شفقنا- يشكّل الزواج المبكّر ظاهرة مقلقة في العراق وسط ما يرافقها من حالات طلاق وانتحار تحت مبررات الستر والاستقرار ورؤية الأحفاد. وانتقلت ظاهرة تزويج الأبناء في سنّ مبكرة من الأرياف العراقية إلى المدن الرئيسية، بما فيها العاصمة بغداد، وتحديداً الأحياء الشعبية منها، بينما لا تتوقف تحذيرات المتخصصين بشأن الآثار الخطيرة للظاهرة، التي تُعد سبباً أساسياً في زيادة معدلات الطلاق والانتحار والتفكك الأسري.
وصارت رؤية فتى بعمر 12 أو 13 سنة يزفّه والده، أو والدة تزغرد لزواج ابنها المراهق على فتاة بالعمر ذاته من المشاهد المألوفة في المجتمع العراقي، وكأن الزواج بات وسيلة لتثبيت الاستقرار، أكثر من كونه خطوة نابعة من نضوج الشخصية، ويُبرَّر ذلك تحت عناوين منها “الستر”، و”الاستقرار”، و”الحماية من الانحراف”، أو “رؤية أطفاله يكبرون معه”، وهي عبارات تكثر على ألسنة المدافعين عن هذا النوع من الزيجات.
وخلال عامَي 2024 و2025، سجلت الشرطة العراقية حالات انتحار عديدة لفتيات تزوّجن في سنّ مبكرة، ما دفع المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان إلى إصدار تحذيرات متكررة من هذه الظاهرة.
وحذّر العضو السابق في المفوضية، علي البياتي، من “خطورة ارتفاع نسبة الزواج المبكر للفتيات في العراق، كونها تؤدي إلى زيادة حالات الطلاق والانتحار، باعتبار أن الزواج بهذه السن المبكرة يكون زواجاً فاشلاً، تشوبه مشاكل عائلية كثيرة، خصوصاً في ظل معدلات الفقر والبطالة المرتفعة”. وأوضح أن “الزواج المبكر دائماً ما يكون في المناطق الريفية والفقيرة، لذلك نلحظ حالات انتحار عديدة لفتيات يُجبرن على الزواج، لكن أغلب تلك الحالات لا تُعلن خشية من السمعة داخل المجتمع العراقي، على الرغم من أن الزواج المبكر، وخصوصاً للأطفال، هو جريمة بحد ذاته”.
ويشارك بعض الآباء أبناءهم في تجهيز المنزل ودفع تكاليف الزفاف، وحتى في الإنفاق على الزوجة والأطفال لاحقاً، في معادلة تعيد تعريف معنى الزواج، بوصفه مشروعاً عائلياً أكثر منه قراراً فردياً.
يُعرب قاسم العزي (46 سنة) عن شعوره بالرضا كونه أصبح جدّاً، إذ أن ابنه البكر عبد الرحمن (19 سنة) رُزق بتوأم ذكور. ويقول لـ”العربي الجديد”: “ما زال ابني طالباً في سنته الجامعية الأولى، وزوجته في المرحلة الثانوية النهائية. زوّجته العام الماضي، كونه الولد الوحيد بين خمس بنات، وكان حلمي أن أراه عريساً. ونحن معتادون على تزويج أولادنا بسنّ مبكرة، فأنا تزوّجت في سنّه”. ويلفت العزي إلى أنه يتحمل مصاريف ابنه وكنّته والتوأم، ويتابع: “الزواج المبكر ليس عبئاً، إنما مدرسة رجولة”.
ويرى آخرون أن تزويج الأبناء بسن مبكرة يهذبهم، ويدفعهم إلى تحمّل المسؤولية، إذ يتوجهون نحو بناء أسرة عوضاً عن مرافقة الشباب المتهورين، وهو ما تؤكده علياء جواد، التي تقول إنها اتخذت قرارها بتزويج أولادها الثلاثة حين يبلغون 18 سنة، بعد أن زوّجت ولدها البكر بعمر 18 سنة قبل ثلاث سنوات. وتتحدث علياء لـ”العربي الجديد” عن ولدها البكر الذي يعمل مع والده في تجارة الموبيليا، والذي كان يقضي معظم وقته برفقة أصدقائه في افتعال المشاكل، وتقول: “خوفاً عليه من الانحراف، شجعناه على الزواج، وهو الآن مستقر وصار شاباً مسؤولاً تجاه عائلته”.
في المقابل، يؤكد عدد من الشباب الذين تزوّجوا بأعمار صغيرة نزولاً عند رغبة أهاليهم، أن الزواج وتحمّل المسؤولية بعمر صغير ليسا بالأمر السهل.
وتتناقض آراء الكثير من الأبناء مع آراء والدَيهم بشأن الزواج المبكر، إذ يجده الأبناء عبئاً مبكراً، يختبر صبرهم وقدرتهم على التحمّل. ويرى متخصصون أن الزواج المبكر في العراق ليس مجرد قرار عائلي، بل مرآة لواقع اجتماعي يعيش بين الماضي والمستقبل. وهذا ما يشير إليه الباحث الاجتماعي مهند الطائي. ويقول لـ”العربي الجديد” إن الظاهرة ليست جديدة، لكنها عادت بالسنوات الأخيرة مع تغير أنماط الحياة، خصوصاً أن المجتمع العراقي ما زال ينظر إلى الزواج بوصفه درعاً أخلاقياً واجتماعياً، لكنه يتناسى أن النضج لا يُقاس بالعمر، بل بالاستعداد النفسي والاقتصادي. ويضيف: “نحن أمام ظاهرة مركّبة، فيها خوف من الانحراف، ورغبة في الحفاظ على العادات، وشعور بالحنين للماضي. لكنها في الوقت نفسه تُقصي الشباب عن حقهم في الاختيار والنمو”.
ويرى الطائي أن بعض الآباء يكررون تجربة أجيال سابقة من دون النظر إلى تحولات الواقع، محذّراً من أن “الزواج المبكر قد ينتج أزمات داخل الأسرة مستقبلاً، خصوصاً حين يشعر الشاب بأنه سُلب حرية قراره”، ضارباً المثل بارتفاع حالات الطلاق بين الزيجات الحديثة، ولا سيما مَن هم بأعمار صغيرة، كاشفاً أن “العراق سجل العام الماضي نحو 70 ألف حالة طلاق، من بين أبرز أسبابها الزواج المبكر”.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كشف موقع “ورلد بوبيوليشن ريفيو” الدولي، أن متوسط عمر الزواج الأول في العراق يبلغ 25.3 سنة، ليحتل المرتبة السادسة عربياً بين الدول الأصغر سناً في الزواج الأول.
وفي تصريح سابق لـ”العربي الجديد”، أوضح الباحث في الشأن الاجتماعي، مصطفى التميمي، أن “الزواج المبكر أثر بشكل سلبي وخطير في المجتمع العراقي، إذ زادت نسبة الطلاق والانتحار، ونسبة عدم تعلم الكثير من الفتيات. وفقاً للتقارير الأممية، نحو 30% من العراقيات يتزوّجن قبل بلوغهنّ 18 سنة، وهذه كارثة بحق الطفولة، خصوصاً أن الزواج المبكر يشكل خطورة على حياتها وسلامتها، إذ إن العديد من تلك الفتيات يلقين حتفهنّ بسبب الحمل”.
وبحسب أرقام وزارة العدل العراقية، فإنّ غالبية زيجات القاصرات تجري خارج المحكمة، ضمن ما يُعرف بـ”عقد العرب”، بمعنى عقد نكاح يجري على يد مأذون، وهو بالعادة شيخ مسجد، أو رجل دين في القرية أو المنطقة. وينصّ قانون الأحوال الشخصية في العراق على عقوبات بحق من يزوّج أشخاصاً لا يتجاوز عمرهم 15 سنة خارج المحكمة، وهذه العقوبات تتراوح بين الحبس ستة أشهر، أو غرامة مالية تبدأ من 200 ألف دينار عراقي (نحو 153 دولاراً أميركياً)، وتصل إلى مليون دينار (نحو 765 دولاراً).
انتهى

