خطوة إضافية يمكن لأوروبا اتخاذها هي تقييد وصول روسيا إلى المسارات البحرية الحيوية لنقل النفط غير القانوني، خصوصا في بحر البلطيق والمضائق الاستراتيجية في الدنمارك، والتي أصبحت في الأشهر الأخيرة أحد القنوات الرئيسة لموسكو لتجاوز العقوبات. وقد حاولت بعض الدول الأوروبية سابقاً، بالاستناد إلى القوانين الدولية، منع مرور ناقلات النفط المشتبه بانتهاكها للعقوبات.
أحد الخيارات الطويلة الأمد والمثيرة للجدل لأوروبا هو مصادرة نحو 220 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي، وهي أصول جمّدت منذ ثلاثة أعوام بالتزامن مع بداية الحرب في أوكرانيا، بواسطة أوروبا والولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الخوف من ردود فعل انتقامية من موسكو والقلق بشأن تقويض مكانة اليورو كعملة احتياطية عالمية، حال دون تنفيذ هذا الإجراء حتى الآن. كما أن دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية، لا سيما بلجيكا التي تُخزّن فيها غالبية هذه الأصول، اتبعت سياسة حذر نتيجة لتبعات مالية وسياسية محتملة.
ورغم هذه الموانع، يرى المحللون أن الاستفادة من هذه الأصول المجمدة يمكن أن يكون لها تأثير حاسم على مستقبل الحرب وإعادة إعمار أوكرانيا، إذ يمكن أن تغطي نفقات شراء الأسلحة لأوكرانيا لسنوات، وتعمل بمثابة دفعة أولى لفاتورة إعادة الإعمار الباهظة للبلاد.
المصدر: موقع فرارو
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


