شفقنا-لا يمكن فهم السياسة الخارجية لتركيا في عهد أردوغان من دون أخذ مبدأ البراغماتية في الاعتبار. فحكومة أنقرة، وعلى مدى العقدين الماضيين، ورغم تكرارها الحديث عن «الدفاع عن القضية الفلسطينية» و«رفض الاحتلال»، واصلت عمليا في العديد من المراحل الحفاظ على العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الكيان الصهيوني بل وتوسيعها أحيانا.
تظهر البيانات المنشورة أنه في عامي 2023 و2024، ورغم الحرب الشاملة لإسرائيل في غزة، أبحرت يوميا عدة سفن محملة بالصلب والإسمنت وحتى المواد المتفجرة من الموانئ التركية نحو الأراضي المحتلة.
أردوغان، وعلى مستوى الخطاب العلني، سعى دائما لتقديم نفسه كمدافع عن مظلومي غزة وحامٍ للقضية الفلسطينية، غير أن سياسة «تعظيم المصالح الوطنية» هي التي ألقت بظلالها على قراراته الفعلية.
وأظهر فشل حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية (مارس 2024) بوضوح حساسية الرأي العام التركي تجاه هذا التناقض، ما أجبر الحكومة على اتخاذ قرارات آنية مثل «إعلان وقف التجارة مع إسرائيل». لكن غالبا ما تكون هذه القرارات مؤقتة أو تظل حبرا على ورق.
حتى الهجمات العسكرية الشاملة لإسرائيل على أحد حلفاء أنقرة في دمشق، أحمد الشرع، لم تسفر إلا عن مواقف دبلوماسية غاضبة من أردوغان وفيدان.
هذه الازدواجية تكشف أن السياسة الخارجية لأنقرة ولشخص أردوغان ليست مبنية على مبادئ أيديولوجية أو التزامات أخلاقية، بل تخضع لحسابات براغماتية مرتبطة بالحفاظ على المكانة الاقتصادية والجيوسياسية للبلاد. فأردوغان يدرك جيدا أن التجارة مع إسرائيل جزء من الروابط الإقليمية والدولية لتركيا مع الاقتصاد العالمي، وأن قطعها بالكامل ستكون له تداعيات خطيرة على أنقرة.
الرياء السياسي وأزمة الشرعية الأخلاقية
أحد الأبعاد البارزة لهذه البراغماتية هو الرياء السياسي لأردوغان في التعامل مع الأزمات، خصوصا أزمة غزة المستمرة منذ عامين. فمن جهة، يصف إسرائيل في المحافل الدولية بـ«الدولة الإرهابية» ويصور سكان غزة كـ «ضحايا إبادة جماعية»، لكنه من جهة أخرى لا يوقف تجارته فعليا مع تل أبيب، بل ويتجنب التوقيع على بيانات دولية تدين إسرائيل. والتأخر في توقيع أنقرة على إعلان بوغوتا، الذي أدان قتل المدنيين في غزة، كان شاهدا واضحا على هذا السلوك المتناقض.
يحاول أردوغان من خلال هذه السياسة المزدوجة إرسال رسالتين متناقضتين في الوقت نفسه إلى جمهوره الداخلي والخارجي. فهو من ناحية يؤكد للأتراك وللعالم الإسلامي أنه مدافع عن القضية الفلسطينية ويقف في وجه إسرائيل؛ ومن ناحية أخرى، يبعث إلى حلفائه الغربيين وشركائه الاقتصاديين برسالة مفادها أنه سيظل «شريكا موثوقا» في النظام الاقتصادي العالمي.
قد تضمن هذه الاستراتيجية المزدوجة المصالح الاقتصادية لتركيا على المدى القصير، لكنها تضعف مكانة أردوغان السياسية ومصداقيته الأخلاقية في العالم الإسلامي على المدى الطويل.
ويزداد الرياء السياسي لأنقرة وضوحا حينما يتعامل المسؤولون الأتراك بفتور مع شحنات السلاح العلنية، مثل سفينة «كاثرين» أو شحن النفط الأذربيجاني إلى إسرائيل، مكتفين بتفسيرات قانونية وتبريرات ترانزيتية. وهو ما يوضح أن الحكومة التركية تضع مصالحها التجارية والطاقوية في مرتبة أعلى من تضامنها مع الشعب الفلسطيني.
تداعيات الدبلوماسية البراغماتية على مستقبل تركيا
يمكن اعتبار سياسة أردوغان تجاه غزة وإسرائيل مثالا بارزا على «البراغماتية الجيوسياسية»؛ إذ لا تكون للقيم والشعارات أي أهمية إلا بقدر ما تخدم تثبيت موقع تركيا الإقليمي والاقتصادي. غير أن هذا النهج يواجه تحديات عديدة. فالضغوط الداخلية والاحتجاجات الشعبية، خصوصا في المدن الساحلية مثل إسكندرون، تكررت ضد التجارة مع إسرائيل، وإصرار الحكومة على تجاهلها قد يعمّق الفجوة بين الشعب والسلطة.
كما أن التعارض بين الهوية الإسلامية والمصالح الاقتصادية يمثل تحديا آخر لأردوغان، إذ أن حزب العدالة والتنمية طالما استثمر سياسيا في شعار «قيادة العالم الإسلامي»، لكن استمرار العلاقات التجارية مع إسرائيل في أوج الأزمة الإنسانية في غزة يضع هذه الدعوى موضع شك ويقوّض الرصيد الرمزي لتركيا في العالم العربي والإسلامي.
أما التحدي الأكبر أمام السياسة البراغماتية لأردوغان تجاه إسرائيل فهو تعرّض مشاريعه الطموحة في غرب آسيا والقوقاز للخطر. فقد حاول أردوغان الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية والحضور العسكري ليحوّل تركيا إلى لاعب إقليمي حاسم؛ من شمال سوريا إلى العراق، ومن شرق المتوسط إلى جنوب القوقاز. غير أن السياسات الهجومية لإسرائيل، خاصة في سوريا وأذربيجان، قوّضت جزءا كبيرا من هذه الطموحات.
كما أن التعاون الإسرائيلي مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط ومع أذربيجان في القوقاز أضعف المبادرات الجيوسياسية لتركيا. وبهذا، فإن التناقض بين شعارات أردوغان المناهضة للصهيونية واستمرار علاقاته الاقتصادية مع إسرائيل لا يثير فقط تساؤلات حول شرعيته الأخلاقية، بل يعرقل مشاريعه الجيوسياسية.
في المحصلة، قد يكون براغماتية أردوغان قد ضمنت حتى الآن المصالح الاقتصادية قصيرة الأمد لتركيا، لكنها جاءت على حساب تآكل المصداقية الأخلاقية وتراجع المكانة السياسية للبلاد في العالم الإسلامي. وإذا استمر هذا النهج، فستواجه تركيا تناقضًا بنيويا بين ادعاء «قيادة الأمة الإسلامية» وواقع تعاملاتها الاقتصادية مع أعداء الأمة؛ تناقضا يهدد ليس فقط شرعية أنقرة الدولية، بل تماسكها الداخلي.
إن السياسة الخارجية لأردوغان تمثل مثالا صارخا على الدبلوماسية البراغماتية؛ دبلوماسية تتأرجح بين الشعارات النارية حول فلسطين والمصالح الاقتصادية الملموسة لتركيا. قد تمنحه هذه الازدواجية مجالا للمناورة على المدى القصير، لكنها على المدى البعيد تحمل خطر فقدان المصداقية الأخلاقية وإضعاف الموقع الجيوسياسي لتركيا.
المصدر: هفت صبح
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–


