شفقنا – عندما تضظر أم بمدينة خواجه عمران بولاية باميان لاستبدال ابنتها البالغة من العمر خمس سنوات بـ 20 كيلوغراما من القمح، وعندما يقول المركز الصحي والعلاجي بقرية في سمنغان أن الأطفال بأوزان أقل من 6 كيلوغرامات يدخلون قسم العناية الفائقة، فانه لم يعد بالإمكان وصف المجاعة بـ “أزمة انسانية” بل يجب اعتبارها “واقع صنعته السياسة”.
ووضع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقريره بعنوان “الآفاق العالمية لـ 2026” والذي نُشر أخيرا، وضع أفغانستان إلى جانب عشر دول ومناطق أخرى بدء من غزة وصولا إلى السودان، في أعلى مستويات التحذير. حيث أصبحت المجاعة ليس نتيجة الحرب بل حصيلة الصمت والتقاعس والإهمال.
وعلى النقيض من غزة أو السودان، لا تمر أفغانستان بحرب داخلية، بيد أن 95 بالمائة من أزمتها الغذائية تضرب بجذورها في القرارات الدولية. إن تراجع ميزانية برنامج الأغذية العالمي لا سيما من جانب أمريكا، خفض قدراتها إلى مستوى “الحد الأدنى من البقاء”.
أفغانستان في الآفاق العالمية للجوع؛ من “الأزمة” إلى “الكارثة”
ووفقا لتصنيف المواصفات العالمية لقياس انعدام الأمن الغذائي، فان أفغانستان تعد واحدة من الدول التي صُنفت ضمن ثلاث مراحل حرجة:
الأزمة: تضطر الأسر من أجل توفير الغذاء الأساسي لبيع ممتلكاتها الإنتاجية (من مثل الخراف والابقار أو الآلات الزراعية).

الطوارئ: الانخفاض الشديد لاستهلاك الطعام، انتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال والوفيات غير العادية.
الكارثة: الانهيار الكامل للوصول إلى الطعام، الموت جوعا ودمار البنية التحتية الاجتماعية.
وبينما بلغ عدد السكان المعرضين لانعدام الأمن الغذائي الحاد في أفغانستان في الوقت الحاضر إلى 20.5 مليون نسمة، فان 110 آلاف منهم فقط يحظون بأقل من نصف بالمائة من البرنامج الحمائية الغذائية والعلاجية الكاملة. وهذه الفجوة، ليست ناجمة عن نقص في المعرفة بل عن شح في الإرادة السياسية.
برنامج الأغذيةالعالمي: 90 بالمائة من الشعب الافغاني، لا يقدرون على توفير الطعام الكافي
زيادة عدد الأشخاص المعرضين للموت جوعا بنسبة 113 بالمائة في ست سنوات: رقم بات لا يمكن تجاهله.
ويحذر برنامج الأغذية العالمي أن 318 مليون نسمة في أرجاء العالم سيتعرضون لـ “الأزمة” أو الأسوأ منها في عام 2016. العدد الذي كان 149 مليون نسمة عام 2019. وهذا يعني أن السكان المعرضين للموت جوعا ازداد عددهم ضعفين خلال ست سنوات. ومن هؤلاء فان 41 مليون نسمة هم على عتبية الموت. أولئك الذين لا يملكون وقتا “للتخصطيط طويل الأمد” وحزمة غذائية واحدة شهريا، تفصلهم فقط عن الموت.
لماذا أفغانستان بلا حرب، مدرجة في أسوأ القوائم؟
إن التباين الحاسم بين أفغانستان والدول العشر الأخرى يكمن في: ما من حرب داخلية واسعة. وكان العنف المسلح عام 2025 في أقل مستوياته في العقود الأخيرة. وما من جفاف تاريخي يذكر، وكانت التساقطات الجوية في الربيع الماضي، أعلى بنسبة 12 بالمائة من المعدل طويل الأمد. ومع ذلك، أفغانستان هي واحدة من ثلاث دول وصفها برنامج الأغذية العالمي بـ “الكارثية” في ولايات خاصة منها إلى جانب غزة والسودان.
وسبب هذا التناقش يكمن في ثلاث طبقات سياسية:
العقوبات المصرفية غير المباشرة: منذ أيلول/سبتمبر 2021، أصبح النظام المصرفي الدولي غير نشط وتأخرت المساعدات النقدية للأسر المستهدفة حتى المساعدات غير الحكومية لـ 2 إلى 4 أشهر.

توقف برامج المرونة لبرنامج الأغذية العالمي: لا يملك القدرة على دعم الزراعة والري أو تخزين المحاصيل، والتركيز كله منصب على “الإنقاذ في اللحظة” أي توزيع القمح لا إيجاد الأمن الغذائي.
القيود على المرأة: حظر التعاون مع النساء في القسم التنفيذي للمنظمات الدولية جعل من الصعب أو المستحيل توزيع الغذاء في الكثير من المناطق لا سيما جنوب البلاد وشرقها.
تراجع الميزانية: صدمة جاءت من واشنطن
في حزيران/يونيو 2025، أوقف الكونغرس الأمريكي مستندا إلى “الانتهاك المستمر لحقوق المرأة” في أفغانستان تقديم المساعدات الغذائية غير المباشرة إلى هذا البلد بصورة مؤقتة حتى عن طريق المنظمات الدولية ومن دون التواصل مع الحكام. إن هذا القرار حذف خلال الربع الثالث من السنة الجارية، 27 مليون دولار من ميزانية برنامج الأغذية العالمي لأفغانستان، ما يساوي 5.4 مليون حزمة طعام شهريا.
والنتيجة الفعلية لهذا القرار هي:
خفض توزيع القمح من 2.4 مليون أسرة إلى 1.7 مليون
التقاعس في دفع المساعدات النقدية لـ 400 ألف أسرة.
قطع برنامج تغذية الأطفال في المرحلة الابتدائية في 300 مدرسة قروية.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي أن ثمة حاجة لـ 13 مليار دولار لعام 2026 لكي يتمكن من تقديم المساعدة لـ 170 مليون نسمة في 80 بلدا، في حين أنه استطاع في هذا العام الوصول إلى 110 مليون نسمة. وهذا يعني انه من دون توفير الميزانية فان أكثر من 200 مليون نسمة في العام المقبل، سيظلون من دون حماية.
والمرير في الأمر أن هذا الرقم أخذ بنظر الاعتبار لـ “الحد الأدنى للبقاء” لا لايجاد مرونة، ولا لدعم المزارعين ولا للاستثمار في البنية التحتية طويلة الأمد. وهذه النفقات هي من أجل الحد من وقوع الكارثة فقط.
إن افغانستان هي البلد الوحيد في التاريخ المعاصر، بلغ فيه انعدام الأمن الغذائي في غياب الحرب والكوارث الطبيعية إلى مستوى الكارثة. المؤشر على أن المجاعة لم تعد ظاهرة تحدث بالصدفة بل هي نتجية السياسات الهادفة أو الصمت الهادف.
انتهى

