الأحد, فبراير 8, 2026

آخر الأخبار

حماس: استمرار القتل والتدمير في غزة يفرغ الاتفاق من مضمونه

شفقنا- أكدت الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم،  أن...

ممداني يستشهد بالقرآن والسيرة النبوية للدفاع عن المهاجرين

شفقنا- استشهد عمدة نيويورك زهران ممداني برحلة هجرة النبي...

كيف نرى أفضل من خلال النّظر بعيدًا؟

شفقنا- عندما نثبت شيئًا ما، لا تظهر صورته في...

كندا تلغي منصبي ممثلي مكافحة الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية

شفقنا- أعلنت الحكومة الكندية، الأربعاء، إلغاء منصب الممثلة الخاصة...

داعش يتبنى هجوماً انتحارياً على حسينية في إسلام آباد

شفقنا- أعلن تنظيم “داعش الإرهـابي” مسؤوليته عن هجوم انتحاري...

سلوك المستهلك يفرض قواعد جديدة تهدد النماذج الاقتصادية التقليدية

شفقنا- بعد ست سنوات من جائحة كوفيد-19، لم يعد...

بكين لترمب: صفقات أسلحة تايوان قد تُجهض قمة أبريل المرتقبة

شفقنا- كشفت صحيفة "فايننشال تايمز"، في تقرير حصري لها،...

عراقجي: لا يمكن التفاوض بشأن الصواريخ الآن ولا في المستقبل

شفقنا - أكد وزير الخارجية الإيراني سيد عباس عراقجي...

ويتكوف وكوشنر يزوران حاملة الطائرات الأمريكية عقب ختام مفاوضات مسقط بين طهران وواشنطن

شفقنا - أعلن ستيف ويتكوف، رئيس الوفد الأمريكي المفاوض...

إنترسبت: الولايات المتحدة تبرم صفقة لشراء قذائف عنقودية من إسرائيل

شفقنا - كشف موقع إنترسبت قيام وزارة الحرب الأمريكية...

سجناء داعش.. بغداد تتعهد بمحاكمة المتورطين بارتكاب جرائم بحق العراقيين

شفقنا العراق ــ فيما أكدت أن محاكمة المتورطين بجرائم...

بنسخته الرابعة.. سوق السفر العراقي ينطلق في بغداد

شفقنا العراق ــ بحضور عربي ودولي، انطلقت في بغداد،...

إحياء ألفية حوزة النجف الأشرف.. العتبة العباسية تستكمل استعداداتها للمؤتمر التمهيدي الأول

شفقنا العراق ــ ضمن فعاليات الاحتفاء بألفية الحوزة العلمية...

السعودية: التدخلات الخارجية عامل رئيسي لإطالة أمد الصراع في السودان

شفقنا - أدانت السعودية، اليوم السبت، ما وصفته بـ"الهجمات...

لتعزيز الثقافة الدينية.. العتبة الحسينية تفتتح مدرسة الإمام الباقر في النيجر

شفقنا العراق ــ بهدف تعزيز الثقافة والمعرفة الدينية في...

أهم عناوين شفقنا العراق ليوم السبت 7 فبراير 2026

شفقنا العراق ــ فيما يلي مقتطفات مختارة من أهم عناوين...

غرينلاند: المفاوضات مع الولايات المتحدة لم تحقق النتائج المرجوة

شفقنا - ذكرت وزيرة خارجية غرينلاند "فيفيان موتزفيلدت" إن...

مظاهرات في دول أوروبية تطالب بمعاقبة إسرائيل ومقاطعتها

شفقنا - شهدت دول أوروبية مظاهرات تضامنية مع غزة،...

أنقرة تشهد مظاهرة منددة بخروقات إسرائيل لوقف إطلاق النار في غزة

شفقنا - نظمت "منصة أنقرة للتضامن مع فلسطين"، السبت،...

الفياض: الحشد الشعبي ضمانة أمن وعزة العراق

شفقنا - أكد رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية فالح...

سانتافي 2026 تحرز لقب “سيارة العام”

شفقنا - في سوق سيارات يشهد منافسة قوية وتطوراً...

دراسة: الاكتئاب يضعف العظام عبر محور بيولوجي مع الدماغ

شفقنا - أظهرت دراسة علمية حديثة وجود ارتباط بيولوجي...

دراسة: النساء الحوامل معرضات للسكتة الدماغية في هذه الحالة

شفقنا - حذّرت جمعية القلب الأمريكية من أن السكتة...

الكوفة.. عاصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) وملتقى المُوالين

شفقنا- في قلب العراق، بين بريق النجف المقدّس وسكون الفرات، تتربّع الكوفة كنجمة أبدية في سماء التاريخ الشيعي، بوصفها ثاني الحواضر الكبرى، وعاصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم تكن مدينة كغيرها، بل كانت قدرًا شاء له الزمان أن يكون مركزًا للإيمان، ومنبرًا للفكر، وملاذًا للمحبين.

موطن الإمامة وملحمة الولاء

حين اختار الإمام علي (عليه السلام) الكوفة مقرًّا لحكومته، لم يكن ذلك قرارًا سياسيًّا بقدر ما كان رؤية حضارية، فتلك المدينة الناشئة، التي غرس جذورها المسلمون بعد القادسية، تحوّلت سريعًا إلى بوتقة فكرية وروحية، تفيض بولاء أهلها لأهل البيت (عليهم السلام). وفي مسجدها، سجد الإمام وصلّى، وفي محرابه نزف شهيدًا على يد ابن ملجم، فارتبطت الكوفة بآخر ومضة من حياة الإمام العادل.

الكوفة… الاسم والدلالة

للاسم دلالة عميقة. فالكوفة كما تقول المعاجم، مشتقّة من “التكوف”، أي الاجتماع والاستدارة. وقد وُصفت بأنها أرض رملية مختلطة بالطين والحصى، وهذا ما يميز تضاريسها. أما بعض المؤرخين، فقد رجّحوا أنّ “كوفان” اسم أرضٍ قديمة نُسبت إليها المدينة، فصارت الكوفة.

مدينة كانت قبل الإسلام.. وتألقت بالإسلام

ليست الكوفة مجرّد مدينة أسّسها المسلمون، بل تعود أصولها إلى أزمنة موغلة في القدم، حيث ورد في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أن قوم نوح (عليه السلام) نصبوا أصنامهم في الكوفة. أما تأسيسها الرسمي كمستوطنة عسكرية فقد جرى في عهد الخليفة الثاني، بأمر من عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص، ليجعلها معسكرًا متقدّمًا وقاعدة استراتيجية لربط الجبهات الإسلامية بالعاصمة في المدينة المنورة.

المجتمع الكوفي.. طيفٌ من الولاء والتحوّل

تكوّنت الكوفة من عشرات القبائل، أغلبها من اليمنيين الموالين للإمام علي (عليه السلام)، يتقدّمهم همدان وطي والأشعريون، والذين ساندوه في صفين والجمل، وكان للحجاج بن يوسف أثر قاسٍ على هذا الولاء، إذ اضطُهدت القبائل الموالية فاضطرت للهجرة إلى قم، التي أصبحت لاحقًا من حواضر التشيع في الشرق الإسلامي.

أما الفرس فكان لهم حضور ثانوي لكنه مؤثر، فقد كان الكثير منهم ضمن السلك العسكري، يملؤون أزقّة المدينة، يسكنونها عزّابًا أو بعيدًا عن أهلهم، يشاركون العرب في حياة الحرب والسلم. وكان العرب يمثلون الكتلة المؤسِّسة والمهيمنة على الحياة العامة، غير أن المدينة لم تحصر نفسها بعنصرٍ أو مذهب، بل كانت، على الدوام، مزيجًا من أطيافٍ متنوعة.

دار الإمارة.. بين الدم والخطابة والثأر

في قلب الكوفة، إلى الجنوب الشرقي من مسجدها العظيم، شُيّدت دار الإمارة، مقرّ السلطة ومركز القرار. هناك، وعلى أسوار هذا القصر، ارتقى مسلم بن عقيل شهيدًا بعد أن خذله أهل الكوفة، وفيه أُدخلت رؤوس شهداء كربلاء يتقدّمهم رأس الحسين (عليه السلام)، وهناك خاطبت السيدة زينب (عليها السلام) الكوفيين بكلمات عزٍّ واحتجاج، ومعها الإمام السجاد (عليه السلام) يُعرّي الجريمة الأموية.

وقد جعله المختار الثقفي مقرًّا لثورته، وفيه جيء برؤوس من تلطّخت أيديهم بدم الحسين، لتبدأ مرحلة القصاص. لكنّ عبد الملك بن مروان، وكأنّما أراد طمس الرمزية، أمر بهدم القصر سنة 71هـ.

مساجد الكوفة… بين القداسة والمأساة

لا تُذكر الكوفة دون أن يُذكر مسجدها الجامع، الذي يُعد ثالث أقدس المساجد بعد المسجدين الحرام والنبوي، هناك، قضى الإمام علي (عليه السلام) ساعاته الأخيرة، وهناك ستبدأ، حسب الروايات، مرحلة الحكم العالمي للإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، وقد أفتى العلماء بجواز الإتمام في الصلاة فيه للمسافر، تمييزًا لقداسته.

لكن الكوفة لم تكن تخلو من التناقضات، ففيها مساجد مباركة، شُيّدت على يد رجال صالحين، كمثل مسجد السهلة ومسجد صعصعة بن صوحان، ومسجد الجعفي، وفيها مساجد ملعونة، بُنيت نكاية بأهل البيت (عليهم السلام)، وورد في بعض الروايات أنها شُيّدت فرحًا بمقتل الحسين (عليه السلام)، فكانت لعنة على من رفع حجارتها، مثل مسجد الأشعث ومسجد جرير بن عبد الله البجلي وغيرهما، وقد اندثرت بمرور الزمن.

أما في مسجد الكوفة، فكان أمير المؤمنين يخطب ويقضي، ويعلّم الأمة معاني العدل، حتى ارتقى محرابه شهيداً، وهو في صلاة الفجر، يهمس: “فزت وربّ الكعبة.”

الكوفة عاصمة خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام)

من المدينة المنورة، خرج الإمام (عليه السلام) قاصداً الكوفة، ترافقه القلوب الموالية والبيعة الصادقة، بعد أن خذلته مدن آثرت السلامة على النصرة، والخضوع على القيام. جاءها في وقت كانت الأمة أحوج ما تكون إلى قائد ربّاني يرمم الشقاق ويقيم العدل على أنقاض التحيّز والمحاباة.

وكانت الكوفة الخيار الأنسب. بايعته جموعها بقيادة القائد الصلب مالك الأشتر، واصطفّ اثنا عشر ألف مقاتل في موكبه نصرةً ومساندة، بعد أن انطلق من المدينة برفقة ألف رجل فقط. لم يكن اختياره للكوفة عشوائياً، بل وليد رؤية استراتيجية ودينية واضحة.

لماذا اختار الإمام الكوفة عاصمة؟

تراكمت الأسباب التي دفعت الإمام علي (عليه السلام) لترك المدينة المنورة واتخاذ الكوفة مقراً لحكمه:

القوة السكانية والعسكرية: الكوفة آنذاك كانت تمثّل ثقلاً بشرياً وعسكرياً كبيراً، قادراً على رفد الجبهات الثلاثة بالرجال والعتاد، خلافاً للمدينة التي أرهقها الترف وخمدت فيها جذوة القتال.

الوعي الولائي والسياسي: المجتمع الكوفي ضمّ نخبة من الصحابة والتابعين وأبناء العشائر اليمنية الموالية، الذين تمثلوا فكر أمير المؤمنين (عليه السلام) وعاشوا قيم الولاء والبيعة الصادقة، خلافاً لأهل المدينة الذين مالت نفوسهم إلى السكون وازدادت فيهم نزعات المعارضة والانقسام.

الموقع الجغرافي: الكوفة تمثّل نقطة التقاء جغرافي بين الشرق الإسلامي وغربه، قريبة من الشام، ومفتوحة على إيران والعراق والحجاز، ما يجعلها صالحة لتكون قاعدة انطلاق مركزية لحكومة الإسلام وعدالتها.

العناصر الفاعلة: اختار الكوفة كثير من الصحابة وكبار التابعين للسكن والاستقرار، ما عزّز من مكانتها العلمية والاجتماعية والسياسية.

المجتمع الكوفي: تنوّع وصراع تيارات

عكست الكوفة مجتمعاً متعدّد الطبقات والاتجاهات، جسّد صورة الصراع السياسي والديني في صدر الإسلام:

  1. الحزب الأموي: ضمّ نخبة من وجوه المجتمع الكوفي ذوي المال والنفوذ والولاء السياسي للأمويين، مثل عمرو بن حريث وعمر بن سعد، ممّن سعوا لتقويض سلطة أمير المؤمنين من الداخل.
  2. الشكّاك: هؤلاء المتذبذبون بين الحق والباطل، المائلون حيث تميل مصالحهم. لم ينضمّوا صراحة إلى الخوارج، لكنهم مثّلوا عنصر اضطراب دائم في القرار الكوفي.
  3. الحمراء: فرقة عسكرية من المهجّنين والمَوالي، لا انتماء لهم سوى لطاعة الحاكم الغالب. كانوا أداة بطش بيد الجلادين من زياد والحجاج، وكانوا ضمن عناصر القمع ضد الشيعة لاحقاً.
  4. الخوارج: أشدّ الناس عداوة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، إذ نقضوا بيعته بعد حادثة التحكيم، وحوّلوا السلاح من الشام إلى قلب الكوفة. كانوا يتصدّرون الدعوات للقتال تحت شعارات زائفة كالتحكيم لله دون الإمام.
  5. المحايدون: وهم عامة الناس الذين لم يملكوا الجرأة للموقف رغم معرفتهم بموضع الحق. هؤلاء الذين وصفهم الفرزدق حين خاطب الحسين (عليه السلام) قائلاً: “قلوبهم معك وسيوفهم عليك”.

الكوفة… مركز الفكر والتشيّع

رغم ما مرّت به الكوفة من تقلّبات سياسية، بقيت في وعي التاريخ مدينة الولاء، ومنبع التشيّع، ومركزاً ثقافياً وفكرياً تنبض فيه علوم آل البيت (عليهم السلام)، فيها نزل الإمام الصادق (عليه السلام) سنتين، وفي مساجدها المباركة كالسُهلة وبني كاهل وصعصعة بن صوحان، وكان الفكر الشيعي يتبلور ويتجذّر.

الكوفة ومحنة الطف..

الكوفة التي استقبلت أمير المؤمنين موقّرة، عرفت لاحقاً انقساماتها المريرة في واقعة كربلاء، حينما خذل أهلها الإمام الحسين (عليه السلام) بعد أن أغرتهم السلطة وسيف عبيد الله بن زياد؛ لكن هذه المدينة لم تغب عن مسرح البطولة، فقد خرج منها لاحقاً رجال كالمختار الثقفي، وثوار الطف الذين انتقموا من قتلة الحسين، معلنين ولاءهم المتأخر بسيوف الثأر.

الكوفة… مدينة الثورات الشيعية: من ندَم التوابين إلى المختار وزيد وابن طباطبا

لا يكاد يُذكر اسم الكوفة حتى تحضر في الذاكرة تلك الأمواج المتلاطمة من الثورات والانتفاضات التي شكّلت ملامح التاريخ الشيعي في أزمنة مختلفة. فعلى ترابها سالت دماء، وتحت قبابها رُفعت رايات “يا لثارات الحسين”، ومنها انطلقت صيحات الغضب بعد يوم الطف، لتكتب صفحات خالدة من النهوض والرفض والتكفير عن خذلان طالما ظلّ يؤرّق الضمير الكوفي.

التوابون… ثورة الندم والنقاء (سنة 65 هـ)

بعد أن انقشعت سحب كربلاء، وسقط الإمام الحسين عليه السلام شهيدًا في صحراء الطف، عاد الكوفيون إلى أنفسهم يجلدهم تأنيب الضمير. كيف خذلوه؟ ولماذا لم يخرجوا لنصرته؟

في بيت سليمان بن صرد الخزاعي اجتمع النادمون، وتشكّلت نواة ما عُرف بـ”ثورة التوابين”. وجوه بارزة مثل المسيب بن نجبة ورفاعة بن شداد وعبد الله بن سعد الأزدي، قرروا أن لا بديل عن التكفير… بالدم.

وفي مطلع ربيع الأول من سنة 65 هـ، انطلقت الثورة من الكوفة. أربعة آلاف مقاتل زاروا قبر الحسين عليه السلام، وجددوا البيعة لروحه، ثم ساروا نحو الشام يهتفون: “يا لثارات الحسين”.

دامت المعركة أربعة أيام، واجه فيها التوابون جيش بني أمية ببسالة، لكنّ الفارق العددي والعدّة كان حاسمًا. استشهد قادتهم واحدًا تلو الآخر، واضطر الباقون بقيادة رفاعة بن شداد للانسحاب والعودة إلى الكوفة، بعد أن دوّنوا أول سطور الثأر.

المختار الثقفي… راية الانتقام باسم آل محمد (66 هـ)

عاد رفاعة إلى الكوفة، والمختار الثقفي لا يزال قابعًا في سجن ابن الزبير. لكن المختار لم يكن رجل سكون. بعث برسالة إلى رفاعة يشيد فيها بالتوابين، ويَعِد بالثأر لهم وللحسين.

وبعد إطلاق سراحه بوساطة من عبد الله بن عمر، بدأ المختار بجمع رجاله من أبناء الشيعة والموالين لأهل البيت، حتى التف حوله عشرات من الأسماء المعروفة من شجعان الكوفة.

تحت شعار “يا لثارات الحسين” و”يا منصور أمت”، تحرك المختار مع أصحابه فسيطر على قصر الإمارة، وأسس حكمًا شيعيًا في الكوفة لأول مرة.

ومنها انطلقت حملاته الثأرية، يقتص من قتلة الحسين واحدًا تلو الآخر، حتى أجبر بعضهم على الفرار إلى البصرة حيث كان مصعب بن الزبير حاكمًا عليها.

لقد حوّل المختار الكوفة إلى ميدان عدالة مفتوحة، حملت وجع كربلاء على السيوف.

زيد بن علي… الفقيه الثائر (121 هـ)

في زمن هشام بن عبد الملك، خرج من نسل النبوة رجل اختلط فيه الحزم بالعلم، والعقيدة بالغضب… إنه زيد بن علي، حفيد الإمام الحسين عليه السلام.

بعد مشادة شهيرة بينه وبين الخليفة الأموي، توجه زيد إلى الكوفة، فاجتمع حوله الآلاف ممن كانوا يرون في الثورة سبيلًا للنجاة، وفي جنح الليل، اندلعت المعركة، وقاتل زيد بشجاعة نادرة حتى اخترق سهم جبهته، فسقط مجروحًا، وأخبره الطبيب بأن موته آتٍ إن نُزع السهم، فكان ردّه: “الموت أيسر علي مما أنا فيه”.

فنزُع السهم، ومضى شهيدا وهو واقف كأشجار النخيل… شامخًا.

ابن طباطبا… ثورة نسبٍ عالٍ وسيفٍ قصير (199 هـ)

وفي مطلع القرن الثالث الهجري، اشتعلت الكوفة مجددًا بثورة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل المعروف بـ”ابن طباطبا”، من نسل الحسن بن علي عليهما السلام.

قاد الثورة القائد العسكري أبو السرايا، وسرعان ما التفت جماهير الكوفة حولهم. لكن الثورة لم تُكتب لها الحياة طويلاً، إذ أخمدتها السلطة العباسية في مهدها.

الكوفة… نبض الثورة ومحراب العقيدة

ما بين التوابين، والمختار، وزيد، وابن طباطبا، تظل الكوفة قلبًا نابضًا في جسد التاريخ الشيعي، ترفض الخنوع، وتنهض رغم الجراح.

إنها المدينة التي كلما خذلت… اعتذرت بالدم.

الكوفة.. عاصمة التشيّع وحاضنة الإمام المهدي في العصر العباسي

في لحظة تاريخية حاسمة، اتخذت الدولة العباسية الفتية بقيادة أبي العباس السفاح من الكوفة عاصمة لها، لكنّ المدينة التي احتضنت ثورتها سرعان ما أصبحت مصدر قلق للسلطة الجديدة، فقررت الانتقال منها هرباً من مجتمع كوفي لم يُظهر الولاء الكافي! لكن هذا الابتعاد عن مركز الحكم العباسي فتح الباب أمام تحوّل جذري: صعود المذهب الشيعي بقوة، وتحوُّل الكوفة إلى قلعة للإمامية وملاذٍ لعشاق أهل البيت.

الكوفة.. مدينة الإمامية

مع ضعف الخلافة العباسية وتفككها، تحوّلت الكوفة إلى بؤرة شيعية خالصة، حتى سُمي الإمام الباقر (عليه السلام) “نبي الكوفة” لشدة تعلّق أهله به. ولم يكن هذا التعلّق وليد الصدفة؛ فقد استوطن الإمام الصادق (عليه السلام) الكوفة زمن السفاح، وربّى فيها جيلاً من التلاميذ والرواة، بينما تولى صفوان بن يحيى وكالة الإمامين الرضا والجواد (عليهما السلام) فيها حتى عام 210هـ.

لكن المشهد لم يخلُ من التحديات؛ فقد شهدت الكوفة صراعات مذهبية حادة، مثل ظهور الواقفة في عصر الإمام الرضا (عليه السلام)، ومواجهة الشيعة للفرقة الفطحية زمن الإمام الجواد (عليه السلام)، مما يكشف عن حيوية الفكر الشيعي وقدرته على التصدّي للانحرافات.

الكوفة في عصر الظهور.. عاصمة المهدي (عجل الله فرجه)

اللافت في الروايات الشيعية هو الارتباط الوثيق بين الكوفة والإمام المهدي (عج)، حيث تُصوّر المدينة كـقلب العالم يوم الظهور، فبحسب رواية المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (عليه السلام): “دار ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله مسجد السهلة”.

بل إن الإمام الباقر (عليه السلام) يصف مشهداً درامياً لدخول المهدي إلى الكوفة: “يخطب على منبرها فلا يُفهم كلامه من شدة بكاء الناس”.

التوسع العمراني.. الكوفة تلتقي بكربلاء

لا تتوقف الرؤية المستقبلية عند الحكم، بل تمتد إلى التحول العمراني؛ فالنصوص تُشير إلى أن الكوفة ستمتد لتصبح 54 ميلاً، حتى تتصل بيوتها بنهر كربلاء، ويُبنى مسجد ضخم ذو ألف باب! كما ورد في “الإرشاد” للمفيد، والأعجب أن الكوفة ستكون ملاذ كل المؤمنين قبل القيامة، لتصبح مركز العالم الإسلامي في عصر الرجعة.

فمن عاصمة عباسية مُتخلّى عنها إلى حاضنة للشيعة ومركزا للعلماء، ثم إلى عاصمة مُنتظرة للإمام الغائب (عجل الله فرجه الشريف).. تُختزل في الكوفة قصة صراع العقائد وانتظار العدل الإلهي، فهل نشهد يوماً تحقق هذه النبوءات؟ السؤال يبقى معلقاً بين التاريخ والغيب.

الكوفة… الذاكرة والرسالة وميراث الحاضر من مجد الأمس

الكوفة ليست مدينةً كغيرها في خارطة المدن الإسلامية، بل هي رسالة. فيها تُختصر أحلام العدالة ومرارات الخذلان، وفيها تتجلّى لحظات التأسيس والتحدي. عاصمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، التي اختارها لتكون المنبر، والمحكمة، والثكنة، والدرس، وحين يعود الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، كما تخبر الروايات، ستكون الكوفة مرةً أخرى مركز العدل والخلافة، ليكتمل بها وعد الله الذي وعد به عباده الصالحين.

ففي قلب العراق، حيث الفرات يحاكي التاريخ بأنغامه، تنهض الكوفة، حاضرة التشيّع الثانية بعد النجف، وعاصمة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، تنبض بذاكرة الثورة والمواجهة والولاء، ولم تكن الكوفة مجرد مدينة شيّدها الفاتحون، بل كانت مشروعا سياسيا وعقديا واجتماعيا تبنّاه الإمام (عليه السلام) ليقيم فيها دولة العدل ويواجه بها ثلاثي الانقسام والتمرّد: الناكثين، القاسطين، والمارقين.

ورغم تقلبات الزمن، وانحسار الأضواء عنها أمام بريق النجف وكربلاء، بقيت الكوفة محطّ أنظار الباحثين والزائرين والمواليـن. فهي لا تزال تحتفظ بمساجدها الأثرية، وبأرضٍ مشى عليها الأئمة، وصلّى فيها الصحابة، وسُفك فيها الدم الطاهر. هي مدينة ليست فقط من تراب وحجر، بل من ذاكرة وهوية.

الكوفة، التي بدأت نقطة في خريطة الفتح، تحوّلت إلى نبضٍ دائمٍ في جسد التشيّع، وستبقى، ما بقي التاريخ، حاضرة للشيعة، وشاهدة على تقلبات الولاء بين السيف والمنبر.

………………………………….

المصادر والمراجع:

–        البلاذري، فتوح البلدان، ص 275؛ الحموي، معجم البلدان، ج/4: ص/495، دار الفكر، بيروت، ط/1، 1417هـ.

–        السيد بن طاووس، اللهوف، ص/193 ــ 195، ترجمة: بخشايشي، قم – إيران، نويد اسلام، 1377هـ.

–        صفري، كوفه از پيدايش تا عاشورا: ص/ 137-144 آل خليفة، أمراء الكوفة وحكامها، ص/33- 243، طهران – إيران، نشر مشعر، 1391هـ.

–        السيد ابن طاووس، اللهوف، ص/100، تحقيق: الشيخ فارس تبريزيان، ط/1، مطبعة أنوار الهدى، قم – ايران، 1417هـ.

–        البراقي، تاريخ الكوفة، ص/269، بيروت – لبنان، بيروت – لبنان، دار الأضواء، 1978م.

–        المجلسي، بحار الانوار، ج/46: ص/355؛ ج/53: ص/11-12؛ ج/57: ص/216، بيروت – لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1459م.

–        رجبي، كوفة ونقش آن در قرون نخستين، ص/459-475-486-497، طهران – إيران، دانشكاه امام حسين (عليه السلام)، 1378هـ.

*وكالة كربلاء الان

 

مقالات ذات صلة