شفقنا – تشهد سوق المخدرات في أفغانستان تحولا، فلم تعد تلك الأيام التي كان يتم فيها استخراج عصارة الأفيون من ثمار الخشخاش غير الناضجة وتحويلها إلى أفيون قائمة، بل حلت محلها السوائل الشفافة وعديمة اللون التي تُصنع في الأنابيب البلاستيكية للمختبرات؛ سوائل تُصنع في معامل سرية خلف الجدران الطينية االريفية، نتيجة تركيب مواد من قبل “فينيل أسيتون” و “أفسيدون” لتحويلها إلى “ميثامفيتامين”. المادة التي أصبحت اليوم تُصدّر ليس إلى أوروبا وروسيا فحسب بل تُباع في شوارع كابل بسعر رغيف الخبز الواحد وتوضع بتصرف الشبان الأفغان العاطلين عن العمل.
إن تراجع زراعة الخشخاش بنسبة 95 بالمائة هي ظاهرة حقيقية؛ تعد إنجازا إحصائيا في تقارير الأمم المتحدة وتمتدحها سلطات طالبان بوصفها “العودة إلى القيم”. لكن هذا الإنجاز يشكل في الحقيقة طبقة من تحول أعمق، تحول وتبدل خرجت فيه السيطرة على سوق المخدرات من يد مئات المزارعين الريفيين الفقراء وباتت الان في يد عدد محدود من متخصصي الكيمياء المحليين، ومهربي المخدرات والمجموعات المسلحة المنفلتة.

ثورة هادئة أم كارثة غير مسيطر عليها؟
وبعد عقدين من تسجيل الأرقام القياسية في إنتاج الأفيون وبوصفها المزود لأكثر من 80 بالمائة من الهيرويين في العالم، شهدت أفغانستان خلال السنوات الأخيرة، تغيرا وتبدلا أساسيين في هيكيلة سوق المخدرات. ففي الظاهر تراجعت زراعة الخشخاش وإنتاج الأفيون فيها بصورة لافتة خلال السنوات الـ 20 الأخيرة واعتبرت طالبان ذلك واحدا من نجاحاتها السياسية. لكن الحقيقة شيء آخر؛ لان تراجع زراعة الخشخاش لا يعني القضاء على الطلب أو الطلب العالمي على الأفيون، بل أدى إلى أن يتحرك السوق من المسار التقليدي والمحلي والزراعي نحو الشبكات غير المتمركزة وشبه الصناعية والمعقدة للغاية. حيث لم يعد بالإمكان السيطرة على الموقف من قبل المزراعين بل بات في قبضة المجموعات المسلحة والكيميائيين المحليين وشبكات الترانزيت الدولية.

تراجع إنتاج الأفيون: أرقام وحقيقة ومحدودية “النجاح” السطحي
وتفيد آخر الإحصاءات السنوية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، أن المساحة المزروعة بالخشخاش في أفغانستان عام 2024، وصلت إلى 10 آلاف و 700 هكتار، الرقم الذي شهد تراجعا كبيرا مقارنة بـ 233 ألف هكتار لعام 2022، أي بنسبة تزيد عن 95 بالمائة. وهذا التراجع ناجم بشكل رئيسي عن الحظر المطلق لزراعة وقطف الخشخاش والذي فرضته سلطات طالبان منذ نيسان/ابريل 2022. وترافق تنفيذ هذا الحظر بداية مع التهديد الديني (صدور فتوى بـ “حرمة زراعة الخشخاش”) ومن ثم تواجد فرق المراقبة (بما فيها القوى المحلية وممثلو الولايات) في الموقع وبالتالي تدمير الحقول (باستخدام الآلات الثقيلة أحيانا). وفي الكثير من المناطق لا سيما هلمند وقندهار وننغرهار، تم تدمير حقول الخشخاش على نطاق واسع.
لكن هذا “النجاح” يواجه قيدين كبيرين:
أولا، إن تراجع الزراعة، لا يعني بالضرورة تراجع إنتاج المخدرات أو تعاطيها.
ثانيا، إن هذا التراجع حصل من دون إيجاد زراعة بديلة للمزارعين، أي سياسة “من الأعلى إلى الأدنى” دفع ثمنها مباشرة المجتمع الريفي.

الانتقال إلى المخدرات الصناعية: ظهور صناعة ظل معقدة
وبينما انخفض إنتاج الأفيون التقليدي، تشيرالتقارير الأمنية والتحليلية (بما فيها معطيات الإينتربول والتقارير الداخلية لمكافحة المخدرات في أفغانستان) إلى التنامي الانفجاري للمخدرات الصناعية على صعيد البلاد. وأهم هذه المواد هي: الميثامفيتامين (الكريستال ميث) والترامادول (دواء مسكن يُستهلك كمخدر للتسلية)، وفي السنوات الأخيرة، إنتاج الفينتالين ومشتقاته في بعض المناطق.
الخاصية الرئيسية لهذا التحول:
مقاس صغير لكن متفرق: لم يعد الإنتاج يتم في حقول كبيرة، بل في “المعامل المنزلية” والمستودعات المهجورة أو حتى حافلات نقل الركاب المجهزة بالمعدات اللازمة. وهذه الخصوصية، جعلت من الصعوبة بمكان لقوى المراقبة، رصدها والسيطرة عليها.

الاعتماد على واردات المواد الأولية: ويتم استيراد المكونات الكيميائية الأولية (من مثل فينيل أسيتون وأفسيدون والحوامض القوية) بشكل رئيسي عبر الحدود غير الرسمية لباكستان وايران وتركمانستان. وباتت تجارة هذه المواد بشكل متزايد في قبضة الشبكات الهجينة التي تنشط في تجارة الأدوية المهربة وفي إنتاج المخدرات أيضا.
زيادة الاستهلاك الداخلي: وعلى العكس من الأفيون الذي كان يُصدّر بشكل رئيسي، فان الكثير من المواد المصنعة باتت تُستهلك داخل أفغانستان نفسها. وتظهر تقاير الصحة العامة أن استهلاك الميثامفيتامين في المدن الكبرى بما فيها كابل وهرات ومزار شريف ، ازداد بأكثر من 300 بالمائة في السنوات الثلاث الماضية.

عائدات أكبر ومخاطرة أقل: بالنسبة للمنتجين، فان المواد الصناعية أكثر جاذبية؛ إن إنتاج كيلوغرام واحد من الميثامفتامين مقارنة بإنتاج ما يعادله من الهيرويين، يكلف نفقات أقل، كما أن نقله أكثر سهولة (كمية أقل، وكشفها أصعب). وهذا الشيء أحدث دافعا قويا لنقل الرساميل والقوى العاملة من القطاع الزراعي إلى شبكات الظل.
المزارعون في دورة الأزمة: من التبعية الاقتصادية إلى السقوط الاجتماعي
إن تراجع زراعة الخشخاش لم يكن يعني بالنسبة للمزارعين الأفغان “التحرر من المخدر” بل إحلال تبعية أخرى محل أزمة أعمق. ويمكن تحليل وضعهم ضمن ثلاث طبقات:
۱- فقدان العوائد الثابتة وبديل غير كاف
إن زراعة الخشخاش وعلى الرغم من ماهيتها غير القانونية، تعد بالنسبة للكثير من الأسر الريفية، المورد الوحيد للرزق القابل للتكهن. لا سيما في المناطق الجافة وشحيحة المياه، حيث تواجه زراعة القمح أو الشعير، تحديات. ومع منع هذه الزراعة، انخفضت إيرادات هذه الأسر بنسبة 60 إلى 80 بالمائة. كما أن خطط الزراعات البديلة من مثل توزيع بذور القمح أو دعم زراعة الزعفران، ما تزال محدودة للغاية وغير متجانسة أحيانا ومن دون أسواق. إن العديد من المزارعين يقولون أنهم وبعد ثلاثة فصول من دون عائد، اضطروا لبيع ممتلكاتهم مثل الأبقار أو أثاث المنزل.
۲- تيار عودة القوى العاملة إلى المدن والضواحي
إن الهجرة الواسعة للمزارعين والشبان القرويين إلى المدن الكبرى لا سيما كابل وجلال أباد خلال الأعوام 2023-2025 ألحقت ضغوطا غير مسبوقة بالبنية التحتية الحضرية. إن هؤلاء الأشخاص الذي يملكون مهارات حضرية محدودة، يعملون عادة في القطاعات غير الرسمية. بدء من الأعمال الروتينية وصولا إلى النشاط في شبكات توزيع المخدرات. وتفيد بعض التقارير أن أكثر من 40 بالمائة من المروجين الصغار للميثامفتامين في كابل، كانوا يعملون في مهنة الزراعة.
۳- فقدان الرأسمال الاجتماعي والثقة بالمؤسسات
إن المزارعين وبعد سنوات من التعاطي مع البرامج الدولية بما فيها مشاريع إيجاد البدائل USAID أو UNDP اعتادوا تدريجيا على النظام المؤسسي حتى وإن كان ناقصا. إن الانقطاع المفاجئ لهذا التعاطي (بعد آب/أغسطس 2021) وتطبيق المنع من دون التماشي الاقتصادي أدى إلى فقدان الثقة المعمقة بأي خطاب رسمي. واليوم فان الكثير من المزارعين ينظرون بنظرة متشائمة بالكامل للبرامج والخطط المستقبلية للحكومة، حتى وإن كانت جادة ومنصفة.
التحديات السياسية: بين الإيديولوجيا والاقتصاد والواقع القائم
وتدافع السلطات الحاكمة عن حظر زراعة الخشخاش كاجراء “أخلاقي” بيد أن ثلاثة تحديات أساسية تهدد التنفيذ طويل الأمد والمستدام لهذه السياسة:
التحدي الاقتصادي: إن المنع من دون إيجاد البدائل المدرة للعوائد الحقيقية للمزارعين، ينقل الضغط إلى الشبكات غير الرسمية فقط، لا أن يقضي عليها. وتظهر التجربة العالمية مثلا في المكسيك وميانمار، أن الحظر الأحادي من دون خطة للتنمية الريفية، يفشل على الأمد الطويل.
التحديات الأمنية: إن شبكات إنتاج المواد الصناعية تقيم تعاونا في الغالب مع المجموعات المعارضة من مثل داعش خراسان أو العناصر المنفصلة عن طالبان. وهذه الشبكات، ليست تهدد الاستقرار الداخلي فحسب بل يمكن أن تعمل كمصدر لتمويل الأنشطة الإرهابية.
التحديات الدولية: إن الأسرة الدولية وعلى الرغم من ترحيبها بخفض زراعة الخشخاش، ما تزال قلقة من تزايد المواد الصناعية. ويرغب البنك الدولي والمنظمات المعينة، بدعم خطط التنمية القروية، لكن مسار نقل المساعدات سيكون معقدا وغير شفاف من دون الاعتراف الرسمي للحكومة به ووجود العقوبات المالية.
إن أفغانستان تمر بمنعطف؛ ويشكل خفض زراعة الأفيون، فرصة تاريخية للتخلص من دورة اقتصاد المخدرات التي دامت أربعين عاما. بيد أن هذه الفرصة آخذة بالزوال، لان صناعة ظل خطيرة ويتعذر السيطرة عليها، تحل محل هذا الاقتصاد.
وفي النهاية، فان النجاح المستدام لمكافحة المخدرات في أفغانستان يعتمد على معادلة بسيطة:
كل غرام مخدرات يُنتج أقل، يجب أن يحل محله كيلوغرام من الأمل الحقيقي في هيئة مهنة وعدالة ومستقبل للأسرة الريفية. وفيما عدا ذلك، فان التاريخ أظهر أن الطبيعة ستملأ الفراغ وأن هذا الفراغ، هو أخطر بكثير مما حل محله.
انتهى

