شفقنا – إن حظر التعليم على النساء في أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان، لا ينتهي بإغلاق المدارس والجامعات؛ بل أن هذه السياسة تسلب تدريجيا الحياة من الأسر والأمل من الفتيات والمستقبل من المجتمع. وفي البلد الذي حُذف فيه أكثر من نصف السكان عن تلقي التعليم والعمل والحضور الاجتماعي بصورة ممنهجة، فان البقاء بات بالنسبة للكثير من النساء، يعني القبول الصامت للحرمان ونسيان الآمال والأحلام وإنكار الهوية الانسانية.
وفي هكذا مناخ، لم تعد الهجرة مجرد خيار بل آخر سبيل للتخلص من الطريق المسدود؛ هرب مكلف وموجع ومن منطلق الإجبار. إن الأسر التي تملك قدرة مالية، ترسل فتياتها إلى البلدان الجارة ودول المنطقة، وتتحمل نفقات باهظة من أجل أن تبقى جذوة حلم التعلم لديهن متوجهة؛ وأولئك الذين لا يملكون القدرة على الذهاب، يواجهوان يوميا واقعا يرسم صورة أكثر قتامة عن مستقبل النساء في أفغانستان. وهذا التقرير يسرد حياة النساء اللواتي اخترن خيار الهجرة بين البقاء عديم الجدوى والرحيل غير الآمن؛ النساء اللواتي يقلن أن الحرمان من الدراسة، ليس حرمهن من تلقي التعليم فحسب بل من حق العيش كانسان حر.
إن الحظر الشامل لتعليم النساء والفتيات في أفغانستان، ليس قرارا سياسيا بحتا؛ بل أن هذه السياسة، انتهت إلى أزمة انسانية واجتماعية واقتصادية معمقة، دفعت تداعياتها الأسر مباشرة إلى الهجرة القسرية. ففي الأعوام الأربعة الماضية، ليست قطعت سياسات طالبان التقييدية، الطريق على تعلم النساء وعملهن فحسب بل جعلت “البقاء” لقسم كبير من المجتمع، خيارا غير قابل للاحتمال.
الهرب الصامت للأسر لإنقاذ مستقبل فتياتهن
ويظهر الحديث إلى الأسر التي اضطرت لمغادرة أفغانستان أن الحرمان من التعلم، يشكل سببا رئيسيا لهذا القرار المكلف والمؤلم. إن عددا من الأسر هاجرت إلى الدول الجارة وبلدان المنطقة، لإتاحة المجال لفتياتهن للدراسة، والبعض الآخر، أرسل فتياتهن بمفردهن رغم تحمل النفقات الباهظة.

وتؤكد هذه الأسر أنه بعد إغلاق المدارس والجامعات وفرص التعليم بوجه النساء والفتيات، زال الأمل بمستقبل مستقر داخل أفغانستان. وترى هذه الأسر أن الإقصاء الممنهج لأكثر من نصف سكان البلاد من التعليم والعمل والحضور الاجتماعي، ضيق الخناق بشدة على العيش الانساني وجعله غير قابل للاستمرار.
لم يبق مستقبل أمامنا
الفتيات الشابات اللواتي اضطررن لمغادرة البلاد، يتحدثن عن مستقبل، بات قاتما ويفضي إلى طريق مسدود تحت سلطة طالبان. ويقلن أنهن لا يملكن إمكانية تحقيق أحلامهن الفردية ولا فرصة الإفادة من حقوقهن الأولية الإنسانية والحريات المدنية. ومع ذلك فان الكثير من هؤلاء النساء يؤكدن أن الهجرة ورغم صعوباتها بالنسبة لهن، تشكل طريقا للمقاومة ومواصلة النضال لإقرار الحقوق الانسانية؛ مقاومة الملازمة الإجبارية للمنزل والإقصاء التام من المجتمع.
قصة هجرة قسرية
تعد راحلة غلامي خريجة تخصص الصحافة والإعلام من جامعة كابل واحدة من الفتيات اللواتي اضطررن للرحيل عن أفغانستان عقب فرض القيود الواسعة على التعليم والعمل. وتقول أن فرصا كثيرة كانت أمامها للهجرة قبل سيطرة طالبان على البلاد، لكنها آثرت البقاء في وطنها لبناء مستقبلها. بيد أن هذا القرار تغير مع إغلاق جميع الطرق بوجه النساء.
وأضافت أنها ليست وحدها بل شقيقاتها اللواتي يدرسن في المدرسة، لم تبق أمامهن آفاق واعدة. وفي النهاية، قررت الأسرة مغادرة أفغانستان. وتتحدث غلامي بتحسر عن السنوات التي درست فيها بأمل ودافع لتعمل في الحقل التخصصي الذي تحبذه وهو الصحافة والإعلام، بيد أن سياسات طالبان انتزعت منها حتى فرصة يوم واحد من العمل المهني.

وعن الحياة في المهجر تقول راحلة أن تحدي اللغة والتباينات الثقافية، شكلا مسارا حافلا بالصعوبات؛ المسار الذي يتعين على المرء بدء كل شيء من الصفر. ورغم الإرهاق والضغوط، رأت أن الهجرة أصبحت الخيار المتبقي الوحيد لنيل مستقبل أفضل.
وتظهر معطيات هذا التقرير أن تداعيات حظر التعليم على النساء، ليست انسانية فحسب بل حمّلت الاقتصاد الأفغاني أثمانا باهظة. وتُرسَل آلاف الدولارات شهريا من أفغانستان لتوفير نفقات الدراسة للفتيات في الخارج. وفي وقت سابق، كانت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان قد أعلنت أن المئات من رجال الأعمال يرسلون شهريا ما بين 10 و 15 ألف دولار لفتياتهن اللواتي يتلقين التعليم في خارج أفغانستان.
وتفيد تقديرات البنك الدولي التي استندت إليها البعثة الأممية أن حظر التعليم على الفتيات ما بعد الفصل الدراسي السادس الابتدائي، يضر بالاقتصاد الأفغاني ما لا يقل عن 1.4 مليار دولار سنويا؛ الرقم الذي يمكن إلى جانب الركود الاقتصادي، المساس بالبنية الاقتصادية للبلاد على المدى الطويل.
الإقصاء الممنهج للنساء من المجتمع
إن طالبان وعلى مدى أكثر من أربعة أعوام مضت، أصدرت أكثر من 100 أمرا مقيدا حرمت بموجبها النساء والفتيات من التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية. ويعد خفض رواتب الموظفات وتطبيق قانون “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ومنع عرض صوت وصور النساء، من الإجراءات التي همّشت الحضور النسوي وقوّضت موقعهن الاجتماعي بشدة.
واعتبرت المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان بما فيها منظمة العفو الدولية، هذه السياسات مصداقا للسلب الممنهج لحقوق النساء وكرامتهن الانسانية. وبحسب هذه المنظمة، فان القيود المفروضة ليست شلّت الحياة الاجتماعية للمرأة فحسب بل قلّصت حصولهن على الخدمات الصحية الحيوية بشدة.
الهجرة، آخر خيار
إن ما يُستشف من مجمل هذه السرديات والمعطيات، هو أن هجرة النساء والأسر من أفغانستان، لم يعد انتخابا حرا بل نتيجة مباشرة للسياسات التمييزية والقمعية التي تمارسها طالبان. وطالما لم يتم الاعتراف بتعليم النساء وعملهن وحضورهن الاجتماعي، فان موجة “الفرار الصامت” ستستمر؛ الموجة التي ليست تهدد مستقبل النساء فحسب، بل مستقبل أفغانستان ككل.

