شفقنا-يجب النظر إلى ما حدث في فنزويلا بوصفه حدثا يتجاوز مجرد تغيير في الحكم عبر تدخل خارجي. فنحن رسميا أمام إطلاق رصاصة في جبين النظام الوستفالي وبداية نقطة صفر في العودة إلى التقابلات التقليدية. وفي أجواء ما بعد حرب أوكرانيا ورائحة البارود المتصاعدة من تايوان، ينبغي النظر إلى قضية مادورو بعدسة مختلفة. ففي منطق الواقعية البنيوية، لم تكن فنزويلا يوما متغيرا مستقلا، بل تؤدي بالضبط دور عبور قمر الحرب الباردة من نقطة الصفر.
يمكن القول إن كراكاس، على غرار كييف، تحولت إلى ساحة صدام قاس بين الشرق والغرب. هذا الحدث هو نتاج إعادة كتابة العقائد الأمنية التي بدأت منذ عام 2010، وبلغت في عام 2026 مرحلة الواقعية الهجومية العارية. لقد دخل التوازن الساكن في أمريكا اللاتينية عمليا حالة سيولة صلبة، تفتح المجال أمام تحولات أمنية متسلسلة على طريقة الدومينو، تحت ضغط الصدوع الجيوسياسية.
اللبنة الأولى للقلعة الأولى
ضجيج ترامب عال إلى درجة أن صوت المحرك الأساسي للعملية في منتصف ليل كراكاس يكاد لا يسمع. الارتباط العميق بين التدخل في فنزويلا ووثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة (USSN 2025) لا يمكن إنكاره. فقد قسمت واشنطن في هذه الوثيقة العالم لا على أساس القيم الليبرالية، بل وفق استقطاب جغرافي إلى نصف الكرة الشرقي ونصف الكرة الغربي.
يمثل هذا التوجه إحياء معقدا لمنطق عام 1823 لجيمس مونرو (خامس رئيس للولايات المتحدة) في القرن الحادي والعشرين. ويعمل ترامب، استنادا إلى هذه الوثيقة، على رسم جدار مونرو في قلب المحيطات. وقد توصلت واشنطن إلى قناعة استراتيجية مفادها أن وجود أي جسر نفوذ شرقي في الفناء الخلفي، مع اقتراب المواجهة النهائية مع الصين في فخ ثوسيديدس، يعد انحرافا مداريا غير مقبول. إن اختطاف مادورو هو عملية تطهير في نطاق الجدار الإقليمي الأمريكي…
وهي رسالة صريحة تؤكد أن الولايات المتحدة مستعدة، من أجل الحفاظ على احتكار القوة في نصف الكرة الغربي، للعودة حتى إلى الاستعمار الناشئ وتقاسم المصالح على طريقة القرن التاسع عشر. والمفارقة أن ترامب دق عمليا أول لبنة في مشروع إعادة بناء قلعة أمريكا الكبرى على أرض فنزويلا.
موازنة الشرق الصلبة
بهذا السلوك المتشدد، أعلنت واشنطن رسميا أنه في منظومتها الهيمنية لا يحق لأي قمر من أقمار الحرب الباردة أن يتذبذب في مدار الشرق. لقد قفز ميزان القوى من وضعه الساكن إلى مرحلة الهجوم الاستباقي. وخلصت واشنطن إلى أن وجود جسر نفوذ شرقي في الفناء الخلفي عشية الصدام النهائي مع الصين، يمثل انحرافا مداريا غير محتمل، وكان لا بد من تدميره بديناميت الدلتا.
تبين الواقعية البنيوية أنه عندما تغير الهيمنة قواعد اللعبة عبر الاختطاف العسكري، فإن اللاعبين المنافسين (الصين وروسيا) يدفعون نحو موازنة صلبة. لقد أثبتت عملية كراكاس لبكين وموسكو أنه في مصفوفة القوة الجديدة، لم يعد الأمن مفهوما قابلا للتجزئة.
ما أشعلته واشنطن بعبور قمر الحرب الباردة من نقطة الصفر هو عملية الانتقال من التعاون الظرفي إلى تحالف دفاعي–أمني متكامل. فإذا كان ناتو الشرق حتى الأمس مجرد وسم إعلامي، فإن اختطاف مادورو حوله اليوم إلى ضرورة وجودية لبقاء بكين وموسكو الاستراتيجي.
وهذا يعني تشكيل غرفة حرب مشتركة يربط فيها أمن بحر الصين الجنوبي بأمن حوض الكاريبي. ولا يخفى أن بكين وموسكو أعادتا منذ فترة طويلة تأهيل غرف الحرب الباردة المغبرة. ومن المرجح أن تتقاطع استجابات روسيا والصين، وإن جاءت منفصلة، في اتجاه واحد: نقل التوتر من كراكاس إلى عموم أمريكا اللاتينية، والضغط على الطبقات الأمنية الرخوة في أوروبا، في إطار عمليات عاجلة ستدرج على جدول أعمال غرفة حلف وارسو. فالشرق، ردا على الأحجية الأمنية لوثيقة USSN 2025، يسعى إلى تقويض منهجي للنظام الأمريكي، مع اختلاف النموذج السلوكي لموسكو عن بكين.
الضرورة الوجودية للدب
تنظر موسكو إلى واقعة كراكاس بمزيج من الغضب الدبلوماسي والرضا الاستراتيجي. وبالنسبة لبوتين، فإن اختطاف مادورو هو سيف ذو حدين ستتم متابعته بأشكال متعددة. ففي الحرب الدبلوماسية، ستدافع روسيا عن إجراءاتها في حرب أوكرانيا أو عن ممارسة ضغط صلب على أقمار الاتحاد السوفيتي السابق.
ومن المنظور الكلاسيكي، ستستثمر روسيا عقيدة مونرو لإضفاء الشرعية على عقيدة بريماكوف. ومن المحتمل أن تزيد موسكو الضغط على حدود البلطيق والقطب الشمالي لصرف انتباه واشنطن عن فناءها الخلفي، ورفع الكلفة البشرية والمالية لهذه المغامرة على البيت الأبيض.
ولا يغفل أن لموسكو نفوذا تقليديا داخل بنية الجيش الفنزويلي. وقد تتجه روسيا إلى تحفيز التيارات اليسارية داخل الجيش الفنزويلي لإطلاق مقاومة حرب عصابات منهجية ضد الحكومة المدعومة أمريكيا، بهدف تحويل فنزويلا إلى مستنقع لترامب. إن ذكريات الحرب الباردة ونموذج السلوك السوفيتي في أمريكا اللاتينية هما مفتاح فهم سلوك الكرملين.
العقل المعقد للتنين
سيكون رد بكين أكثر تعقيدا، وأكثر صبرا، بل وأكثر تدميرا من رد موسكو. فالصين لا ترى فنزويلا جبهة عسكرية، بل صدعا اقتصاديا–نظاميا. وبالنظر إلى القرض البالغ 60 مليار دولار الذي قدمته بكين لكراكاس، ستباشر الصين فورا عملية تدقيق هجومي.
ستستخدم بكين أدواتها الاقتصادية داخل المؤسسات الدولية لمنع الحكومة الجديدة في فنزويلا من الوصول إلى الأسواق العالمية، ما لم تضمن مصالح الصين وقروضها. وهذا يشكل حصارا ماليا صامتا ضد انتصار ترامب. ويقوم الاستراتيجيون الصينيون بدراسة نموذج اختطاف مادورو بدقة، وقد يكون الرد الصيني المحتمل تطبيق المنطق نفسه في شرق آسيا. فمن وجهة نظر بكين، حصلت الصين الآن على ترخيص للتدخل في تايوان.
ومع إضعاف المعايير الناظمة للعلاقات الدولية، ستقدم الصين نفسها، عبر دبلوماسية سلمية في مواجهة دبلوماسية المدافع الأمريكية، باعتبارها الملاذ الآمن الوحيد للدول النامية. كما ستسرع بكين، من خلال تعزيز تكتلات مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، عملية نزع الدولرة بهدف تجفيف جذور القوة الصلبة الأمريكية على المدى الطويل.
غروب أصحاب العيون الزرقاء
في تحولات ما بعد حرب أوكرانيا، تعود المأساة الكبرى إلى أوروبا. ففي المسار المقبل، سيصبح تسارع أفول أحلام أصحاب العيون الزرقاء أكثر وضوحا. فقارة كانت تدعي يوما القيادة الأخلاقية والقانونية للعالم، باتت اليوم، في مواجهة الواقعية الهجومية الأمريكية والموازنة الصلبة للشرق، مجرد منطقة حدودية أو حتى طبقة هشة من الغرب.
إن وثيقة USSN 2025 لا تمنح عمليا مكانة لأوروبا بوصفها قطبا. وعلى أوروبا أن تختار بين التحول إلى ملحق تابع لعقيدة مونرو، أو تحمل تبعات المواجهة مع الكتلة الشرقية. لقد كشف عجز بروكسل إزاء اختطاف مادورو أن أحلام الليبرالية الديمقراطية الأوروبية تدفن تدريجيا تحت أنقاض النظام ما بعد الوستفالي.
المصدر: صحيفة اعتماد
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–

