شفقنا- عزى ممثل المرجعية العليا في اوروبا السيد مرتضى الكشميري العالم الإسلامي بوفاة زوج النبي (ص) خديجة الكبرى (ع) ،قائلا ، لقد كانت الطاهرة السيدة خديجة بنت خويلد (ع) شخصية استثنائية جمعت بين الايمان العملي والبصيرة النافذة والتضحية العظيمة والوفاء الكامل ولم تكن عظمتها كونها زوج النبي (ص) فحسب، بل هي اول نصيرة للرسالة الاسلامية وأول من احتضنتها وأول من ضحى من اجلها، وبهذا اثبتت ان الايمان ليس مجرد كلمات تقال بل هو موقف يتخذ وتضحية تقدم وثبات لا يتزحزح امام المحن فعلى نساء الامة الاقتداء بها واخذ العظات والعبر من سيرتها
يصادف يوم السبت العاشر من شهر رمضان الموافق 28 شباط وفاة ام المؤمنين السيدة خديجة الكبرى (ع) ، والحديث عن هذه السيدة العظيمة بما يتناسب وعظمتها لا يتسع له المجال ولكننا نقتصر على الإشارة إلى بعض النقاط المضيئة في سيرتها :
الأولى: هي اول من امنت بالنبي (ص) وأول زوجة له على الاطلاق، وهي التي طلبت منه الزواج منها، ولم يتزوج عليها في حياتها مطلقا لما كان لها من فضل على الإسلام، فبذلت كل ما تملك في سبيل الرسالة حتى صارت تنام هي والنبي (ص) على حصير واحد ويؤثر ذلك الحصير في اضلاعها، لانها وظفت كل ما تملك في سبيل الحق ونصرة الاسلام والمسلمين ، وبهذا وغيره تميزت شخصيتها بالبصيرة التي كانت تحملها خصوصا ايمانها الاولي برسالة النبي (ص) والتصديق به دون تردد وتشكيك ، فكانت (ع) الحضن الامن الذي احتضن الرسالة وامينها وقالت له كلمتها الخالدة التي تكشف عن عمق ايمانها وثقتها بالله عز وجل (والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم،وتحمل الكل، وتكسب المعدم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق).
هذه الكلمات لم تكن مجرد مواساة، بل كانت إعلانا واعيا عن إدراكها لمقام النبي (ص) وأن الله اصطفاه لحمل رسالته.
لقد امتلكت (ع) بصيرة جعلتها ترى الحقيقة من لحظتها الأولى ولم تتأثر بضغوط المجتمع ولا تقاليده مما يكشف عن استقلاليتها الفكرية وقوة يقينها بالله.
الثانية: لقد كان لدورها (ع) اثر حاسم في تثبيت دعائم الإسلام في مرحلته الأولى ويمكن تلخيص هذا الدور في ثلاثة محاور:
أولا: الدعم النفسي والمعنوي: كان رسول الله (ص) يواجه تكذيبا وسخرية واذى شديدا من قومه وكانت السيدة خديجة (ع) هي السند الذي يخفف عنه آلامه ، ولذا قال النبي (لقد آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس) وهذا النص يكشف عن عمق الدور المعنوي حتى أصبحت عنصرا أساسيا في استمرار مسيرة الدعوة .
ثانيا: الدعم المالي والتضحية بالثروة: لقد سخرت كل أموالها في خدمة الإسلام ومساعدة المستضعفين وفك الحصار عن المسلمين وكان لهذا الانفاق اثر بالغ حتى ورد ان الإسلام قام بجاه ابي طالب (ع) وسيف علي (ع) ومال خديجة (ع). ولم يكن انفاقها مجرد تبرع، بل تضحية كاملة حتى انتهت حياتها وصارت تنام هي والنبي (ص) على حصير واحد ويؤثر ذلك الحصير في اضلاعهما، ولذلك كلما هبط جبرئيل على النبي (ص) ابلغه من الله السلام عليها والبشارة بأن لها بيتا في الجنة.
ثالثا: تحملها الحصار والمعاناة: حيث فرضت قريش الحصار على بني هاشم في شعب ابي طالب فشاركت السيدة خديجة (ع) فيه رغم انها كانت من اغنياء قريش، وباتت تتحمل الجوع والعطش والحرمان، في موقف يكشف عن قمة الوفاء والإخلاص.
الثالثة: مكانتها الروحية عند الله ورسوله: فقد أصبحت من افضل نساء العالمين فقد ورد عن النبي (ص) (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون) وهذا يدل على عظمة مقامها وانها بلغت درجة عالية من القرب الإلهي.
الرابعة: دورها في اعداد الجيل الرسالي: من اعظم بركات السيد خديجة (ع) انها كانت أماً لسيدة نساء العالمين السيدة فاطمة الزهراء (ع) التي كانت الامتداد الرسالي للنبي (ص) حيث نشأت الزهراء (ع) في أحضان أم عظيمة ، وتربت على القيم الإيمانية، والتضحية والثبات، مما جعلها تحمل نفس الروح الرسالية.
ومن هذه السيرة العطرة يمكننا جميعا رجالا ونساء أن نستلهم الدروس والعبر:
– من إيمانها الذي انبعث عن وعي ويقين: مما يدلنا على أهمية التفكير والتأمل في الوصول الى الحق.
– ومن تضحيتها في سبيل المبادئ حيث لم تتردد في تقديم كل ما تملك من أجل نصرة الدين.
– ومن صبرها على الأذى إذ تحملت مشاق الحصار ومقاطعة قريش، رغم مكانتها الاجتماعية السابقة.
– ومن وفائها وثباتها الفذ فقد بقيت ثابتة مع رسول الله (ص) في اصعب الظروف ولم تتخل عنه رغم شدة المحن.
– ومن استثمارها النعم في طاعة الله وتسخير مالها ومكانتها لخدمة الرسالة، مما يدل على أن النعم وسيلة المؤمن الى الله.
وأخيرا وبعد كل تلك السنوات من الجهاد والمعاناة فقد توفيت (ع) في السنة العاشرة من البعثة وكان لوفاتها اثر بالغ في نفس النبي (ص) حتى سمي ذلك العام بـ(عام الحزن) لان النبي (ص) فقد بفقدها سندا عظيما ورفيقة وفية وامرأة لم ير في الاسلام مثلها في اخلاصها وتضحيتها، وبقي النبي (ص) يذكرها طول حياته ويثني عليها وفاءا لها وتقديرا لمقامها.
فسلام الله عليها يوم امنت ويوم ضحت ويوم رحلت ويوم تبعث حية.
جعلنا الله من السائرين على نهجها والمقتدين بايمانها والثابتين على طريق الحق انه سميع مجيب.
انتهى


