شفقنا- بعد ست سنوات من جائحة كوفيد-19، لم يعد المستهلك العالمي إلى ما كان يسمى بالحالة الطبيعية. فما كان في السابق استجابة مؤقتة لأزمة طارئة، تحول اليوم إلى نواة صلبة للسلوك الاقتصادي لدى الأجيال الجديدة. إن إعادة تعريف مفاهيم القيمة والتجربة والثقة في ذهن المستهلك الحديث، لم تعد تشكيل المنافسة في الصناعات الاستهلاكية فحسب، بل غيرت مسارات أسواق رأس المال، والسياسات الاقتصادية، واستراتيجيات الشركات، عبر تحول بنيوي عميق.
التحول التاريخي للاستهلاك بعد كورونا؛ من صدمة مؤقتة إلى تغيير هيكلي
بعد ست سنوات على انطلاق الجائحة، يتبلور إجماع متزايد بين الاقتصاديين واستراتيجيي الأسواق على أن سلوك المستهلك قد تعرض لانكسار في المسار؛ أي إن العودة إلى أنماط ما قبل عام 2020 ليست مرجحة، بل وليست مرغوبة حتى. وتظهر بيانات البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن حصة الإنفاق على الخدمات الرقمية، والصحة، والتجارب، في معظم الاقتصادات الكبرى، ارتفعت بنسبة تراوح بين 20 و40 في المئة مقارنة بعام 2019. ولا يمثل هذا التحول مجرد إعادة توزيع لسلة الإنفاق، بل يعكس تغيرا عميقا في منظومة التفضيلات، وإدراك المخاطر، وتعريف الرفاه.
الأجيال الأصغر سنا، التي تزامن دخولها سوق العمل مع أزمات صحية وتضخمية وجيوسياسية، أصبحت أكثر تشككا في الاستقرار طويل الأمد، وتميل بدلا من ذلك إلى تعظيم الرفاه الآني. والنتيجة هي اقتصاد حلت فيه مرونة الاستهلاك محل الولاء المستدام، وأصبح التفوق التنافسي للشركات، أكثر من أي وقت مضى، مرتبطا بقدرتها على التكيّف السريع مع الإشارات السلوكية. وقد وفر هذا التحول التاريخي أرضية تشكل خمس قوى استهلاكية دائمة، تعد اليوم أعمدة الاقتصاد الجديد.
خمس قوى دائمة في سلوك المستهلك؛ هندسة جديدة للطلب
القوة الأولى هي العزلة الرقمية. فبحسب تقرير معهد بيو لعام 2025، يجري أكثر من 65 في المئة من الشباب بين 18 و30 عاما معظم تفاعلاتهم الاجتماعية وعمليات الشراء عبر المنصات الإلكترونية. وقد نقل هذا الواقع علاقة المستهلك بالعلامة التجارية من التواصل الفيزيائي إلى الإحساس بالانتماء الرقمي، حيث بات التخصيص، والسردية، والتفاعل المستمر، أكثر أهمية من الوجود داخل المتاجر.
القوة الثانية هي البحث الذكي عن القيمة. فالمستهلك اليوم، خلافا للنموذج الكلاسيكي الحساس للسعر، يسعى إلى تعظيم نسبة القيمة إلى السعر. وقد عززت أدوات المقارنة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي التوصيتي، واقتصاد مراجعات المستخدمين، قوة التفاوض لدى المستهلك بشكل كبير. وتشير بيانات ستاتيستا إلى أن أكثر من 70 في المئة من المشترين يراجعون ما لا يقل عن ثلاثة مصادر رقمية لتقييم الجودة قبل الشراء.
القوة الثالثة هي الاستهلاك الثنائي؛ وهو نمط تقلص فيه الأسر إنفاقها على السلع اليومية، لكنها تزيد إنفاقها في المجالات ذات البعد الهوياتي والعاطفي مثل الصحة، والسفر، والتجارب الاجتماعية. وقد أعادت هذه الازدواجية تشكيل الطلب على نحو تنمو فيه، في الوقت ذاته، أسواق السلع شديدة الرخص والقطاعات الفاخرة.
القوة الرابعة تتمثل في الفجوة الجيلية في الثقة والاختيار. فعلى الرغم من شعور الجيل الجديد بعدم اليقين الاقتصادي، فإنه يبدي ميلا مرتفعا للإنفاق على التجربة والمحتوى، إلا أن ولاءه للعلامات التجارية هش. وتؤدي المعايير الأخلاقية، والشفافية، وأصالة العلامة، دورا حاسما في قرار الشراء.
أما القوة الخامسة فهي تفوق السهولة وغياب الاحتكاك. ففي اقتصاد اليوم، تتقدم الراحة غالبا على السعر. ويفترض أن تكون رحلة الشراء سريعة، وبسيطة، ومتكاملة من البحث إلى التسليم وخدمات ما بعد البيع. والعلامات التجارية التي تزيل العوائق، لا تجذب العملاء فحسب، بل تبني حواجز دخول مستدامة أمام المنافسين.
اقتصاد المشاعر؛ لماذا يتزامن القلق المرتفع مع الإنفاق المرتفع؟
تظهر دراسة ماكنزي لعام 2025، التي شملت أكثر من 26 ألف مستهلك في 18 اقتصادا، أن مؤشر ثقة المستهلك لم يعد إلى مستويات ما قبل 2020، في حين ظل الإنفاق الحقيقي في العديد من البلدان مستقرا أو حتى في اتجاه صاعد. ويعد هذا التباعد بين الشعور والسلوك من أبرز سمات الاقتصاد الجديد، وقد وضع النماذج التقليدية لتوقع الطلب أمام تحديات جدية.
عمليا، يشعر المستهلكون بالقلق حيال التضخم، والديون، ومستقبل العمل، لكنهم بدلا من الادخار الواسع يوجهون إنفاقهم نحو مجالات ذات عائد عاطفي أو هوياتي أعلى. وبالنسبة لأسواق المال، يعني ذلك أن الاعتماد على المؤشرات الشعورية وحدها قد يكون مضللا. فقد أصبحت بيانات المبيعات الفعلية، وحركة المرور على المنصات الإلكترونية، وأنماط الدفع الرقمي، مؤشرات استباقية أكثر أهمية.
أما الرسالة الثانية لهذا التباعد، فهي أن قطاعات مثل الخدمات الرقمية، واقتصاد التجربة، والصحة، والسياحة حتى في ظل القلق الكلي يمكن أن تحقق أداء يفوق متوسط السوق. والمستثمرون الذين يستوعبون هذا المنطق الجديد، سيكونون أقدر على رصد بؤر النمو قبل غيرهم.
الاستهلاك الثنائي والفجوة الجيلية؛ إعادة تعريف الميزة التنافسية للصناعات
أعاد نمط الاستهلاك الثنائي تشكيل الطلب الكلي بصورة مباشرة. فمن جهة، تشهد أسواق السلع منخفضة السعر والعبوات الأصغر نموا سريعا في ظل التضخم؛ ومن جهة أخرى، تتزايد الطلبات على السلع والخدمات الفاخرة أو ذات الحمولة الرمزية والهوياتية. أما الشركات التي تظل محصورة في أحد طرفي هذا الطيف، فتواجه خطر فقدان حصتها السوقية.
وفي هذا السياق، يبرز جيل زد بوصفه أسرع مجموعات المستهلكين نموا وصاحب دور حاسم. فهذا الجيل، الذي سيستحوذ بحلول عام 2030 على نحو 30 في المئة من الإنفاق الاستهلاكي العالمي، يتخذ قراراته وفق معايير أخلاقية ورقمية. فالاستدامة البيئية، والتنوع، وشفافية سلاسل التوريد، وتخصيص التجربة، ليست امتيازات ثانوية لديه، بل شروط دخول أساسية لأي علامة تجارية إلى سلة اختياراته.
ومن زاوية الاستثمار، تعني هذه الفجوة الجيلية بروز فائزين جدد: التقنيات الخضراء، والعلامات الغذائية النباتية، ومنصات التجارة الإلكترونية الشفافة، والشركات العاملة في اقتصاد التجربة. وعلى المدى القصير، يمكن لنشر تقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG) وردود فعل المستهلكين الشباب تجاهها أن يخلق تقلبات سعرية تتيح فرصا تداولية ذات مغزى.
المصدر: موقع بازار
————————
المقالات والتقارير المنقولة تعبر عن وجهة نظر مصادرها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–

