تأملات في دعاء السحر… تحول المعرفة إلى أثر فعلي في حياة الإنسان

شفقنا- تطرق آية الله محمد سروش محلاتي في سلسلة مقالاته التي حملت عنوان تأملات في دعاء السحر الى تحول المعرفة إلى أثر فعلي في حياة الإنسان؛ إليكم نص المقال:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ

«اَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ عِلْمِكَ بِأَنْفَذِهِ وَكُلُّ عِلْمِكَ نَافِذٌ».

الإنسان وتلقّي العلم الإلهي النافذ

كان المعنى الأول للعلم النافذ هو: العلم الشامل الكامل، العلم العميق الذي يكشف لنا جميع الأبعاد والجوانب، لا العلم السطحي، بل المعرفة العميقة. وهذا هو المعنى الأول في تفسير العلم النافذ. وهنا نطلب من الله العلم النافذ، أي نطلب علما ومعرفة عميقة بالنسبة إلى الظواهر المختلفة.

وفيما يتعلق بكيف يصبح العلم عميقا، فقد ذكر إلى حد ما أن عمق المعرفة يعني ـ مثلا ـ قدرة الإنسان على إدراك التحولات المرتبطة بظاهرة معينة ومعرفة مستقبلها ومآلها. وبطبيعة الحال، فإن هذا الإدراك بالنسبة إلى الموجودات المختلفة، عندما يعرف الإنسان القواعد الحاكمة عليها ـ من خلال علوم مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك ـ يمكنه أن يتوقع المسار الذي تسلكه تلك الظاهرة ومستقبلها، لكن بالنسبة إلى الإنسان فإن مثل هذه المعرفة ليست سهلة أو بسيطة، بل تحتاج إلى عمق أكبر، بل إن هناك مستوى أعمق من ذلك لا تصل إليه العلوم البشرية العادية.

إن دعاء السحر لا يشتمل في الحقيقة إلا على محورين:

المحور الأول هو أسماء الله وصفاته، أي التعرف إلى الحق تعالى، والتعرف إلى جماله وجلاله وقوته وعلمه ومشيئته وعزته وغيرها.

أما المحور الثاني فهو محور الإنسان، أي ما الكمال الذي يمكن أن يناله الإنسان في ظل هذه الأسماء، وإلى أي مدى يمكن أن يرتقي ويصعد. فهناك مسألة التوحيد، ومسألة الإنسان الكامل. والإنسان الكامل هو الشخصية التي تنال أكبر نصيب من كل اسم من الأسماء والصفات الإلهية؛ في جماله، وجلاله، وقوته، ومشيئته، وعزته، ومن ذلك علمه.

إن فقرات دعاء السحر توحي لنا أولا بالتوحيد، وتعرفنا كيف هو العلم الإلهي وأنه علم نافذ، ثم في المرحلة الثانية تخاطب الإنسان بأن الطريق للوصول إلى العلم الإلهي النافذ مفتوح أمامه: «أَسْأَلُكَ مِنْ عِلْمِكَ… مِنْ جَمَالِكَ… مِنْ رَحْمَتِكَ…»، أي إن ما عند الله يمكن أن يفيض به على الإنسان، وعلى الإنسان أن يتجه نحو هذا المسار، وهو مسار الإنسان الكامل.

وبناء على هذا المعنى الأول للعلم النافذ ـ أي المعرفة العميقة ـ يطرح السؤال: هل الطريق مفتوح أمام الإنسان للوصول إلى هذا العلم أم لا؟ إن دعاء السحر يبشر الإنسان بأن الطريق مفتوح؛ فاطلب من الله وسر في هذا الاتجاه. وإذا لم نلتفت إلى الدعاء، فإننا نجد في القرآن الكريم والنصوص المعتبرة نماذج من أولياء الله الذين سلكوا طريق العبودية وبلغوا هذا العلم النافذ بهذا المعنى.

علي (ع) صاحب العلم النافذ

ومن نماذج هؤلاء الأولياء والإنسان الكامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). وقد شهد الإمام نفسه بأنه يمتلك هذا العلم النافذ، ومن أمثلته معرفته بمصائر الناس. 

فقد قال: «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَإِنِّي بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ».

إن رؤية الإنسان لما حوله معرفة سطحية متاحة لجميع الناس، أما انكشاف الحجب ورؤية ما لا يراه الآخرون، فهذا هو العلم النافذ الذي منحه الله للإنسان نتيجة عبوديته. ومعنى قول دعاء السحر: «اَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ عِلْمِكَ بِأَنْفَذِهِ» هو: يا رب، كما فتحت طريق العلم النافذ أمام أمير المؤمنين علي (ع) صاحب الولاية الإلهية العامة، فافتحه لنا، فنحن نطلب نفس هذا العلم.

وفي خطبة أخرى في نهج البلاغة أقسم أمير المؤمنين (ع) وقال: «لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ»، أي والله لو شئت لأخبرت كل واحد منكم عن ماضيه وحاضره ومستقبله؛ فكل ذلك حاضر أمامي. ليس معرفة شخص واحد، بل «كل واحد منكم»، وليس صفحة واحدة من حياته، بل جميع صفحاتها من البداية إلى النهاية.

لكن ليس من المقرر أن تذكر هذه الأخبار بسبب ما يترتب عليها من محاذير، فالإخبار بها له محذور، أما العلم بها فهو موجود في صدر أمير المؤمنين (ع). وهذا هو العلم النافذ، وهو مظهر من مظاهر الولاية الإلهية من جهة العلم.

ولهذا العلم آثار متعددة؛ منها أنه يمنح الإنسان بصيرة تكشف له الحوادث والوقائع والمستقبل والناس. أما من لا يرى حتى ما أمام قدميه، فكيف يمكنه ادعاء العلم وقيادة الآخرين؟ إن عليا (ع) يحق له أن يهدي البشرية لأنه يرى الطريق ويعرفه، ولكن من الذي يمكن أن يبلغ مثل منزلته؟

هذا هو المعنى الأول للعلم النافذ، وهو العلم العميق الشامل الذي لا يتحقق إلا بالإفاضة الإلهية.

التفسير الثاني للعلم النافذ

أما في المعنى الثاني للعلم النافذ، فقد قيل إنه «علم فعلي». وقد أشار إلى ذلك الحكيم ملا هادي سبزواري في كتابه أسرار الحكم عند تناوله هذه الفقرة من دعاء السحر: «اَللّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ عِلْمِكَ بِأَنْفَذِهِ وَكُلُّ عِلْمِكَ نَافِذٌ». وذكر التفسير الذي أُشير إليه في القسم السابق، وهو أن المقصود بالعلم النافذ هو العلم الذي يكون له أثر فعلي؛ أي العلم الذي يملكه الإنسان فيتحول إلى قدرة على الإبداع والخلق، بحيث يتحقق ما في الذهن في الخارج.

 

المقال السابقأهم عناوين شفقنا العراق ليوم الثلاثاء 24 فبراير 2026
المقال التاليحزب فوكس يثير جدلاً واسعاً في فالنسيا بمقترح حظر الوجبات الحلال في المدارس والمستشفيات