فساد ممنهج؛ انهيار المؤسسات والاقتصاد في أفغانستان

شفقنا – في شوارع كابل، ترى النفايات متكدسة لأشهر ولم تُجمع، وفي هرات، ترى النساء يتعين عليهنّ المرور من أمام أعين منتسبي طالبان، لشراء الخبز، وفي قندهار، يُعيّن حاكم مدينة جديد لا على أساس الخبرة والتجربة، بل من خلال دفع ألوف الدولارات.

وهذه ليست نبذة عن قرائن وشواهد تفشي أزمة إدارية، بل مؤشرات على منظومة فساد ممنهج، ساهمت في تثبيت طالبان لا كعلامة على ضعف بل كأداة لحفظ السلطة وترسيخها.

ففي أفغانستان اليوم، لا يعني الفساد السرقة من الخزانة فقط؛ بل يعني شراء العدالة وبيعها والاضطهاد تحت ذريعة الشرع، وتحويل المدن إلى مسارح للخوف والتمييز.

ويتناول التقرير هذا الفساد المعمق، الفساد الذي توغل من أعلى المؤسسات وصولا إلى أدنى المرافق، وحوّل أفغانستان إلى بلد بلا روح.

 

فساد نظام حكم، لا حالات فردية

ومنذ عودة طالبان إلى الحكم في آب/اغسطس 2021، ليس واجهت أفغانستان أزمة حقوق انسان غير مسبوقة فحسب، بل شهدت ترسيخ وتثبيت منظومة فساد ممنهجة تبدأ من أعلى المستويات الأمنية والإدارية وتنتهي في الشوارع والبيوت وقلب المجتمع.

فالفساد في هذا النظام، ليس مجرد استغلال المال العام، بل سياسة واعية يتم فيها:

شراء السلطة وبيعها، وتتحول العدالة إلى أداة للانتقام، والمدن إلى مسارح ومشاهد إيديولوجية، ويصبح الفقر ليس كنتيجة، بل أداة للسيطرة والتحكم.

ويسلط هذا التقرير الضوء على الفساد الممنهج والهيكلي لطالبان في جميع الأبعاد بدء من المؤسسات المركزية وصولا إلى إدارة المدن وبدء من الاقتصاد ووصولا إلى حياة الناس الروتينية.

1-الفساد في المؤسسات الإدارية والأمنية: شراء السلطة وبيعها

التعيين في المناصب على أساس الوفاء والانتماء لا الأهلية والكفاءة

وتظهر تقارير الأمم المتحدة والمقررين المحليين، أن المناصب الإدارة والعسكرية في أفغانستان، تحولت إلى سلعة تجارية.

ويفيد تقرير فريق مراقبة عقوبات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة (2023) أن المدن والمعاونيات والمهام العسكرية في الولايات، تُباع لأشخاص يدفعون أعلى المبالغ.

ففي ولايات من مثل هلمند وننغرهار، يتم تعيين الولاة، عن طريق دفع ألوف الدولارات لشبكات السلطة المركزية في كابل، لا على أساس الخبرة أو التخصص.

 

الفساد المستشري في الأجهزة القضائية والأمنية

وتحولت المحاكم الشرعية لطالبان إلى أداة للثأر الشخصي والمالي بدلا من تطبيق العدالة. وتظهر الشهادات الجماهيرية أن أحكام المحاكم قابلة للبيع والشراء.

وكانت ثمة اعتقالات زائفة هدفها الابتزاز في مدن بما فيها كابل وهرات. ويتم اعتقال أشخاص بتهم مزيفة، ومن ثم يُفرج عنهم بمجرد دفعهم مبالغ نقدية.

وتنهمك قوات الأمن مثل 333 (الأمن العام) و 240 (المخابرات والمراقبة) في أنشطة تجسس ونصب واحتيال والضغط على التجار وأصحاب المحال التجارية.

2- الفساد المستشري في الاقتصاد: تجارة الأزمة وفرض ضرائب غير قانونية

 

التهريب والضرائب الموازية

وقد فرضت طالبان، ضرائب عديدة وغير قانونية على الناس: ضريبة زواج الفتيات والدفن والدخول إلى السوق وحتى إنتاج الزبيب.

 

وعلى الحدود، تدعم قوات طالبان، التهريب وتحصل على مقابل مالي من الربح المتحصل.

وتقوم البنوك الأفغانية الخاضعة لسلطة طالبان، بتيسير غسيل الأموال. ويتم نقل ملايين الدولارات عن طريق الشبكات المالية في باكستان والإمارات العربية المتحدة.

 

الفقر الممنهج والاضطهاد الاقتصادي

ويعيش أكثر من 97 بالمائة من السكان، دون خط الفقر (البنك الدولي، 2923).

لقد تم إقصاء النساء من سوق العمل بالكامل، ما مثّل ضربة اقتصادية هائلة للمواطنة.

يتعرض رجال الأعمال وخالقو فرص العمل والتجار لضغوط الضرائب غير القانونية وضمان الأموال أو يبادرون إلى إغلاق محالهم ومهنهم.

 

3- الفساد في هيكلة المجتمع: من الأسرة إلى المدرسة

 

تخريب المؤسسات الاجتماعية

التعليم كاداة فساد: أصبح ممنوعا حصول الفتيات ما بعد الـ 12 عاما على الدراسة، بيد أن ثمة تقارير تتحدث عن بيع تراخيص الدراسة بصورة سرية.

 

فساد ممنهج؛ انهيار المؤسسات والاقتصاد في أفغانستان

تزايد حالات الزواج المبكر وبيع الفتيات كوسيلة للعيش والبقاء. ويقوم بعض مسؤولي طالبان بإرغام الفتيات على الزواج تحت وعود إخلاء سبيل أعضاء الأسرة.

 

الخوف والصمت، كسياسة

لقد استحدث فساد طالبان، ثقافة الخوف والسكوت.

والأشخاص الذين يرفعون شكوى ودعوى، يتعرضون للاعتقال والتعذيب أو النفي.

ويخضع الصحفيون والنشطاء المدنيون والفنانون، للمراقبة واضطر العديد منهم للصمت أو الهروب من البلاد.

4- أثر الفساد على النساء والأقليات

النساء: الضحايا الرئيسيون للفساد الممنهج

إن النساء، لسن محرومات من أبسط حقوقهن فحسب، بل يقفن في الخط الأمامي في التعرض للفساد الممنهج.

ويذهب منتسبو طالبان إلى المنازل والبيوت لابتزاز النساء، ويتلقون أموالا منهن تحت طائلة التهديد بالاعتقال.

ويخضع حصول النساء على المساعدات الانسانية، لتحكم الفساد.

 

الأقليات العرقية والطائفية: هدف سافر

يتعرض الشيعة والهزارة والطاجيك والإيماقيون للتمييز والاعتقال والقتل بصورة ممنهجة.

ويتم مصادرة أراضي هذه المجموعات من دون تقديم تعويض، وتوزع بالتالي بين أعضاء طالبان.

ويتم إغلاق المساجد والمراكز الدينية التابعة للأقليات الدينية أو تدميرها.

5- انهيار الإدارة الحضرية: التسييس وغياب الكفاءة والجدارة وتفشي الفساد في الأجواء العامة

تعيين أشخاص غير متخصصين كمدراء حضريين

ويتم انتخاب الولاة وحكام المدن الكبرى ورؤساء البلديات، من بين المقاتلين الأوفياء لطالبان، لا من بين المدراء المتخصصين.

وفي كابل، فان عمدة كابل الحالي، لا يملك أي خبرة وتخصص في الإدارة الحضرية. إن مهمته تتمثل في تطبيق الأحكام الشرعية أكثر من معالجة مشاكل المدينة.

 

انهيار الخدمات الحضرية

جمع القمامة: ويتم ترك النفايات والقمامة في كابل وباقي المدن في الشوارع. وتساعد تلال القمامة على تفشي الأمراض.

إمدادات المياه: وتفتقد الكثير من المناطق إلى المياه الصالحة للشرب.

التخطيط الحضري: لا توجد أي خطة لتطوير المدن. وقد تحولت الأجواء العامة إلى مقار عسكرية.

 

التسييس: البلديات باتت أداة للسيطرة الإيديولوجية

وتحولت البلديات إلى أدوات للنفوذ الإيديولوجي لطالبان.

وتم إغلاق الحدائق العامة المخصصة للنساء في المدن.

وتشتمل الدعاية الحضرية فقط على الرسائل الإيديولوجية والتهديد.

ويتم تنفيذ المشاريع الإنمائية من دون شفافية وتنطوي على الكثير من النقائص والثغرات.

 

التمييز الحضري

وتتمتع المناطق السكنية التي يقطنها أعضاء طالبان، بالأولوية في الحصول على الخدمات.

وتُحرم المناطق الفقيرة والمتعلقة بالأقليات من الخدمات.

ويتم إعادة البناء في مناطق رمزية فحسب.

إن انعدام الكفاءة الحضرية هذا، ليس يمثل ضعفا إداريا فحسب، بل هو بمنزلة إعلان سياسي: المدينة لا يجب أن تتحول إلى مناخ للحياة الحرة، بل يجب أن  تكون أداة للسيطرة والقمع.

 

الفساد سياسة وليس خطأ

إن الفساد في نظام طالبان، ليس ظاهرة عابرة وعرضية، بل سياسة واعية من أجل: الحفاظ على وفاء القوات العسكرية والإدارية عن طريق المكافآت المالية وتقويض المؤسسات المستقلة وجعل الشعب يتبع شبكات السلطة وتحويل نظام الحكم إلى شبكة قبلية تعتمد على المصالح الشخصية.

إن هذا الفساد ليس يدمر الاقتصاد فحسب، بل ينسف الثقة الاجتماعية والأمل بالمستقبل والهوية الوطنية أيضا.

وأضحت المدن الأفغانية، اليوم ليس مساحة للعيش بل مسرحا للقمع والاضطهاد وانعدام العدالة والفساد الهيكلي.

وصارت الإدارة الحضرية الخاضعة لسلطة طالبان، نموذجا لتحويل المؤسسات العامة إلى أداة للتحكم الإيديولوجي، حيث تتحول الخدمات الرفاهية إلى امتيازات ايديولوجية، ويتحول المشهد العام إلى ساحة لاستعراض العضلات.

وطالما لا ينظر العالم إلى هذا الفساد كسياسة حكومية ممنهجة لا كـ “ضعف إداري” فان أي مساعدات إنسانية لن تكون قادرة على إنقاذ أفغانستان.

انتهى

المقال السابقالطريقة الصحيحة لخفض درجة حرارة الطفل
المقال التاليالحرّ الشديد في البرتغال يتسبب بأكثر من 1300 وفاة خلال 20 يومًا متتاليًا