شفقنا – من بين جميع الأزمات الانسانية السائدة في العالم، فان النساء الأفغانيات، ليس يعتبرن ضحية فحسب بل هدفا سافرا لسياسة حكومية محددة الأهداف.
وبحسب آخر إصدار لمؤشر المرأة والسلام والأمن الذي يصدر سنويا عن معهد جورج تاون للمرأة والسلام والأمن بالتعاون مع معهد أبحاث السلام في أوسلو، فقد حلت أفغانستان في التصنيف العالمي لعام 2025، في أدنى المراكز. وأسوأ من اليمن والسودان وسوريا. وهذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها أفغانستان في نهاية هذا المؤشر، لكن التباين الذي حصل في العام الذي انقضى (2025)، هو سرعة واتساع نطاق تكثيف العقوبات ضد المرأة، بحيث أن الأزمة تحولت من المستوى “القانوني” إلى المستوى “الوجودي”.
المحاور الثلاثة للسقوط: الإدماج والعدالة والأمن
وسلط معهد جورج تاون في تقريره الضوء على أداء الدول من خلال التركيز على ثلاثة مؤشرات رئيسية:
الإدماج: ويشمل الوصول إلى التعليم وفرص العمل والملكية واتخاذ القرار الأسري والتواجد في الأماكن العامة.
ففي أفغانستان، تُحرم الفتيات من التعليم اعتبارا من الفصل الدراسي السادس ابتدائي فصاعدا. كما أن الجامعات مُغلقة بوجه المرأة.
وأكثر من 95 بالمئة من النساء الموظفات في داوئر الدولة (ما عدا قطاع الصحة)، إما طُردن من العمل أو عُلقن عنه بشكل دائم.

ولا يمكن للمرأة السفر من دون محرم لها، أو أن تتواجد في المتنزهات والحمامات العامة وحتى بعض المطاعم.
حظر المشاركة النسوية في الأنشطة الانسانية (بما في ذلك العمل مع المنظمات الدولية) حتى في المشاريع المتعلقة بصحة الأم والطفل، واتسم ذلك بطابع عام في العام المنصرم.
العدالة: وتشمل الضمانات القانونية والوصول إلى الجهات القضائية ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي والتمييز القانوني.
وأعلن تقرير معهد جورج تاون أن حصول النساء على العدالة في أفغانستان تراجع بنسبة 17.5 بالمائة مقارنة بالعام 2017.
وتم حلّ المحاكم المدنية المعنية بالمرأة، ويتم البت بملفات الطلاق والحضانة والإرث على أساس الأساليب الشفهية والأحادية المتبعة في المحاكم.
فقد تعرض نحو 70 بالمائة من النساء (وفقا للدراسات غير الرسمية لشبكات حقوق الانسان الداخلية) للاستجواب أو التهديد أثناء مراجعة الشرطة أو الجهات الحكومية في ملفات العنف الأسري.
الأمن: ويشمل الأمن الجسدي في البيت والحي والأماكن العامة وكذلك التواجد في الفضاء الافتراضي والوصول إلى المعطيات.
واعتُبرت أفغانستان، بعد سوريا وجنوب افريقيا، أسوا بلد في العالم من حيث الأمن في الشوارع بالنسبة للمرأة.
وقد أبلغت أكثر من 50 بالمائة من النساء في الفئة العمرية من 15 إلى 49 سنة، عن العنف الجنسي طيلة حياتهن، الرقم الذي يصل إلى 92 بالمائة في مناطق الولايات الجنوبية والشرقية للبلاد.
وتقوم دوريات الأمر بالمعروف (لجنة الأمر بالمعروف التابعة لطالبان) بمراقبة سلوك المرأة في المواقع العامة بصورة مستمرة، ونُشرت تقارير عديدة حول الاعتداء بالضرب على النساء واعتقالهن وحبسهن داخل المنزل تحت ذريعة “الملابس غير اللائقة” أو “السلوك غير الأخلاقي”.
اقتصاد المرأة آخذ بالانهيار
إن سياسات طالبان المناهضة للمرأة وبحسب مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية (أوتشا)، لم تعد تمثل مسألة حقوقية فحسب بل قنبلة اقتصادية طردت نصف السكان من دورة الإنتاج والاستهلاك:
ومنذ عام 2023، تزايدت أعداد الأسر التي تديرها (تعيلها) المرأة في أفغانستان عقب سقوط الجمهورية وتفشي الفقر، وفقدت هذه الأسر 40 بالمائة من دخلها.

وبحسب تقديرات البنك الدولي، فان منع النساء من العمل في القطاع العام وحظر نشاطها في الكثير من المهن الخاصة، قضى على ما لا يقل عن 5 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي (GDP) للبلاد سنويا.
وفي القطاع الزراعي، حيث أهم مهنة للنساء الريفيات، أدى منع خروج المرأة من دون محرم وتقييد وصولها إلى الأسواق إلى تدني دخل المرأة المزارعة في مناطق من مثل باميان ودايكندي وهرات بنسبة تتراوح ما بين 60 و 80 بالمائة.
تعليمات ممنهجة: 470 أمرا و 79 حالة ضد المرأة
وكشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية في تقرير منفصل في العام الماضي النقاب عن العدد الدقيق للتعليمات المناهضة للمرأة التي أصدرتها طالبان:
من آب/أغسطس 2021 حتى كانون الأول/ديسمبر 2024، أصدرت طالبان ما لا يقل عن 470 أمرا رسميا أو شبه رسمي، تتسم بطابع تقييدي ضد المرأة.
ومن ضمنها، 89 أمرا مباشرا وبصورة صريحة، استهدفت النساء والفتيات، بما في ذلك:
حظر الدراسة في المدارس المتوسطة والجامعات (2022-2024)
حظر العمل في المنظمات الدولية بما فيها برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة، واليونيسف ومنظمة الصحة العالمية وحتى في المشاريع المتعلقة بالمرأة والطفل (2023).
حظر الدخول إلى المتنزهات والحمامات العامة (2024).
حظر بث صوت المرأة في وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية (2023).
إلزام المرأة بارتداء الزي الكامل (بما في ذلك تغطية العينين) في الأماكن العامة تحت طائلة التهديد الجزائي للأسر في حالة عدم التقيد بذلك.

وهذه الأوامر والتعليمات تمثل سياسة تمييزية حسب النوع الاجتماعي، هدفها إقصاء المرأة من جميع نواحي الحياة العامة والخاصة. الإجراء الذي يمكن مقارنته في التاريخ المعاصر مع سياسات الأبارتايد الجنسي.
الصمت العالمي، والتداعيات طويلة الأمد: خطر الإبادة الجماعية الثقافية
ويحذر تقريرا جورج تاون و “أوتشا” بان استمرار هذا المسار، يتجاوز أزمة حقوق الانسان. فهذا هو تهديد وجودي لعودة أفغانستان إلى الأسرة الدولية.
وإن لم تدخل فتيات اليوم (جيل 2010-2015) إلى سوق العمل حتى عام 2030 وبسبب الحرمان من التعليم والدراسة، فان أفغانستان ليس ستواجه نقصا في الموارد البشرية المتخصصة فحسب بل نقصا في ثقافة الإدماج والمشاركة والثقة الاجتماعية والمهارات الاجتماعية.
وتضطر العديد من الأسر تحت ضغط الفقر والحرمان والحظر، تزويج فتياتها في سنين متدنية (12-15 سنة). وتظهر التقارير المحلية أن معدل زواج الاطفال ازداد أكثر من 40 بالمائة عام 2024.
لِمَ باتت هذه الأزمة “غير عادية”؟
إن التباين الأساسي لافغانستان مع سائر الدول المتورطة في الحرب أو الأزمات، هو سياسات حكومية هادفة بشأن المرأة. ففي أفغانستان، هناك حكومة غير معترف بها بهيكلية مركزية، تقوم بتطبيق خطة شاملة لإقصاء المرأة من الحياة العامة.

لكن الأسرة الدولية، تصرفت لحد الان من خلال الاستسلام الفعلي. زيارات دبلوماسية من دون تداعيات حقوقية وصمت في مواجهة التعليمات الجديدة. إن هذا الصمت، قد لا يمثل دعما صريحا لطالبان بل تأييدا ضمنيا لإمكانية الحكم من دون نصف السكان.
انتهى

